رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إنه مجتمع المعوقين

د.طارق عباس

الثلاثاء, 18 مارس 2014 00:07
بقلم -د. طارق عباس

 

ليست الأزمة في أن يفقد الإنسان عضواً من أعضاء جسمه أو حاسة من حواسه، ليست الأزمة في أن يعيش أبكم أو أصم أو أعمى أو أعرج أو أبتر، لأنه برغم مصابه يستطيع أن يقدم

الكثير والكثير فيبهر العالم بإبداعه السياسي والعلمي والأدبي والفني ويجعل من عجزه قوة، ومن انكساره انتصاراً ومن يأسه أملاً ينتشر عطره في الوجود، والأمثلة أكثر من أن تحصى: هوميروس الشاعر اليوناني العظيم وصاحب أشهر ملحمتين في التاريخ «الإلياذة والأوديسا» والمولود في القرن التاسع قبل الميلاد، كان أعمى ومع ذلك بقي اسمه ملء الأسماع والأبصار إلى يومنا هذا، بشار بن برد رائد مدرسة التجديد في الشعر العباسي وأبوالعلاء المعري مؤلف ديوان اللزوميات الذي لا مثيل له في تراثنا الشعري، والدكتور طه حسين عميد الأدب العربي كلهم كانوا من المحرومين من نعمة البصر، بيتهوفن وضع أجمل سيمفونياته «الخامسة والتاسعة» بعد أن أصيب بالصمم، هلين كلر عرفها العالم كله لأنها تحدت عجزها ورغم أنها لم تكن تسمع ولا ترى ولا تتكلم تعلمت وعلمت ووضعت مؤلفات شهد بتميزها النقاد والباحثون، روزفيلت الرئيس الأمريكي الوحيد الذي انتخب 4 مرات من سنة 1932 – 1945 وقائد الانتصار الحقيقي لدول الحلفاء على دول المحور في الحرب العالمية الثانية كان هو الآخر مشلولاً، وكل هؤلاء وغيرهم أعطوا رسائل لمن يتصورون أنفسهم الأسوياء بأن الإعاقة لا تعوق من أصيب بها ولا يحق لصاحبها أن يسلم نفسه لها ويؤمن بأن الله العادل عندما

يحرم الإنسان شيئا يعوضه بأشياء ويعطيه ميزات لم تكن تتوافر له أبداً لولا إصابته بعلة الإعاقة، يقول الشاعر بشار بن برد:
عميت جنينا والذكاء من العمى          فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للعلم رافداً          بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا
وشعر كنور الأرض لا أمت بينه          بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا
ففي هذه الأبيات جعل بشار من عماه ميزة لأنه مكَّنه من الانصراف عن الأشكال والمظاهر الخارجية إلى التأمل الباطني العميق في الأشياء وعبر عن مفهوم التأمل بكلمة الظن الذي يقود إلى العلم، وإذا كان الناس يرون ظواهر الأشياء بنور أبصارهم فإن بشار الكفيف قد تسرب نور بصره إلى قلبه ليمده بالعلم أي أنه استبدل بالبصر البصيرة فكان قلبه أحفظ وأوعى، كما ربط بشار في الأبيات بين الذكاء والعمى ليجعل الذكاء ناشئاً من العمى وخص العميان به دون غيرهم والخلاصة أن بشار جعل من عاهته ميزة تفاخر بها، بل اعتبر أن العمى الحقيقي هو طول السكوت على الجهل، يقول:
شفاء العمى طول السؤال وإنما         تمام العمى طول السكوت على الجهل
وما أجهل مجتمع ينظر إلى قوة الإنسان أو عجزه بحسب ما يتمتع به الجسد من القوة والعافية وغيرها من الأمور الجائزة في الغابة فقط، ما أجهل مجتمع يتصور نفسه
سليماً صحيحاً بينما يهمش أكثر من 15% منه بحجة أن أعضاءه معوقون عاجزون غير قادرين على العطاء من حقهم  التسول ومن واجب المجتمع المن عليهم بما تيسر له من فائض الشفقة والرحمة.
أي مجتمع هذا الذي يرى كماله وقوته في ضعف الآخرين؟.. أي مجتمع هذا الذي يهدر طاقات ملايين المعوقين ويدفعهم بقوة نحو اليأس والإحباط والعجز والإحساس بالضعة ويتركهم فريسة للعطالة والبطالة وقلة الحيلة؟.. للأسف الشديد كل ما يدعيه مجتمعنا هذا من دعم للمعوقين هو محض كلام فارغ واستثمار رخيص يوظفه بعض الوزراء لضمان بقائهم في السلطة و بعض جمعيات المجتمع المدني للحصول على تبرعات بالملايين التي لا يعلم إلا الله كيف تنفق وإلى أية جيوب تذهب؟.. وبعض الإعلاميين ممن يطوقون لمغازلة القراء أو المشاهدين أو المستمعين، كل ما يدعيه مجتمعنا من دمج  للمعوقين هو كذب وكذب وكذب فمن أين بهذا الدمج المزعوم دون وجود إحصاء علمي لحصر المعوقين في مصر ومعرفة نوعية إعاقتهم و ما يتمتعون به من قدرات جسمية ونفسية؟.. كيف سيحدث الدمج والمعوقون محرومون من الحد الأدنى للحياة الكريمة محرومون من العمل والمعرفة والمناصب والطرق الآمنة وغيرها من الأمور التي من المفترض أن تعينهم على الشعور بإنسانيتهم؟.. يا سادة، معوقون كثيرون حصلوا على أعلى الدرجات العلمية ولا يزالون في بيوتهم ينتظرون اللحظة التي يستشعرون فيها بوجودهم أو يشعرهم مجتمعهم بوجودهم، معوقون كثيرون يمتلكون الإرادة والصبر والإيمان والتحدي ولا يملكون الواسطة، وللأسف تقدمت بهم السن دون عمل أو أمل فتحولوا من أشخاص بداخلهم حب للحياة إلى شخصيات مشوهة لا تُكن لهذا المجتمع إلا كل الكره والحقد وغير ذلك من  صنوف الشر، بمنتهى الصراحة ليست أزمة المعوقين فيما فقدوه من أعضائهم وحواسهم، لكن أزمتهم في مجتمعهم المجرد تماماً من الإحساس عندما تصور نفسه مجتمعا سوياً عفياً مع أنه في حقيقة الأمر مجتمع للمعوقين.