ويكيليكس.. أوراق وصفحات

د.عارف الدسوقي

الخميس, 20 يناير 2011 14:41
بقلم:د. عارف الدسوقي

أثارت المعلومات المنشورة والتي مازالت علي موقع ويكيليكس جدلاً كبيراً، كما أنها شدت انتباه الكثيرين سواء بالمتابعة أو التعليق وذلك بسبب تزايد حجم ومساحة الفزع الذي اصاب الكثيرين من المعنيين بأمور تتعلق بما أظهره محتوي هذه الصفحات من معلومات تم نشرها علي هذا الموقع، وقد بلغ تعداد ما سمي بوثائق ويكيليكس ما يزيد علي ثلاثمائة وأربعين ألف وثيقة، ولذلك وتناسبا مع هذه العدد الكبير تزايدت الأسئلة المثارة حولها، ومن أهم هذه الاسئلة ما يتعلق بكونها هل ترقي هذه الاوراق المسربة الي مرتبة الوثائق التي تحظي بأي درجة من درجات السرية المتقدمة وبالتالي فإن تسريبها أو تسربها قد يسبب ضرراً علي مصادرها أو جهات الاحتفاظ أو لأي طرف آخر من الاطراف المعنية بمحتوي الوثيقة؟ أم تري أنها اصبحت أوراقا عادية ولم تعد تحظي بالحد الأدني من درجات السرية التي كانت تتمتع به ولم يعد هناك ما يوجب الاهتمام بها أو حتي حفظها للتعامل بها وقت الضرورة أو الحاجة اليها، وبالتالي تم اخراجها من أدراج الحفظ ليتم التصرف فيها بإحدي وسائل التخلص من هذه النوعية من الأوراق التي كانت لها أهمية، وطبعاً يا حبذا لو أمكن لو كان التخلص منها باحدي الطرق المفيدة والتي تعود علي هذه الاجهزة المعنية بأكبر عائد ممكن.

وفي تصوري وقبل البدء في مناقشة هل هذه الأوراق من النوع الوثائقي الذي يحظي بالسرية أم أن هذا الرداء تم خلعه عنها وانتقلت الي ما دون ذلك، وعليه وقبل تحليل محتوي هذه الأوراق لابد من التعرف علي أبسط قواعد وأساليب الحفظ والتأمين للوثائق الورقية والالكترونية وهي معقدة وتخضع للعديد من أدوات المراقبة والمتابعة اليقظة والمستمرة.

وأحسب أنه وطبقاً لأبسط القواعد المعمول بها في أنظمة حفظ وتأمين الوثائق السرية ورقية كانت أم الكترونية فليس من السهولة أن يجري اختراق هذه النظم بسبب نظام المراقبة والمتابعة اليقظة والمستمرة للمسموح لهم بالتعامل مع ما تم حفظه في الخزائن الورقية المؤمنة أو في قواعد البيانات التي تخضع للتأمين الالكتروني ناهيك عن الرقابة البشرية ونظم الكاميرات الرقمية التي تصور وتسجل دبة النملة، وهناك التأمين الاليكتروني للأبواب والذي يتم عادة دمجه مع كاميرات التصوير المؤقتة زمنيا، ونظام السماح باستخدام الكروت الذكية للتعامل مع البوابات الالكترونية لمواقع خزائن حفظ المستندات والوثائق ذات الصفة السرية والتي تقوم بالانذار حال حدوث أو ظهور أي خلل عفوي حتي لو كان مجرد رائحة أو ظهور دخان أو ارتفاع حتي في درجة الحرارة، وكلها ادوات يتم استخدامها ومراقبتها ومتابعتها بشكل مستمر ومنتظم، ومن ثم تبدو صعوبة الاختراق في هذه الانظمة لحفظ المستندات والوثائق الورقية، وفي حالة الأنظمة المستخدمة في الحفظ الالكتروني لقواعد البيانات التي لها صفة السرية فإن الامر يبدو أكثر تعقيداً، ويستخدم بجانب ما سبق الاشارة اليه من نظم الابواب الالكترونية وكروت السماح

الالكترونية ونظم كاميرات التصوير الرقمية المرتبطة بنظم تخزين رقمية ضخمة ما يسمي بالنظم المتقدمة لتأمين الحاسبات وقواعد البيانات وهي ليست فقط متطورة بل يتم تحديثها بصفة دورية ومن خلال مسئولية محددة، وللتدليل علي سبيل المثال فإن كل مستخدم لإحدي النهايات الطرفية في البنوك له كلمة سر خاصة تستخدم كمفتاح للتعامل المحدود وفي حدود المستوي المسموح له به داخل النظام الذي يخضع لبناء سلطوي مسئول من أعلي الي اسفل في اطار ما يسمي system Highsarchy.

ورغم كل هذا التعقيد في نظم التأمين والحماية التي يعرفها المتخصصون فإن الاختراق والسطو والقرصنة ممكن وليس مستحيلاً انطلاقا من مداخل متعددة، لكن من المؤكد فإن أي عملية قرصنة أو سطو أو اختراق لأي من هذه النظم يتم اكتشافها والتعرف عليها في معظم الحالات بشكل فوري إما بشكل تلقائي من النظام نفسه ومن خلال برمجيات تعمل بشكل تلقائي مع النظام لحمايته وتأمينه بل وغلقه كاملاً حتي لا تستمر عملية السطو والاختراق أو من خلال رقابة صارمة لكل الأعمال.

كما أنه لا يمكن بشكل قاطع منع التسريب المتعمد من عملاء داخل أي نظام، وتكمن درجة الخطورة في موقع العميل نفسه وإذا استمر في عملية التسريب لفترة قبل انفضاح أمره الذي لابد من اكتشافه وتحديده.

وفي حالة الوثائق التي لها صفة السرية فهناك قواعد معمول بها للاستخدام والاطلاع والتداول المحدد والمحدود طبقاً لدرجة السرية ومدة سريانها، كما أن قواعد البيانات التي لها صفة السرية يتم عزلها بعيداً عن الاستخدامات المستمرة للنظام ولا يسمح بدمجها مع النظام الا من خلال ترتيبات وأوامر محددة ومسئولة ولأشخاص بعينهم، كما أن التجوال الالكتروني داخل هذه القواعد يتم وفق أوامر سلطوية محددة داخل النظام ليست متاحة لكل من هب ودب بل يتم تسجيلها وتسجيل من قام بها.

والمتعارف عليه أنه عند انتهاء فترة الحظر وانتفاء صفة السرية عن كم من الوثائق والمعلومات فإنها توضع تحت مسمي السماح بالاستخدام ويتم اظهارها للعلن بشكل مدروس ومنظم وبما يحقق الاستفادة منها. كما أن صلاحية الاستخدام المنظم والمدروس لا تمنح لكل من هب ودب لكنها تمنح بصفة انتقائية وبالشكل الذي لا يسيء لمصالح الدولة.

ولهذا فإنني اتصور أن هذا الكم من الاوراق يصعب أن يكون قد تم التحصل عليه من خلال سطو أو قرصنة أو اختراق لكنه تسريب متعمد لهذه الأوراق، ولا مانع أبداً أنها كانت تحمل صفة السرية لفترة زمنية محدودة وزالت عنها صفة السرية وفقدت

أهميتها وانتقلت الي ما يسمي بأوراق الدشت أو نفايات المعلومات الوثائقية.

وأحسب أنني عندما حاولت تحليل المحتوي لعدد لابأس به من هذه الاوراق المسماة بوثائق ويكيليكس والتي تم نشرها ترسخ لدي اعتقاد كبير بأن غالبيتها اوراق عادية ومعظمها يحوي رؤية شخصية حول لقاء أو حديث دار في غرفة مغلقة ثم تم نقله إلي موقع أعلي للمساعدة في صناعة رؤية مسئولة أو في صناعة قرار سوف يتم اتخاذه وبذلك انتهت أهميتها، وأحسب أن كثيراً من الهمهمات السياسية التي تم تناقلها في أوقات سابقة حول العديد من الاحداث والقضايا السابقة والتي أثارتها هذه الأوراق بشكل مطابق لما كان يدور همسا وليس هناك مفاجآت مدوية للعديد من رجال الصحافة العارفين بالخفايا ولهم علاقة ببواطن الأمور ناهيك عن الأجهزة المختصة.

ولذلك فإن غالبية هذه الأوراق لم تعد تمثل وثائق لها صفة أو درجة من درجات السرية التي تستوجب الاحتفاظ بها وغدت تكلفة الاحتفاظ بها تتفوق علي قيمة محتواها، ولذلك فمن الاجدي استثمار التخلص منها او اصطناع تسريبها للحصول علي أكبر عائد ممكن بما في ذلك المصالح الاستراتيجية، ومن هنا بدأت أهمية التسريب الذكي وتسويق الأمر كما لو كانت وثائق ذات اهمية وتحظي بدرجة من درجات السرية لتؤدي دورها في تحقيق أكبر عملية ابتزاز للأفراد والدول تحت مسمي التهديد بالارهاب الدولي الذي تمثله تنظيمات القاعدة المنتشرة في فضاء دولي وهمي لا أحد يعرف هويته وهوية من يحركونه.

ومن هذا المنطلق وكما يجري ابتزاز بلدان عديدة باستخدام ذلك الشبح الاسطوري لتنظيم القاعدة بقيادة بن لادن اصبحت شخصية أسانج وموقع ويكيليكس شيئا اسطوريا يتماثل تماما مع بن لادن وتنظيم القاعدة وتهديداته، الا أن الفارق بينهما هو وجود بن لادن وتنظيم القاعدة علي الأرض أما هذا الاسانج وموقعه الذي يدور في الفضاء، وكلاهما شبح جري استخدامه لابتزاز المرتعشين من الحكام الدكتاتوريين الذين نهبوا شعوبهم وهربوا اموالهم الي الخارج، ولذلك بات عليهم وعلي امثالهم وعصاباتهم تقديم القرابين لأصحاب الموقع ومن يستخدمونه وإلا سيتم نشر الغسيل.

ولذلك يقينا لو كانت هذه المعلومات وثائقية وتحظي بالسرية ومحظور نشرها أو تداولها وتسربت عن طريق السطو أو القرصنة، والاختراق لألقي القبض علي أصحاب الموقع قبل أن يتمكن من متابعة النشر، كما أنه لو كان هذا صحيحا لتم تدمير الموقع فوراً بكل الاساليب المعروفة وملاحقته تحت أي مسمي آخر، وكل هذا ليس بالأمر الصعب علي أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية والموساد التي تمكنت من تعطيل أكثر من ثلاثين ألف جهاز طرد تعمل في المفاعلات الايرانية دفعة واحدة.

وخلاصة القول أن موقع ويكيليكس ما هو إلا تشكيل الكتروني يحاكي بن لادن وقاعدته لتحديث طرق الابتزاز للحكام والشعوب باستخدام أوراق ومستندات فقدت قيمتها وأهميتها وأصبحت في حكم دشت ونفايات المعلومات.

وربما تكون الحسنة الوحيدة لهذا الموقع هو ذلك الهلع الذي أصاب العديد من الحكام الديكتاتوريين والجاثمين علي صدور شعوبهم وقد يمثل ذلك رسالة لهم لمراجعة الذات ومصالحة الشعوب قبل فوات الأوان ومراجعة مواقفهم واستعادة الاموال المنهوبة والمهربة للخارج لتستثمر داخل أوطانهم بدلاً من بقائها في حسابات مشفرة داخل البنوك الغربية التي تحصل منهم علي أتعابها مقابل تأمين رؤوس الاموال وحمايتها.

كما أنه طرح علي الملأ ضرورة مناقشة ومراجعة مبدأ حرية تداول المعلومات ومبدأ الشفافية للقرارات السرية والعلاقات المشبوهة من خلف الجدران حتي لا تكون فيما بعد مدخلا للابتزاز اذا أمكن السطو عليها باستخدام عمليات السطو والاختراق لخزائن الاسرار، كما أنه قد يفتح الباب علي مصراعيه أمام امكانية سيطرة التقنيات المعاصرة المستخدمة للمعلومات المفبركة علي تحريك الفوضي في العديد من الدول.