التيار الإسلامي وضماناته للنظام الديمقراطي

د.عادل عامر

الأربعاء, 28 ديسمبر 2011 08:35
بقلم - الدكتور عادل عامر

كتيبة تساؤلات حائرة, بين الخوف والقلق, تحيط بصعود التيار الإسلامي, وحصول التيار الاسمي كله المتمثل في حزب الحرية والعدالة والنور والبناء والسلامة والأصالة علي نسبة ثمانون في المائة من مقاعد البرلمان حتى الآن ومتوقع الاستقرار علي هذه النسبة في المرحلة الثالثة التي ستجري في مقبل العام الجديد  لهذا سوف يكون  البرلمان المصري المقبل " إسلامية "..

وأصبح التساؤل الضخم داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية يدور حول مستقبل مصر في يد الإسلاميين?! ومصر إلى أين بعد صعود التيار الإسلامي?! والتساؤل يقف في مواجهة تصريحات قيادات سلفية عن اعتزامهم إعادة صياغة البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياحية لمصر وفق رؤيتهم للشريعة الإسلامية!! وعدم وضوح موقف جماعة الإخوان المسلمين من قضايا اجتماعية وطائفية وسياسية, ولا يزال الغموض يحيط برؤيتهم من تطبيق الشريعة الإسلامية على مسار السياسة العامة في مصر!! وتحذير من التجربة التونسية مع انفلات ممارسات التيار السلفي المتصاعد هناك, واقتحام مجموعات سلفية كلية الآداب في منطقة منوبة, وهي ضاحية غربية بالعاصمة التونسية, واحتجاز عميدها لإجباره على قبول طالبات منقبات, وهي إحداث متكررة تعبر عن حالة من الزهو يعيشها التيار الإسلامي بشكل عام, وأن قيادات حزب النهضة (المعبر عن أفكار الإخوان المسلمين) يتعرض لنوع مختلف من الضغوط, حيث لا ترغب في خسارة هذه الأصوات (السلفية) فهل يواجه الإخوان في مصر نفس الضغوط, مما يثير انشقاقات داخل صفوف جماعة الإخوان?! وتبقى الشكوك قائمة, وتثير بدورها المزيد من التساؤلات الحائرة, على هامش مشاعر القلق والخوف, من نوايا التيار الإسلامي سن قوانين جديدة تغير بنية المجتمع المصري اقتصاديا واجتماعيا خاصة بشأن السياحة والبنوك والبورصة ووضع المرأة والتعليم!! ان مجلس الشعب الجديد لن يتمكن من سن أي تشريعات تغير تشريعات سابقة إلا بعد تشكيل اللجنة التأسيسية التي ستضع الدستور الجديد, واللجنة الدستورية الجديدة لن تكون طليقة اليد في وضع ما تشاء من مواد في الدستور, فستكون مكبلة بالالتزام بأحكام جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الدولة المصرية منذ العشرينيات من القرن الماضي, ولايعني هذا فقط الاتفاقيات السياسية مثل كامب ديفيد, بل أيضا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, والاتفاقية الدولية لعدم التمييز, واتفاقيات حماية النساء, والقضاء على الفساد, وجميع المواثيق والإعلانات المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان, واستبعد تماما ان يتمكن أي تيار من تغيير الثوابت المدنية والاقتصادية والاجتماعية للوطن في ظل وجود القوات المسلحة التي ستحتفظ في الغالب بوضعها وواجبها في توفير الحماية للمجتمع من الداخل والخارج, وأنه من الناحية السياسية لن يتمكن المتشددون من فرض سيطرتهم, خوفا من انقلاب عسكري عليهم.. لن تتحقق, لان الشعب والجيش سيقفان ضد هذه الأمور, التي قد تكون شرارة تحرق المجتمع كله!! وفي مواجهة بورصة القلق والمخاوف, تحاول جماعة الإخوان المسلمين تهدئة المشاعر, والإجابة على تساؤلات القلق والخوف من المستقبل!! وقال الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي للجماعة ان جماعة الإخوان المسلمين لا تسعى لفرض القيم الإسلامية على المصريين الذين يضمون بينهم أقلية مسيحية قبطية لا يستهان بها, فنحن نمثل حزبا معتدلا وعادلا, ونرغب في تطبيق أسس الشريعة بشكل عادل يحترم حقوق الإنسان والحريات الشخصية, وجماعة الإخوان لا تشارك التيار السلفي تطلعاته بفرض صارم للشريعة الإسلامية على الحياة الشخصية للمصريين, ونحن نحترم اختيار الناس لدينهم وأسلوب حياتهم. لا أعتقد ان يكون أول برلمان حر في مصر معبرا عن الثورة بصورة كاملة, قد يحدث ذلك في البرلمان بعد القادم بصورة اكبر, ان هذه الانتخابات ليست معيارا لنجاح الشباب, لكن الانتخابات التي تليها هي التي ستحدد نجاح حزب وفشل أخر, بعد ان تكون الأحزاب قد حصلت على الفرصة الكاملة للعمل الحقيقي في هذه الفترة وهي 5 سنوات.. لست مع المتخوفين من ممثلي حزب جماعة الإخوان المسلمين " الحرية والعدالة " أو حزب " النور " السلفي, بل على العكس أنا متخوف على التيار الإسلامي من نفسه, لان إمامه امتحان صعب, قد لايجتازه بنجاح, فالشعب المصري كسر حواجز الخوف, ولا اخشي عليه من أي تيار, ليبرالي أو يساري أو إسلامي, فالشعب سيجبر كل هذه التيارات على ان تنخرط في التيار الوطني العام, لا العكس, وبالتالي فإن أي تيار سيحاول ان يسير ضد التيار الوطني أو يحرفه عن طريقه, فسيكسر أمام الشعب.
منهج الإخوان في الحكم
أن وجوب تحكيم شرع الله، وهو ما عبر عنه حسن البنا في المؤتمر الخامس للإخوان بقوله: "فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا, ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف". وبنفس الروح كانت جماعة الإخوان عام 1948 أعلنت معركة المصحف حتى تحدد الدولة موقفها من القرآن باعتباره المصدر للتشريع والحكم، وكتب البنا أربعة مقالات عندما نتحدث عن الإسلام السياسي فإن الحديث لا يدور حول جوهر الدين الإسلامي أو جوهر أي دين من الأديان، وبالتالي ليس مثارًا ما هو الفهم الصحيح للإسلام أو الفهم الخاطئ للإسلام! إنما الحديث يدور حول فهم أفراد وحركات متطلعين إلى السلطة، حركات تسعى لإعادة هيكلة المجتمعات وتضع تبريرًا دينيًا لذلك. مع ضرورة التمييز بين علاقة الدين بالدولة وعلاقة الدين بالمجتمع، ذلك أنه لا يوجد مجتمع ينتفي فيه تأثير الدين، حتى أكثر المجتمعات علمانية فيها مظاهر كثيرة لتأثير الدين، وإذا أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية كمثال نجد أن من أهم أعيادها هو عيد الشكر وهو عيد ديني. وإذا كان الدين له تأثير في المجتمع فهل يجوز أن يكون له تأثير في الدولة؟ بمعنى هل من حق أحد أن يتكلم باسم الدين ويُدلي بحكم ديني في الأمور السياسية مثل القول إن المشاركة السياسية هي أمر يتطلبه الدين أو الإفتاء بأن المشاركة في هذه الانتخابات أمر حرام؟ من المؤكد أن إقحام الدين في أمور خلافية لا يخدمه ولا يخدم الحياة الدنيا محل الحديث. والملاحظة أن هناك الكثير من التيارات الشبابية وعديد الأحزاب المناهضة لتيارات الإسلام السياسي  تدخل الانتخابات وهي خاسرة لأنها لم تستطع كسب قلوب وعقول الشارع المصري وركزوا على الظهور في وسائل إعلام مناصرة لهم ولخطهم السياسي ولم يركزوا على التواجد بين الجماهير بعكس التيارات الإسلامية  التي تنشط منذ سنوات طويلة عبر تقديم الخدمات الاجتماعية عبر الجمعيات الأهلية الإسلامية تعبيرا عن الطابع الاجتماعي للإسلام الذي يحض الأفراد على العمل الاجتماعي الايجابي، وعلى بر الأغنياء والقادرين بالفقراء  و ما ساعد على ذلك تنامي الحرص من جانب تيارات الإسلام السياسي  على إحياء الممارسات الدينية وانتصار الايدولوجيا الإسلامية ولتحقيق هدف الأسلمة من القاعدة. كما أن تيار الإسلام السياسي سيما الإخوان المسلمون طوروا من خطابهم السياسي، فمثلا  بعد ان سادت في الخمسينات والستينات أفكار سيد قطب التي قسمت المجتمع إلى طليعة مؤمنة وحكومة كافرة، واعتبرت أن وسيلة التغيير هي الثورة عبر تنظيم تلك الطليعة. لكن منذ الثمانينيات أبدى الإخوان اهتماما ملحوظا بقضايا احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل المجتمع المصري، وشاركوا بفاعلية في الحملات السياسية التي أطلقتها المعارضة المصرية من أجل مواجهه أي اعتداءات من قبل السلطة على الديمقراطية وعلى حق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم. وشاركوا في الثورة بعد ظهور بوادر نجاحها وطوروا تباعا من أفكارهم تطويعا لضرورات العمل السياسي وكان من أهم ما عدلوه مؤخرا هو أنهم “جماعة من المسلمين” وليسوا جماعة المسلمين.وما يزيد من أهمية شأنهم أنهم يظهرون أكثر مرونة واعتدالا مقارنة بالتيارات السلفية في مصر التي فاجأت الجميع بقدرتها على الحشد في تظاهراتها الحاشدة في 29 يوليو الماضي وهم  يصرون على إسلامية الهوية والدولة بعد الثورة ووفقهم فإن الديمقراطية مشروطة دائماً بالمرجعية الإسلامية.
فهل فوز تيارات الإسلام السياسي يعني هزيمة الديمقراطية وانتهاء الربيع الديمقراطي في مصر؟ .
في تقديري  انه لابد من مراجعة ” النظرية ” الشائعة القائلة بان لدى الحركات الإسلامية في كل مكان عداءا فطريا للديمقراطية إذا وصلت للحكم. فالواقع أن هذه النظرية لا تستند لدليل تجريبي حتى الآن ولا يمكن إثباتها رغم أنها تقدم في الكثير من الأحيان باعتبارها في غير حاجة إلى إثبات، الأمر الذي يجعلها أشبه بنظرية ميتافيزيقية، أما الاستناد إلى تجربتي إيران و السودان في أحيان أخرى، فلا يفيدان  كثيرا في دعم تلك ” النظرية “. فتصلح هاتان التجربتان  للاستخدام في المجالات الدعائية. ولكن في مجال المناقشة الجادة و الدراسة المقارنة، فمن الصعب الاعتداد بهما. فتجربة إيران تعتبر خارج نطاق المقارنة من البداية، لان ” آيات الله " وصلوا للحكم من خلال ثورة شعبية وليس عبر انتخابات حرة. وبالتالي فهي تجربة ذات طابع خاص في مجال النظم المقارنة، وعلى صعيد الإسلام السياسي أيضا لكونها تجربة شيعية. أما تجربة السودان فليس ثمة ما يؤكد تورط الجبهة القومية الإسلامية في الإعداد لانقلاب 1989، والتآمر على النظام الديمقراطي الذي كانت تعمل في إطاره والمرجح أنها اتجهت إلى تأييده بعد وقوعه. الأمر الذي يعكس انتهازية سياسية ونقصا في الأخلاق والتربية الديمقراطية لا يقتصر على الحركات الإسلامية في الواقع. وهذه قضية بالغة الأهمية فيما يتعلق بمستقبل الديمقراطية في مصر. غير أن ذلك لا ينفي تفهم قلق القلقين من فوز هذا  التيار، بسبب عديد العوامل مثل الافتقار للتقاليد الديمقراطية وغموض مبدأ الدولة المدنية بمرجعية إسلامية كما أن الحضارة الإسلامية – كما لاحظ عتاة المتخصصين في الفكر الإسلامي – لم تعرف عددا من المفاهيم الرئيسية في الممارسة الديمقراطية  مثل التصويت بمعنى المشاركة السياسية كأسلوب من أساليب الممارسة الديمقراطية. والمجالس النيابية بغض النظر عن وظيفة تلك المجالس الحقيقية كتعبير نظامي عن الإرادات الشعبية. وكذلك الضمانات التشريعية أو النظامية لحماية الحريات الفردية في مواجهة الإرادة الحاكمة لم تعرفها كذلك الحضارة والتقاليد الإسلامية. والاهم  من ذلك هو  اختفاء مفهوم شرعية المعارضة السياسية. كما أن ما يقض مضاجع التخوف على مستقبل البلد الديمقراطي  هو تزايد التوترات المتصاعدة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة” الذي يحكم البلاد منذ استقالة مبارك في 11 فبراير و “الإخوان المسلمون” والتخوف نابع من  أن التوترات المتصاعدة بين الاثنين قد  تفرز بيئة سياسية مضطربة على نحو متزايد، مما سيُعقد قيام مصر كدولة مستقرة وديمقراطية.ووجه الاختلاف أن حسن البنا كرس نفسه

للتنظيم وللإصلاح وأعطاهما الأولوية، أما سيد قطب فقد أعطى الفكر والاعتقاد السياسي الأولوية، فكرس نفسه للتمييز بين الكفر والإيمان في علاقة الحكم والحاكم بالمحكومين، علاقة النظام الكافر، والمجتمع المحكوم الراضي بهذا الحكم والآثار المترتبة على ذلك. ويدعو لبناء حكومة إسلامية واجبة الطاعة، ولو كانت ناقصة في ظلّ الحكم في الفقه الإسلامي؛ ولو اقتصرت على حفظ النظام والأمان للناس".كان الإخوان المسلمون يتسعون لأفكار أخرى مخالفة من داخل أفرادهم أو يتبنّون بعض الأفكار الجيّدة التي جاءت من غيرهم؛ إلا أنهم أصبحوا بعد ذلك يرفضون كل ما لم ينبع من داخل الجماعة، ويرفضون الانفراد بآراء تخالف الآراء العامة التي يسيرون عليها؛ ولذلك حدث لديهم بعض الانشقاقات؛ فانشق عنهم بعض الوسطيين أمثال أبو العلا ماضي ومحمد سليم العوا حديثا، وقديما الشيخ محمد الغزالي والقرضاوي.
أهم ما يُؤخذ على الإخوان
- تقديمهم الدور السياسي -كجماعة دينية- على الدور الروحي، الذي وضعه حسن البنا لَبِنَة أولى لبناء المسلم.
- هناك بعض العناصر التي تنسى الهدف العام، وهو ريادة المنهج الإسلامي أيا كان مطبقه وقائده، وتضع نصب أعينها أن تكون الريادة لجماعة الإخوان. - وعدم قدرتهم الآن على صياغة كاملة لمنهج المجتمع المدني، الذي لا تظهر فيه مرجعيتهم الدينية على سطح التطبيق. في الواقع أن ثمة قسطًا ضخمًا من التراث الإسلامي، خاصة المتعلق بأصول الحكم وقيام الدولة وإدارة أركانها، لا يزال حبيس الجدران ولم يُقدر له التداول الحقيقي، وحتى إذا كان معروفًا في بعض الأحيان فإنه لا يزال حتى اليوم لا يخضع إلا لذلك التعامل البدائي الذي يقودنا فقط للسرد التاريخي دون السماح بالمقارنة أو الفهم الحقيقي لدلالة النص، وربط الجانب النظري الفكري بالجانب التطبيقي الميداني. نحن في حاجة ملحة اليوم من علماء الأمة في ظل الهجمة الشرسة التي يقودها البعض ضد المرجعية الإسلامية للدولة المدنية التي نبتغيها لإبراز الرؤى السياسية التي حث عليها علماء الاجتماع السياسي الإسلامي، والمصادر الفقهية، وكتب الحسبة، والمصادر التاريخية، وكتب الآداب التي تمس السلوك الاجتماعي، ومصادر القضاء الإسلامي، والتي تعكس صورًا واضحة لنشاطات الحياة ومظاهرها المختلفة داخل الدولة والمجتمع في تراثنا الإسلامي، كما تضم فلسفة شاملة وكاملة لتصور العرب والمسلمين لأصول الحكم وقيام الدولة وإدارة أركانها بدءًا من الفرد وانتهاء بالحاكم، فلم تترك شاردة وواردة من أركان الدولة إلا وتطرقوا إليها حتى بناء المدن والجيوش والعمال، وهو ما يُعد مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية. وهذا الإرث الكبير يحتاج إلى تضافر جهود مجموعة كاملة من الدارسين المتخصصين في كل فرع تناولته هذه المصادر، في محاولة لإبراز رؤية علماء الاجتماع السياسي للوضع الأفضل لإدارة المجتمع وفق معطيات الدين الإسلامي، ومجريات الأحداث السياسية، حرصًا منهم على النهوض بالمجتمع وتقويمًا لسياسة الحاكم برسم المنهج الصحيح الذي يجب إتباعه عند إدارته للحكم. ويعد العالم شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع المتوفى سنة 272هـ/ 885م، من أوائل الذين عرضوا لذلك في كتابه "سلوك المالك في تدبير الممالك" على التمام والكمال الذي خطه للخليفة المعتصم العباسي، وكذلك كتاب "تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك" لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي المتوفى سنة 450هـ، وكتاب "السياسة" لأبن حزم، و"الشهب اللامعة في السياسة النافعة" لأبن رضوان. ثم يأتي عبد الرحمن بن محمد بن جابر المقري المعروف بابن خلدون المتوفى سنة 808هـ/ 1406م، ليعرض أفكارًا متطورة لإدارة الدولة، ويظهر ذلك بوضوح في مقدمته التي فلسف فيها التاريخ ودرس فيها المجتمعات البشرية دراسة علمية واهتم بالعمران البشرى، ثم يأتي محمد بن علي الغرناطي الأندلسي المعروف بابن الأزرق المتوفى سنة 896هـ/ 1490م، في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك".
أولويات مطلوبة من التيار الإسلامي بعد وصلهم للحكم
1- مبدأ العدالة في التراث الإسلامي:
كانت أولى مطالب ثورة 25 يناير ترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية بعد أن فقدنا مبدأ العدالة بين الأفراد في الدولة، ومن هنا نقول ونؤكد ونعلن أن العدالة ركن أساسي أكده فقهاء الاجتماع السياسي في التراث الإسلامي فجعل ابن أبي الربيع- صاحب كتاب "سلوك المالك في تدبير الممالك"- العدالة الركن الثالث من أركان الدولة المتمثلة في "الملك- الرعية- العدل- التدبير". وأكد العلامة ابن خلدون أن عدم ترسيخ مبدأ العدالة في المجتمع يمثل نذير خطير، فهو يرى أن تحقيق مبدأ العدالة في الحكم إسعاد للأمة والعمل على تحقيق مصالحها، فالدولة عنده لا تُحقق الرقي والحضارة إلا إذا قامت على مبدأ العدالة، بل إنه يعلن بصراحة أن الدولة عندما تجعل الظلم محورها فإن مصيرها لا يمكن أن يكون إلا الانحطاط السريع ثم الموت أو الفناء، ويقول ابن خلدون أيضًا في مقدمته إن أعظم مظاهر الظلم التسلط على أموال الناس بالباطل فيذكر "... إن الظلم مُخَرب للعمران وإن عائد الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض، فالظلم ليس أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك‏، وكل من أخذ مُلك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقًّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه‏،‏ فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة واغتصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها، ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق‏.‏ رحمك الله يا ابن خلدون وكأنك تشخص حال دولتنا مصر المحروسة في ظل حكم النظام الفاسد الذي كان قابعًا على سدة الحكم قبل ثورة 25 يناير، فما هو الحل في نظرك يا ابن خلدون؟، يقول العلامة ابن خلدون موجهًا النصيحة للحكام: "أيها المَلِِِِك إن المُلك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالمُلك ولا عز للمُلك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل"‏. أما الفارابي فيصف السلطة الجاهلة بأنها تلك التي لا تتسم بالتعقل والحكمة والعدل، وهي لذلك لا بد أن تنتهي إلى الخراب والدمار. إن العدالة والحياد وعدم التحيز في التصور الإسلامي شرط من شروط أية ممارسة للسلطة، وهي ليست قاصرة على القضاء بل تتعدى ذلك إلى الحاكم، يقول الماوردي: "... إن أهل الإمامة الشروط المعتبرة فيهم سبعة إحداها العدالة على شروطها الجامعة..."، كما أن العدالة شرط فيمن يتولى السلطة وفيمن يختار من يتولى السلطة. فمبدأ العدالة مبدأ أصيل يُشَكل ويتحكم في جميع المبادئ الأخرى السياسية المرتبطة بكل ما له صلة بالتعامل مع السلطة، ومن هذا التصور نبعت جميع التقاليد الإسلامية، وظل مبدأ العدالة محورًا أصيلاً ولما لا فالقرآن الكريم دستور الأمة الرباني عامر بالنصوص للدلالة على ترسيخ مبدأ العدالة ويكفي للدلالة على ذلك الآية الكريمة الواردة في سورة النساء ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾. والعدالة كما تقررها الآية الكريمة تعني عدم التحيز والحياد وإعطاء كل ذي حق حقه، فالعدالة هي وحدها التي تُمكن المواطن من الحرية، فقيمة الحرية كما يقول الدكتور حامد ربيع هي رهن بمبدأ العدالة، وليس العكس، وهذا يعني أن العدالة ترتفع إلى مرتبة القيمة العليا، ولعل خير تعبير على عمق مفهوم العدالة عند الحاكم المسلم هي الواقعة المعروفة والمنسوبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب عندما جاءه مصري يشكو من ابن عمرو بن العاص الذي كان واليًا على مصر وموضع الشكوى أن ابن عمرو بن العاص ضرب مصريًّا بالسوط عندما تنازعا على فرس كان يملكه المصري، وعندما تحقق الخليفة عمر بن الخطاب من صحة الواقعة دعا عمرو بن العاص وابنه إلى مجلسه ثم أعطى المصري سوطًا، وطلب منه أن يضرب ابن عمرو، وقال الخليفة قولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".
2-مهام الوزراء في التراث الإسلامي:
الحاكم أو من يتولى أي سلطة كبرت، أو صغرت في النظام السياسي الإسلامي وظيفته محددة ومهمته واضحة، وهي القيام على أمر الدين والدنيا في حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ الأمن، والضرب على أيدي المفسدين والمجرمين حتى يأمن الناس على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، ويتفرغوا للعمل والإنتاج وعمارة الأرض والبلاد، فإذا اشتغل الحاكم أو من يعاونه من الوزراء أو من هم دونهم في السلطة بالتجارة، فأول ضرر يحصل من ذلك أنهم لم يعودوا متفرغين لمهمتهم الأصلية التي اختيروا من أجل القيام بها؛ لأن تلك المهمة تستغرق الوقت كله، وكل إنفاق لوقت الحاكم ومن يعاونه في غيرها سيعود بالنقص على أدائها والقيام بها حق القيام. وقد تنبه إلى هذا الخطر وعالجه تراثنا الإسلامي، بوضع قواعد ترسم الإطار العام وتحدد دور الحاكم ومن يعاونه من الولاة والوزراء والقضاة وغيرهم وتبين ماهية السلطة والعلاقة بينهم وبين والمحكومين، وقد مارست
هذه السياسة الدولة الإسلامية منذ إنشائها على عهد رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وخلال العصور التاريخية اللاحقة والمتعاقبة وحذَّر الفقهاء والمهتمين بالنظم السياسية في التراث الإسلامي من تفشي ظاهرة استغلال الوزراء لمناصبهم ونفوذهم، مستغلين مناصبهم السياسية، لخطورة ذلك على كيان الدولة، فنجد مثلاً أبو الحسن الماوردي صاحب كتاب الأحكام السلطانية، وابن خلدون في تاريخه، حذروا من خطورة استغلال الولاة والوزراء لمناصبهم السياسية، وأن الحاكم ومن يعاونه ليس لهم الحق في أن يستغلوا نفوذهم، لأنه في النهاية كما يذكر ابن خلدون ستكون الغلبة لصاحب السلطة؛ لأنه الأقوى جاهًا وسلطةً، وسوف يخلي الناس له الطريق إلى ما يريد، حتى ولو لم يستخدم أجهزة أمنه وجيشه وسيرجع ذلك بالضرر الكبير على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، وفي هذا ظلم على الرعية. واستنتج ابن خلدون بفكره الثاقب ما يمكن أن يترتب على ذلك من الخسارة على مستوى المجتمع، فمن وجهة نظره في ذلك غلط عظيم، وتُدخل الضرر على الرعايا من وجوه متعددة، فتتعطل مصالحهم، ويذهب رأس مالهم، وتخرب أسواقهم، ويقعدون عن التفكير في أي مشروع، ويصيبهم اليأس والغم والنكد، لاعتقادهم أن تعبهم وثمرة تفكيرهم ستؤول في النهاية إلى يد الوزير، ولا يبقى عندهم الحافز للعمل لما يجدونه من العنت والمضايقة، وأعتقد أن الأضرار التي حذَّر منها ابن خلدون من جراء اشتغال الحكام والوزراء بما ليس من مهامهم ليست عنا ببعيد في ظل قضايا الفساد ونهب المال العام التي فضحتها ثورة 25 يناير.
3- أهل السلطة ورأس المال في التراث الإسلامي:
يُضاف إلى فساد النظام السياسي في مصر أن أصبح الولاة وكبار موظفي الدولة من الوزراء ونواب السلطنة أداة ومعول تخريب في الدولة؛ بسبب طلبهم المال، وحسبي أن أشير إلى أمر له تأثير سلبي عام على المجتمع كله تقريبًا، وهو تحول الحكام والوزراء والولاة إلى تُجار، أو جمعهم بين الحكم والتجارة، وقد فطن الفقهاء والمهتمون بالنظم السياسية في التراث الإسلامي أمثال أبو الحسن الماوردي وابن خلدون؛ إلى خطورة تفشي هذه الظاهرة؛ ولذلك أكدوا أن الحاكم ومن يعاونه ليس لهم الحق في أن يدخلوا الصفقات العامة بائعين أو مشترين، فقد رُوى أن عاملاً للخليفة عمر بن الخطاب، اسمه الحارث بن كعب بن وهب، ظهر عليه الثراء فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فتاجرت فيها فقال عمر: "أما والله ما بعثناكم لتتجروا"، وأخذ منه ما حصل عليه من ربح. وفي أعقاب تولي الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، أصدر بيانًا شاملاً فيما يتعلق بهذا الموضوع، ذكر فيه ما يلي: "لا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أمورًا فيها عنت وإن حرص على ألا يفعل"، ومما نقلته كتب التاريخ عن عمر بن عبد العزيز أيضًا قولته المشهورة: "تجارة الولاة مفسدة وللرعية مهلكة".ويذكر الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، أن من أشراط الساعة تجارة السلطان، أما العلامة شيخ المالكية جلال الدين أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس المصري المالكي مصنف كتاب "الجواهر الثمينة في فقه أهل المدينة"، فيرى أن الحاكم لا يشتري بنفسه ولا بوكيل معروف حتى لا يُسامح في البيع، ويذكر محمد بن عبد الحكم أنه لا فرق بين شرائه لنفسه وبين توكيله لذلك، ولا يوكل إلا من يؤمن على دينه لئلا يسترخص له بسبب الحكم، وما أشبه ذلك،ويذكر ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، أنه كما حرمت التجارة حرم ما في معناها مما يجلب ربحًا للوالي؛ بسبب ولايته كالمؤاجرة والمساقاة والمزارعة، وأكد العلامة ابن خلدون أن دخول السلطان ميدان التجارة يضر بالرعية، وينافي الإسلام، فحينما يزاحم الحاكم شعبه في حيازة مصادر الرزق: تجارة وصناعة وزراعة وغيرها؛ فإن الغلبة ستكون له في النهاية؛ لأنه الأقوى جاهًا وسلطةً، وسوف يخلي الناس له الطريق إلى ما يريد حتى ولو لم يستخدم أجهزة أمنه، وسيرجع ذلك بالضرر الكبير على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، كما أن أعوان السلطان قد يشترون لحسابه الواردات الخارجية، ثم يضعون لها ما يشاءون من أسعار لضمان ربح كبير للسلطان، ثم إن تجارة السلطان لا تخضع للمكوس والضرائب التي تخضع لها تجارات الآخرين، وفي هذا ظلم على هؤلاء التجار وعلى الرعية. واستنتج ابن خلدون ما يمكن أن يترتب على ذلك من الركود الاقتصادي والكساد والخسارة على مستوى المجتمع، وأشار إلى أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية، وفيها مضايقة للفلاحين والتجار في أرزاقهم، واحتكار مصادر رزقهم، وتحول ذلك إلى الحاكم بأبخس الأثمان؛ مما يقبض آمالهم عن السعي في ذلك جملة، وكان فيها إتلاف أحوالهم.
4- رؤية الفكر الإسلامي للأجهزة الأمنية:
طالبت ثورة 25 يناير بنظام أمني يخدم الشعب ولا يرهبه، وهذا المطلب هو من صميم رؤية الفكر الإسلامي الذي يرى ضرورة وحتمية وجود الأجهزة الأمنية لأي دولة؛ شريطة أن تنبع ضرورة وجودها من ضرورة الأمن نفسه الذي لا غنى عنه في أي وقت، سواء للفرد أو المجتمع، لدوره في تحقيق العدالة وإخضاع الجميع لشرائع الإسلام وآدابه. والباحث في طبيعة المتغيرات المساهمة في بناء الحضارة الإسلامية سيجد أن من أهمها الأجهزة الأمنية، ففي الغالب تسهم الأجهزة الأمنية في تطور المجتمع وتنميته نتيجة لطبيعة المهام التي تقوم بها ودورها في تحقيق الاستقرار كأرضية صالحة لا بد منها حتى تنطلق منها عملية التطور والبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة. ويرجع ذلك لكون الجهاز الأمني في ظل الدولة الإسلامية جزءًا من تركيبة المجتمع، ورجال هذه الأجهزة هم مواطنون من أبناء المجتمع، يشعرون بما يشعر به أفراد المجتمع الآخرين، فهم يؤدون رسالة ويقومون بواجب، هو واجب الأمن والمحافظة عليه؛ لتحقيق الطمأنينة والتصدي للجريمة وإقرار الأمن الداخلي في البلاد ليلاً ونهارًا، وتنفيذ أحكام القضاء، وكانت الشرطة من المؤسسات التابعة للنظام القضائي في الدولة، ويعتمد عليهم الخليفة والوالي في حفظ النظام والقبض على المفسدين، ومعاقبتهم؛ ما يحقِّق سلامة الأفراد وأمنهم على أموالهم وأنفسهم، ولذلك كانت هذه الأجهزة مرافق تنموية، وهو ما نأمله في الجهاز الأمني المصري بعد ثورة 25 يناير. وقد أطنب المؤرخون في وظائف صاحب الشرطة، فمثلاً يذكر ابن خلدون أنه: "ينظر في الجرائم وإقامة الحدود ويفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، ويقيم الحدود الثابتة في محالها، ويحكم في العقود والقصاص، ويقيم التعزير والتأديب في حق من لم ينته عن الجريمة"، كما يذكر القلقشندي أن على صاحب الشرطة: "قمع الجهال وردع الضلال وتتبع الأشرار وطلب الدعار، مستدلين على أماكنهم متوغلين إلى مكانهم.... منفذين أحكام الله تعالى فيهم بحسب الذي يتبين من أمرهم"، كل هذه المهام هي التي أوجدت مناخًا من الأمن، أتاح للمجتمع أن ينهض ويتطور دون عوائق. ونرجو أن تدرك الأجهزة الأمنية أنهم جزء من ذلك المجتمع ليس لهم الانفصال عنه، أو العيش في عزلة عن حركته، أو ما يتم فيه من نشاطات مختلفة، وأن رسالتهم الأساسية الإسهام في تطور المجتمع وتنميته، والبعد عن السلبيات التي أشرنا لبعضها وتشكل عائقًا أمام الدور الرائد والمفترض لهم في الدولة والمجتمع، باعتبارهم جزءًا من مؤسسات المجتمع. لا نريد جهازًا أمنيًّا ينحاز للسلطة الحاكمة الاستبدادية التي تُخَلف نتيجة لاستبدادها مشاكل كالبطالة وارتفاع الأسعار وتكميم الأفواه المعارضة بالاعتقالات، وانتشار الرشوة، وتلفيق التهم، مع كل هذا تقل الموارد الاقتصادية ويهرب الاستثمار فتقل معدلات التنمية، وبالتالي يحدث الضغط الجماهيري على النظام السياسي في شكل مظاهرات واحتجاجات وأعمال عنف.
5-عدالة الأجور.. في الفكر الإسلامي:
من أسباب قيام ثورة 25 يناير عدم العدالة في توزيع الأجور، وهو ما يترتب عليه تدمير وتخريب في البنية الاجتماعية لأي شعب يُبتلى بمثل ذلك، ولذلك فطن الفكر الإسلامي إلى أن قلة راتب العامل قد تدفعه إلى الشطط، ولذلك اتجه المفكرون المسلمون إلى إعطاء العامل راتبًا فيه نوع من السخاء حتى يترفع بذلك عن الشبهات، وفي ذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه: "أن على ولي الأمر أن يفسح لواليه في البذل؛ لتزول بذلك علته، وتقل معه حاجته إلى الناس"، ويخاطب الإمام علي ولي الأمر بقوله: "أسبغ على ولاتك الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم أن خالفوا أمرك أو نقضوا الأمانة".إن ما قدمه علماء الاجتماع السياسي في تراثنا الإسلامي يمكن أن نعتبره نموذجًا مثاليًّا، يمكن أن ينطلق من خلاله علماؤنا المعاصرون أصحاب الرؤية الإسلامية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ لتقديم رؤى جديدة تساهم في تحقيق الدور الحضاري لشعوبنا كما فعل أسلافهم. فقد سبق الفكر الإسلامي لإدارة الدولة أصحاب النظريات الحديثة، فالأسس التي حددها علماء تاريخ الاجتماع السياسي، تدل أنهم كانوا على علم واسع بحياة المجتمع والمتغيرات التي تواكبها، وتبقى أسسهم التي وضعوها سابقة لكل ما تلاهم من أبحاث ودراسات. هذه إطلالة بسيطة وأضواء نلقيها على المرجعية الإسلامية التي نؤمن بها ونبتغيها لمصر الحديثة ذات الحكم المدني، أُرسلها إلى أصحاب الهجمة المسعورة على المرجعية الإسلامية للدولة المدنية، والذين يصورون لعامة الناس أن الإسلام قابع لإقامة الحدود بقطع الأيادي ورجم العراة والزناة، وأذكرهم بأن نيلسون مانديلا عندما خرج من السجن ليحكم دولة جنوب إفريقيا، نظر في دساتير العالم، فوجد أن الشريعة الإسلامية هي الدستور الوحيد القادر على القضاء على الجريمة، ولما لا وهي منهج رب العالمين التي يبتغيها لحكم الرشيد هو مصطلح غير محدد مستخدم في أدبيات التنمية لوصف كيفية تصرف المؤسسات العامة والشؤون العامة في إدارة الموارد العامة من أجل ضمان إعمال حقوق الإنسان. يصف الحكم "في عملية صنع القرار وعملية اتخاذ القرارات التي وتنفذ (أو التي لم تنفذ) " الحكم المدى يمكن أن تنطبق على الشركات الدولية والوطنية، والحكم المحلي أو للتفاعلات بين القطاعات الأخرى من المجتمع. مفهوم "الحكم الرشيد" كثيرا ما تبرز كنموذج للمقارنة بين الاقتصاديات غير فعالة أو الهيئات السياسية التي تمر اقتصادياتها قابلة للحياة والهيئات السياسية ونظرا لأن معظم الحكومات الناجحة في العالم المعاصر تكون في الدول الديمقراطية الليبرالية تتركز في أوروبا والأمريكتين، تلك البلدان المؤسسات التي غالبا ما تكون المعايير التي يمكن من خلالها المقارنة بين الدول الأخرى المؤسسات. لأنه يمكن أن تركز جيدا على المدى الحكم بأي شكل واحد من الحكم، ومنظمات الإغاثة والسلطات في البلدان المتقدمة وغالبا ما تركز معنى الحكم الجيد لمجموعة من المتطلبات التي تتوافق مع أجندة المنظمات، مما يجعل "الحكم الرشيد" تعني أشياء كثيرة مختلفة في سياقات مختلفة.
وأخيرا نقول :-
الحكم الرشيد بأنه نظام الحكم القائم على خدمة مصالح الأمة، والذي يعتبر السلطة والقيادة وظيفة في الخدمة العامة، ويتخذ منها منصة لإثبات الكفاءة والقدرة على تحقيق متطلبات الشعوب وحاجاتها ، وسياستها بالعدل والمساواة، وان يتصف بالقدرة على دمج المجتمع المتعدد في السلطة والحكم والمشاركة ، وان يتمتع باستمرار بشرعية شعبية أساسها الانتخاب الشعبي النزيه والعام ومن أهم أسس الحكم الرشيد ثلاث ركائز :المشاركة وسيادة القانون والشفافية والمساءلة، وترتبط جميعها بممارسة الشعوب للحريات العامة في مختلف نواحي الحياة، وثمة أهمية كبيرة لممارسات الحكم الرشيد و تحقيق دوره في تعزيز التنمية البشرية و قدرته على تدعيم الممارسات الديموقراطيه و تحسين فعالية المؤسسات و تسييد القانون و العدالة و يستهدف وتؤكد مفاهيم الحكم الرشيد على وجوب تفاعل الجهات الثلاث ( الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ) معا من اجل تطبيق الحكم الرشيد، وقد وضعت بعض الشروط من اجل ذلك وتتلخص في: المشاركة , الشفافية , المساءلة , العدالة وتطور سيادة القانون , التأمين السياسي , الأولوية الاجتماعية والاقتصادية في ضوء مطالب الناس والأخذ بنظر الاعتبار مطالب الطبقات الدنيا في المشاركة في اتخاذ القرار فضلا عن تامين المصادر اللازمة لعملية الازدهار والتنمية  .،  ولتطبيق الحكم الرشيد أثار ونتائج إستراتيجية حياة الشعوب وقوة الدولة وتفاعلها مع الإقليم والعالم ،  حيث تعتبر الحريات العامة الضامن والاساس لتحقيق شروطه واستمرار يته
الحريات العامة والحكم الرشيد
       تعتبر الحريات العامة جزءا من حقوق الإنسان الطبيعية والتي تكرست له عبر الخليقة ، وشجعتها ونظمتها الكثير من القوانين، وكذلك الشرائع السماوية وعلى رأسها الإسلام، وتمثل إدارة الحريات العامة بشفافية وكفاءة أساسا للتنمية السياسية وحافظا للدولة والمجتمع من الانهيار أو الاقتتال الداخلي، وتمثل في نفس الوقت مصدرا ساسيا من مصادر تصحيح المسار وتوجيه الكفاءات ورفع المظالم، ومن أهم هذه الحريات : حرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية تشكيل الأحزاب والنقابات، وحرية الصحافة الإعلام، والحريات الأكاديمية، وهي تشكل أساسا لحريات الجماعية في الدولة الصالحة الحديثة  وثمة علاقة خطية بين الحريات العامة والحكم الرشيد وخاصة في مجال دعم إدارة الحكم الصالح، وبرامجه ذات الصلة بإدارة الحكم والتي تشمل: الهيئات التشريعية، القضاء، الهيئات الانتخابية ، اللامركزية والحكم المحلي، إدارة القطاعين الخاص والعام، الاقتصاد والإدارة المالية، ومنظمات المجتمع المدني