رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الرئيس.. من الخطاب.. للحديث

د.عزة احمد هيكل

الاثنين, 23 فبراير 2015 22:34
بقلم - د. عزة أحمد هيكل


منذ أن وقف مارك أنطونيو يخطب في أهل روما الخطبة السياسية الأولي في تاريخ البشرية الحديث بعد مقتل يوليوس قيصر علي أيدي رفاقه في البرلمان الروماني.. والخطب السياسية الحماسية تقاس بما فعله وقاله أنطونيو لأهل روما بعد أن علموا بمقتل قيصر وهللوا وفرحوا لأن هذا البطل الديكتاتور قد قتل علي أيدي أبطال حرروا الرومان من عبوديتهم لحاكم كان يستغلهم ويدفع بهم للحروب وهو يفعل كل هذا من أجل مجده الشخص..

فكانت خطبة أنطونيو بعد خطبة بروتس الرجل الشريف المحارب الذي قتل قيصر وخرج للناس يعلن نبأ تحررهم من الطاغية.. أنطونيو قلب الموازين وحرك الرأي العام وغير دفة التاريخ ومسار السياسة في روما عندما لعب علي المشاعر والأحساسيس للبسطاء ولم يعارضهم في البداية لكنه تحدث عن انجازات القيصر وعن كل ما بذله من أجل شعبه وما كان سيقدمه لهم من مزايا وأموال ويشركهم في الملك والحكم وامتلاك الأراضي والغنائم .. وانتهت خطبة أنطونيو بأن ثأر الناس علي بروتس وعلي كل من قتل قيصر وبدأت الحرب الأهلية في روما والتي انتهت بهزيمة أنطونيو الرومانسي الحالم المحب علي أرض وبحر «مصر المحروسة».. وهو ما يثبت أن الخطب السياسية محرك رئيسى للشعوب وللحروب وإن من يعرف مفاتيحها يملك العالم.. وكان عبدالناصر يسير علي خطي ونستون تشرشل وشارل ديجول الزعماء العسكريين الذين باعوا بلادهم وشعوبهم بالسياسة والعسكرية وفن مخاطبة الجماهير والذي ساد في الستينيات والخمسينيات من القرن الماضي حيث الصوت العالي ومشهد الزعامة

والبطولة والوقوف وسط الجماهير والشعوب في المناسبات الوطنية لاعلان قرارات مصيرية وتوجهات سياسية وعسكرية.. أو إعلان حالة الحرب أو السلم أو العداء أو التفاوض.. المهم أن ذلك الفن الخطابي أصبح علماً أكاديمياً يدرس في المعاهد والكليات الغربية ويتدرب الطلاب علي فنونه ومهاراته ليكسبوا الأصوات أو يحركوا الأقلام لتوقيع اتفاقيات اقتصادية عالمية أو محلية..
وبعد هزيمة 1967 تغير مسار الخطاب السياسي المصري والعربي لأن عبدالناصر عاش حرب الاستنزاف والانكسار للحلم العربي حتي جاء السادات واستمر علي ذات نبرة الحزن والاستنفار والدفاع إلي أن عبرنا بقواتنا المسلحة خط بارليف وتحقق الحلم فعاد الأمل والفخار لكن السادات كانت شعبيته مختلفة عن ناصر وزمنه ليس زمن الناصرية والتحررية في العالم الثالث بهذا كانت خطب السادات خطباً أدبية دينية سياسية لكنها لم تكن حماسية شعبية ذات صدي دولي وعالمي اللهم خطبته في الكنيست الاسرائيلي بعد توقيع اتفاقية السلام 1976.. وجاء مبارك فاستعان في خطبه بكتاب وسياسيين يكتبون ويعرضون آراءه وتوجهاته بلغة تختلف عن شخصية مبارك ذاته فكانت خطبة السياسية في المناسبات المختلفة والاحتفالات الوطنية والدينية معظمها سليمة اللغة والتكوين والمعني السياسي لكنها كانت تفتقر إلي الروح الحماسة الشعبية والتماس مع الجماهير فلم يكن المصريون ينتظرون خطابات الرئيس إلا في مايو انتظاراً لمنحة العمال
والتي يتبعها زيادة في الأسعار فكانت وبالاً وليس فرحاً وانتظاراً.. وجاء مرسي العياط  ليخطب كما في الانتخابات البرلمانية أو السرادقات المحلية متوجهاً بخطابه الارتجالي العفوي لدرجة التدني في الكلمات والألفاظ والمعاني المختلفة والمتناقضة والمثيرة للجدل، متوجها إلي أهله وعشيرته وقبيلته وناسه وجماعته وليس للمصريين وليس للعالم .. فلم يكن قادرا علي إضفاء المهابة والمكانة والوقار إلي ذلك المنصب الرفيع لرئيس جمهورية مصر العربية ذات المكانة والحضارة ولم يكن قادراً علي التوافق المجتمعي ولم شمل المصريين وطمأنتهم ولكن خطبه كانت أشبه بجلسات العرف في الموالد والمواسم أو جلسات الجماعة في الخفاء مطاردين من القانون  لأنهم لا يعترفون بالدولة ولا بالمدنية ولا بالوطنية ولا بالقانون إلا قانون الخلافة والارهاب  والدماء.. وبدأ الرئيس السيسي ذو الخلفية العسكرية والمخابراتية وذلك البعد الديني الوسطي والمصرية الأصيلة والوطنية الغامرة  مرحلة جديدة في الخطاب السياسي الذي لا يكتب ولا يقرر من قبل أحد وإنما هو خطاب بصوت هادئ وواثق ويحمل الكثير من الاطمئنان والأمان لشعب  يحتاج إلي من يحنو عليه بعد الفساد والإرهاب الذي مازال يتعرض له ويعاني من ويلاته.. إلي أن وصل الرئيس إلي نموذج جديد واسلوب مختلف في الخطب السياسية وهو طريقة ومنهج الحديث المباشر إلي الجمهور وإلي عموم المصريين..  فكان الحديث للتوضيح وللتنوير ولتقديم كشف حساب عن الانجازات التي قام بها الرئيس بعد انتخابه وخلال سبعة أشهر من العمل الجاد والمخلص داخلياً وخارجياً.. وطرح الرئيس ما فعله وقدمه دون وعود ودون إشعال حماسة أو مشاعر أو عضب أو اثارة الداخل أو الخارج.. حديث معلومات وتوثيق وتأكيد علي مرحلة جديدة في الحياة السياسية المحلية والدولية وأسلوب آخر لرئيس جديد يؤمن بالعمل والمصارحة ولا يتبع الهوي أو المصلحة لأن الوطن والشعب هما الهدف وإرضاء المولي هو الغاية والمرتجي... من الخطاب إلي الحديث ذلك هو الرئيس المصري الجديد..
د. عزة أحمد هيكل

 

h