التعليم.. همس الجنون

د.عزة احمد هيكل

الاثنين, 03 سبتمبر 2012 23:02
بقلم - د. عزة أحمد هيكل

من الفلسفة إلى السينما والأدب ومن الحارة المصرية إلى رحاب العالمية وجائزة نوبل ومن الكتابات التاريخية والرمزية إلى الغوص فى أعماق النفس البشرية ورصد لتاريخ مصر الحديثة وثوراتها المتعاقبة ومن كتابة السيناريو والرقابة على الأفلام إلى إبداع صفحات فنية عن تاريخ الكون

وعلاقة الفرد بالخالق من منظور فلسفى نفسى قصصي، نجيب محفوظ ذلك الغائب الحاضر فى حياتنا الثقافية والإبداعية والذى كان من أوائل الأدباء المصريين الذين تمت مصادرة أعمالهم فى الستينيات كما حدث مع روايته الشهيرة «أولاد حارتنا» والتى صادرها الشيخ محمد الغزالى ومع هذا كانت أحد الأعمال التى أشادت بها الجمعية الأدبية التى منحته جائزة نوبل فى الآداب عام 1988، ولأن الذكرى السادسة لوفاة الأديب العالمى مرت يوم 30 أغسطس مرور الكرام على الأوساط الثقافية المصرية فإن ذلك مؤشر خطير وناقوس خطر أكيد على حالة الفن والإبداع فى الوطن فى ظل تيارات إسلامية سياسية اتهمت الأديب العالمى بالكفر والزندقة، بل وأحلت دمه وتمت مهاجمته فعلياً وتعرض لحادثة اعتداء وجرح ونزف وشارف على الموت فى سبيل الحرية والكلمة الشريفة والإبداع الحقيقى وحتى بعد وفاته فإن العديد من المتعصبين مازالوا يوجهون إليه سهام التكفير والتخوين، ولكن الغريب هو ذلك الصمت المريب من قبل المثقفين والمبدعين الذين لم يحتفلوا بذكرى محفوظ وهو الذى خصصت له الجامعة الأمريكية جائزة سنوية باسمه تمنح لأفضل عمل قصصى مصرى أو عربى كل عام فى حفل كبير يدعى

إليه العديد من المبدعين محلياً ودولياً، بل والأكثر من هذا فإن الجامعة الأمريكية تنشر العمل الفائز وتترجمه وتسوقه داخلياً وخارجياً فى تقدير لمكانة وقيمة الإبداع والرواية وكذلك تكريماً وعرفاناً لأديب مصرى نال تلك المكانة العالمية.. لذا فلماذا لم تتحرك وزارة الثقافة ونوادى القصة وصالون القاهرة أو الأندية والأوبرا وقصور الثقافة وهيئة الكتاب لتعلن عن مسابقة وجائزة لاسم نجيب محفوظ وللاحتفال بذكراه كمناسبة لتأكيد حرية الإبداع فى مواجهة طيور الظلام القادمة بجوارحها الفتاكة التى سوف تقضى على الحريات وتهاجم الإبداع كما يحدث الآن للإعلاميين والفنانين والمبدعين، فكان أحرى بالمثقفين ووزارة الثقافة أن تكون الذكرى نوعاً من التأكيد والإصرار على الحريات التى كفلها القانون الدولى وحقوق الإنسان وجميع الأعراف والدساتير الحديثة لكن الصمت المريب هو ما يستدعى أن ينتفض الأحرار الذين يملكون ناصية الكلم لأن يطالبوا الجهات الثقافية بأن تحدث ثورة حقيقية فى فعالياتها ونشاطها لتسجل تاريخ وأسماء مبدعيها ومثقفيها للوطن وللأجيال الحالية والقادمة ليعرفوا أن هناك تراثاً عظيماً لآبائهم فى العلم والأدب والثقافة والفنون.
همس الجنون، ولأن محفوظ كاتب استشرف المستقبل فإن أولى مجموعاته القصصية همس الجنون تنبأت بأحوال المصريين الذين سوف يعيشون حالة من الجنون وهم يظنون أنها حالة من التغيير
والإصلاح، فالوضع القائم هو نوع من الجنون الذى نتعامل معه بمسميات مستحدثة عن فوضى وانقلاب وغياب وصدام وصراع ونتمنى أن نصل إلى وفاق ومصالحة وانضباط بينما نحن فى الواقع نقترب من حافة السقوط إلى بئر الخبل والجنون الكامل فلا يوجد تغيير جذرى ولا ثورة حقيقية قد لامست وتماست مع المصريين فى أفعالهم وسلوكهم وقبل كل شيء فى أفكارهم، ومثال هذا ليس الشارع ولا المرور ولا الجمعية التأسيسية للدستور ولا الفضائيات ولا الصحف ولا ساحات القضاء ولا المظاهرات ولا الفيس بوك ولا قضايا قمع الحريات ولا تسريبات مواد الدستور ولا البلطجية ولا مسلسل انتحار الأمل للشباب على شواطئ أوروبا وإنما كل هذا يتلخص فى كلمة واحدة وهو التعليم ولا شىء غير التعليم.. لأن تغيير وطن لن يتم إلا إذا كانت هناك ثورة حقيقية وجذرية فى نظام التعليم الأساسى والجامعى وليس مجرد مسكنات وتصريحات واجتماعات ولن يكفى مقال أو كلمات أو لقاءات للتغيير والاستفادة من الثروة البشرية للقطر المصرى والتى وصلت إلى 90 مليوناً أكثر من نصفهم شباب وأطفال أى طاقة إيجابية للبناء والإنتاج ممكن أن نظل ندور فى فلك التعليم التقليدى ومكتب التنسيق وكم المعاهد الخاصة والحكومية التى تخرج عاطلين وكم المدارس الفنية التى تخرج هاربين وباعة جائلين وبلطجية ونكتفى بضم الثانوية العامة فى عام دراسى واحد ونترك طلاب جامعة النيل ليتظاهروا ضد العالم المصرى زويل و نفقد جامعة وطلاباً ومدينة علوم ويستمر همس الجنون ونحن نظن أننا نقدم علماً وتعليماً ومستقبلاً جديداً يحمى أولادنا من ثقافة مد الأيدى والقروض والديون ونتأكد أننا قد قمنا بثورة بيضاء للبناء والإنتاج وليس ثورة دفع الاستحقاقات وتصفية حسابات الماضى والحاضر والوصول إلى سلطة أو التمكين من الدولة ونخرج للآخر وننسى الداخل ونغفل الغد والمستقبل ونظل نهذى فى همس الجنون.