في شأن إصلاح الجهاز المركزي للمحاسبات (1)

د.عبدالله خطاب

الثلاثاء, 03 مايو 2011 12:55
بقلم - د. عبدالله خطاب

 

كشف حجم الفساد الموجود بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع مبارك هشاشة وضعف الأجهزة الرقابية خاصة تلك التي تراقب المال العام. هذا الضعف في عمل هذه المؤسسات يعود بصورة أساسية إلى سببين إما أن أياديها كانت مغلولة في كشف المخالفات المالية أو أنها نفسها تلطخت بالفساد الذي لطخ كل مظاهر حياتنا ولم ينج أحد منه. وقد انبرى العديد من الناس للحديث عن ضرورة إصلاح الجهاز المركزي للمحاسبات، ولكن للأسف الشديد يرون الإصلاح قاصراً على تغيير الأشخاص- وإن كان هذا صحيحا- إلا أنه إصلاح منقوص. وسوف أحاول في مقالتين منفصلتين طرح قضية الإصلاح للجهاز من خلال تحليل عمله بوضعه السابق وعيوب تلك المنظومة وذلك في المقالة الحالية. ثم تأتي المقالة الثانية بوضع إطار عام لإصلاح الجهاز وذلك من خلال التجربة الدولية وتلك الدول التي نجحت في وضع نظام دقيق يحافظ على المال العام ويوجهه إلى مصارفه الصحيحة.

وتاريخياً فإن مسألة الرقابة المالية على المال العام في مصر بشكلها الحديث يعود بصورة أساسية إلى عهد الخديو إسماعيل حيث قام  بإنشاء أول جهة رقابية  سميت المجلس الأعلى للمالية بموجب مرسوم صدر في مايو 1876. وقد اختص هذا المجلس بمراقبة الايرادات والمصروفات العامة وتدقيق الحسابات العامة وكذا إبداء الرأي في الميزانية العامة للدولة. لكن لابد أن نشير أن الهدف من هذا المجلس لم يكن لغرض تحقيق مراقبة الشعب علي المال العام، وإنما لبث الطمأنينة في قلوب الدائنين في ظل أزمة الديون التي عرفتها مصر في عهد إسماعيل. وفي عام 1915 أنشئ بوزارة المالية إدارة مراجعة إيرادات ومصروفات الحكومة .ولكن النقلة الحقيقية كانت من خلال دستور 1923 الذي تم النص فيه صراحة في المادة 144 على وجوب تقديم الحساب الختامي للإدارة المالية الى البرلمان. حيث نصت المادة على "الحساب الختامي للإدارة المالية عن العام المنقضي يقدم إلى البرلمان في مبدأ كل دور انعقاد عادي لطلب اعتماده". ومن هنا ظهرت فكرة وجود جهة مستقلة للمراجعة

والتدقيق المحاسبي. وفي عام 1942 تم إنشاء ديوان المحاسبة كهيئة مستقلة للرقابة على المال العام بالقانون رقم 53، ثم تغير إسمه بعد ذلك إلى ديوان المحاسبات بالقانون 230 لسنة 1960. ولكن غير إسمه مره أخرى تحت مسمى الجهاز المركزي للمحاسبات وهو المسمى الحالي وذلك في عام 1964 بموجب القانون رقم 129.

وكانت تبعية جهاز المحاسبات منذ عام 1964 لرئاسة الجمهورية وإن ظلت جهة رقابية مستلقة. ولكن بموجب القانون رقم 31 لسنة 1975 أصبح الجهاز تابعاً لمجلس الشعب مع الحفاظ على استقلاله واستمر كذلك حتى صدر التعديل بتغيير تبعية الجهاز من مجلس الشعب ليصبح تابعاً لرئاسة الجمهورية بموجب القانون 157 لسنة 1998 والمعدل للقانون الأساسي للجهاز رقم 144 والصادر في عام 1988.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن تبعية الجهاز لرئاسة الجمهورية (رئيس السلطة التنفيذية) تمثل المشكلة الأولى للجهاز. فالجهاز بطبيعته مراقب على السلطة التنفيذية بما فيها رئيس الجمهورية، وهنا يثور التساؤل كيف لرئيس جهاز معين من قبل رئيس الجمهورية أن يراقبه؟ هذه التبعية تفترض أن يكون رئيس الجهاز التنفيذي ذاته فوق مستوى الشبهات! ولكن ماذا ولو كانت زوجة الرئيس تحول أموال التبرعات لحسابها الخاص؟ هل يرضى بتحويلها للنائب العام إذا اكتشف الجهاز ذلك. وهنا تظهر معضلة الوضع الحالي وهي أن هذه التبعية لرئاسة الجمهورية هي بمثابة قيد على عمل الجهاز وتحد من استقلاليته.  ولعلنا نتذكر فضائح الوزير محمد إبراهيم سليمان وفقا لتقارير الجهاز المركزي المحاسبات والتي أرسلت إلى رئيس الجمهورية- ولكن نجد أن رئاسة الجمهورية أعطته وسام الجمهورية من الطبقة الأولى!! ولولا قيام أحد أعضاء مجلس الشعب الشرفاء بتقديم بلاغ للنائب العام مستخدما تلك التقارير لم تكن هناك قضية ضد

هذا الوزير الفاسد.

المشكلة الثانية في عمل الجهاز، بعد قضية تبعية الجهاز لرئاسة الجمهورية،  هي إضفاء السرية على كل تقاريره وهي تقارير تكشف فساد الجهاز التنفيذي. ومن ثم فإن تقارير الجهاز، الموكل من الشعب للرقابة على ماله العام لا تتاح للشعب ولا تنشر ولا ينشر منها إلا ما يسرب للصحفيين أو يسربه أعضاء مجلس الشعب. وهذه تخالف كل المعايير الدولية للشفافية والنزاهة. لا أحد ينكر بأهمية بعض الملفات وسريتها ولكن مخالفات الوزاراء ورجال الدولة لماذا تصبح سرية! هل هم فوق القانون ؟

المشكلة الثالثة وهي مشكلة الفساد الموجود داخل الجهاز ذاته وإن كان هو أقل الأجهزة المصرية في ذلك. وقد ينكر البعض وجود فساد في الجهاز ولكن هذا غير حقيقي وأبسط مثال على ذلك تحالف بعض المراجعين من الجهاز مع بعض الجهات التنفيذية كالهيئة العامة للبترول مثلا في تأييد وجهة نظر الهيئة في كثير من الملاحظات التي أبدتها وزارة المالية على الرغم من الفساد المنتشر في هذه الهيئة والذي يجب أن يوليه النائب العام أهمية كبيرة. كما أن نظم التعيين بالجهاز لا تجري على أساس امتحانات توظيف سرية تنافسية أو أي عملية رسمية تكفل اختيار العاملين به على أساس الجدارة وحدها دون محاباة بالشكل الأمثل والمعمول به في كافة دول العالم.

المشكلة الرابعة وتتمثل في غياب الرؤية الواضحة للهدف من الجهاز كما تعكسه تقاريره وخاصة ما يخص الموازنة العامة للدولة. فالتقارير من الناحية المهنية ضعيفة وتفتقر إلى غياب الرؤية والهدف. فالجهاز مكلف لعمل شيئين، الأول كشف المخالفات المالية والثاني هو التأكد من أن المال العام قد حقق الهدف منه بصورته التي نص عليها قانون الموازنة وغيره من القوانين المنظمة. ولكن إذا رأيت أي تقرير للجهاز نجد أنه نصفه يتحدث عن الاقتصاد القومي ويصدر احكام تفتقر للدقة المهنية لأن ليس من وظيفة الجهاز تقييم الوضع الاقتصادي، كما الجهاز ذاته غير مؤهل للقيام بذلك أصلاً.

المشكلة الخامسة وهي أن المعايير المحاسبية التي يستخدمها الجهاز–وإن طرأ عليها تغيير وتحسين-  لا تواكب المعايير الدولية للمراجعة كما أن  التقارير الصادرة عنه لا تواكب أيضا  المبادئ العامة لإعداد التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية للمؤسسات العليا للرقابة المالية المعروفة اختصاراً " INTOSAI".

هذه بصورة مختصرة بعض المشكلات الأساسية الموجودة حاليا في منظومة عمل الجهاز، وسوف أناقش في المقالة الثانية بمشيئة الله سبل الحل لمواجهة هذه المشكلات. والله تعالى أعلى وأعلم.

-------------

*(استاذ الاقتصاد المساعد بقسم الاقتصاد- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والخبير المالي بصندوق النقد الدولي (IMF))