خطايا المشهد المصري بعد سقوط مبارك

د.عبدالله خطاب

الخميس, 12 مايو 2011 10:51
بقلم :د. عبدالله خطاب

 

لقد غيرت ثورة 25 يناير الشخصية المصرية وأخرجتها من صمت السنين وعار الجبن التي وصمت به الشخصية المصرية والتي لم تفرق هذه التهم بين الصبر والجبن. واستطاعت تلك الثورة أن تخرج أجمل ما في المصريين من محبة ومودة وظهر ذلك جلياً في الفترة منذ قيام الثورة وحتى بعد التنحي بعدة أيام.  ومنذ التنحي وقيام المجلس العسكري بإدارة شئون البلاد حدثت مجموعة من الخطايا أوصلتنا لما يحدث من بلطجة وفتن متعددة منها حوادث الفتنة الطائفية. هذه الخطايا أطرحها كمواطن عادي أشعر بآلام الوطن وليس كمتخصص في العلوم السياسية ونظم الحكم.

الخطيئة الأولى وكانت في البطء الشديد في تطهير المؤسسات من القيادات الفاسدة والتي ارتبطت مصالحها بالنظام البائد. فعلى الرغم من سقوط نظام مبارك استمرت الوزارة التي شكلها مبارك لفترة من الزمن تأجلت فيها العديد من الملفات كان منها محاكمة الرئيس المخلوع والتي اكتشفنا بعد ذلك أن تلك الحكومة كانت على صلة مستمرة به، والذي كان يمني نفسه بالبقاء في شرم الشيخ لفترة من الزمن لحين ترتيب الأوضاع والعودة مرة أخرى كما جاء على لسان الفقي. ولكن مع إدراك الثوار خطورة هذه الحكومة كان الضغط الشعبي باسقاطها وسقطت غير مأسوف عليها. لكن هذا البطء في التطهير وعدم اكتماله حتى الآن كانت له دواعي خطيرة نعاني منها في مصر حالياً. فكيف لضباط متهمين بجرائم قتل المتظاهرين وغيرها من الجرائم لايزالون في أعمالهم، وأن كل ما حدث هو تغيير محل العمل بل كان هذا التغيير بمثابة ترقية لبعضهم. فيعين أحدهم مديراً لأمن الجيزة بعد أن كان مديراً لأمن القليوبية ويعين آخر - وسجله غير نظيف - محافظا لقنا وهو ما ترتب عليه أن تم رفضه من قبل الأهالي. وترتب على استمرار المسئولين الفاسدين مخاطر تخص ملفات مقتل المتظاهرين أثناء الثورة كما حدث في حالة الطب الشرعي، ويستمر هذا الخطر أيضا مع استمرار بقية الفاسدين على قمة المؤسسات. بل إن استمرار هؤلاء المسئولين الفاسدين يعطي احساساً بعدم الثقة في قيادات الدولة والمجلس العسكري ويسمح لدعاة الوقيعة بين الجيش والشعب بالضرب على هذا الوتر.

الخطيئة الثانية وهي غياب التواصل بين المجلس العسكري والتيارات السياسية حيث اكتفى بالمقابلات التي كانت تجري مع بعض شباب الثورة خاصة الائتلاف ولم يكن هناك تواصل بين كافة الطوائف والاستماع إليها خاصة أن الائتلاف نفسه فيه العديد من التيارات المختلفة وكذلك هناك تيارات أخرى خارج نطاقه. بل إن التواصل حتى الآن ضعيف إذ يكتفي المجلس العسكري بالبيانات التي لا يفقهها عديد من الناس لأنها مختصرة وتحتوي على عبارات رنانة غير محددة الملامح. ولا أعرف لماذا لا يكون هناك خطاب اسبوعي من قبل المجلس يوضح التقدم في الملفات المطروحة ويشرح للناس المشكلات المختلفة ورؤيته حيالها. غياب هذا التواصل ترتب عليه احتكاكات 9 إبريل بين المتظاهرين والجيش وسبقتها أيضا احتكاكات بين الجيش والمعتصمين في ميدان التحرير وإن كانت بدرجة أقل مما حدث يوم 9 إبريل. فما نشعره نحن المصريين أن المجلس دائما ما يخرج بعدما تثار القضايا المختلفة في الإعلام أو تقع حوادث مدوية

كحوادث الفتنة أو البلطجة السافرة. فالاستجابة دائما هي في محل رد الفعل وليس المبادرة. فلم يتحرك الجيش ضد إبراهيم كامل إلا بعد احتكاكات التاسع من إبريل ولم يدرك خطورة تعيين لواءات شرطة سيئي السمعة كمحافظين إلا بعد ما حدث في قنا، ولم تظهر كلمة الضرب بيد من حديد إلا بعد أحداث إمبابة!

الخطيئة الثالثة، وهي التراخي في التصدي للبلطجة. فقد كونت القوى الأمنية خلال فترة مبارك جيشاً من المرتزقة تستغلهم حينما تريد كما فعلت في حالات قمع المظاهرات أو مهاجمة ميدان التحرير وتستخدم الآن من قبل المنتفعين بالنظام بإشاعة جو الفوضى وعدم الأمان وأن يتم الضغط بهذه الورقة لكي تعود القوى الأمنية لممارسة دورها القديم في القمع مع إيجاد المبرر وهو تحقيق الأمن والأمان وكأننا الدولة الوحيدة في الدنيا التي أمنها لابد أن يتم من خلال ضرب القفا والسحل وكهربة المحبوسين على ذمة القضايا.

الخطيئة الرابعة، وهي تعجل ثمار الثورة، إذ انطلق الناس في كل المؤسسات بأنانية واضحة بقائمة من الطلبات الفئوية منها هو حق ومنها هو قميئ. فكأن البلد التي نهبت أعواماً سوف تمطر سماؤها ذهباً بعد الثورة. وزاد الطين بلة ما يسمعونه عن وجود أموال ومليارات مهربة وغيرها في أجهزة الإعلام. بل إن عدداً من المطالب الفئوية كانت تحركة رءوس المؤسسات الفاسدين بغرض تعطيل حركة الإنتاج. ولم يدرك الناس أن الاضرابات المستمرة ستعطل عجلة الإنتاج ولن تحمس المستثمرين على القدوم إلى مصر ويزداد الوضع الاقتصادي صعوبة. بل أن استجابة الدولة لمطالب البعض شجع البعض الآخر وذلك على حساب الموازنة العامة وزيادة عجز الموازنة.

الخطيئة الخامسة، وهي التناحر بين القوى السياسية، وقد بدأت بما سمي بفتنة التعديلات الدستورية حيث بدأ التناحر المختلق على أشياء اتضح بعد التعديلات على أنها لم تكن محل نقاش أصلا كموضوع المادة الثانية. لكن القصة لم تنته بعد ذلك فقد استغلت بعض الأطراف هذه المشاحنات وبدأت ببث الفتن بين الفريقين وظهرت لنا فتنة السلفية التي يتم تضخيمها واستغلالها وذلك لخلق مزيد من التناحر بين القوى السياسية بعضها البعض. واستخدمت أجهزة الإعلام الخاصة بممارسة فكر الإقصاء وخلق عدو جديد بدون يقين من الحوداث التي تمت ولإظهار أن الأمور قد ساءت بالموافقة على التعديلات.  فلا يعقل أبدا أن يكون الشريط الإخباري لإحدى القنوات الفضائية الخاصة  والتي عبر صاحبها عن رفضه للتعديلات مليئاً بكل أنواع الحوادث التي تقع في مصر وهو ما يضر باقتصادها ويعطي انطباعاً للقارئ أن مصر أصبحت فوضى. فبدلا من الجلوس وجمع الشتات لمواجهة العدو المشترك وهو فلول الوطني والمستفيدون من النظام السابق انشغل الناس بكم مقعد سيرشح الإخوان، وهل السلفية ستعمم النقاب عندما تصل إلى الحكم وغيرها من أمور غريبة لا مجال لطرحها بل إن طرحها خلق المشاحنات وبدأت العديد من المنازلات الخطابية التي نحن بغنى عنها في ظل أولويات تقتضيها المرحلة الحالية وهي جمع الشتات والحوار دون كيل الاتهامات بحق وبدون حق وممارسة سلوك الإقصاء الذي كان يمارسه النظام القديم.

وللحديث بقية، والله تعالى أعلى وأعلم

*أستاذ الأقتصاد المساعد بقسم الاقتصاد- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.