رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحرية المطلقة عبودية مطلقة

د.طارق عباس

الأحد, 12 يناير 2014 22:42
بقلم -د. طارق عباس

أهتم كثيراً بقراءة الرسائل التي تصلني عبر بريدي الإليكتروني، لأنها في حقيقتها كاشفة لبعض ما يشغل القارئ وينشغل به، وكم هزتني تلك الرسالة التي وصلتني من الأستاذ المستشار فاروق سليمان الرئيس الأسبق لقطاع الشئون القانونية للإذاعة والتليفزيون وأحد المذيعين المتميزين في سبعينيات القرن الماضي

، وقد جمعتني به علاقة متفردة برغم الأيام التي كثيراً ما باعدت بيننا، ومما لا أنساه للرجل أنه كان معاراً لإحدى الدول الرافضة للزيارة التي قام بها السادات إلى القدس في عام 1977 وبينما كان على الهواء هناك وهو يقرأ نشرة الأخبار فوجئ بين ثنايا ما يقرأ بجمل تسيء لمصر ولرئيس مصر محمد أنور السادات فما كان منه إلا أن توقف فوراً عن القراءة وانسحب من الاستوديو ليعود في أول طائرة كانت متجهة إلى القاهرة ليجد في استقباله السادات تكريماً للرجل على موقفه، أما عما كتبه إلي الأستاذ المستشار فاروق سليمان فقد رأيت نشره كاملاً دون حذف أو إضافة لما يشكله نص الرسالة من نبض صادق يعبر عن خصوصية اللحظة، يقول المستشار: من العبارات التي تزعجني الآن جداً عبارة «نشطاء سياسيون» لأنها باتت مستهلكة وممجوجة وتطلق على كل من هب ودب، صادقاً أو كاذباً، نبيلاً أو خسيساً، وطنياً أو مدعياً، باتت تطلق على كل من التقط لنفسه صورة بميدان التحرير منذ ثورة يناير حتى الآن ثم راح يملأ الدنيا بها صخباً وضجيجاً – عبر وسائل الإعلام المختلفة – بتصريحات وقرارات يصور نفسه بها ثورياً من الطراز

الأول ومناضلاً لا يشق له غبار وصاحب رسالة نزلت عليه من سماء الحرية كي يكون وكيلها على الأرض والمدافع عنها والمتحدث الأوحد باسمها هذا يمطرنا بتصريحات يستحي أن يطلقها غاندي أو جيفارا أو مانديلا وذاك ينصب نفسه صاحب قرار وسلطة تخول له ما يخول لرئيس الدولة وهؤلاء يتربصون بكل من يخالفهم الرأي ويصفونه بالخائن والعميل والجاهل والمأجور والمدعي والفلول... إلخ، هؤلاء النشطاء السياسيون – أظنك تتفق معي يا دكتور طارق – قد أصبحوا أكثر من الهم على القلب، مصيبتهم أنهم لا يرون ولا يسمعون إلا أنفسهم وعقيدتهم المطلقة المجردة ، لا وألف لا لأي شيء ولكل شيء، لا لمبارك ونظامه، لا لحكم المجلس العسكري في الفترة الانتقالية الأولى، لا لممارسات الإخوان تحت قبة البرلمان، لا لمرسي رئيساً لمصر، لا لثورة يونية ودعم الجيش لها، لا لعادلي منصور رئيساً مؤقتاً للبلاد، لا لدستور 2012، لا لدستور 2013، لا لحكومة الببلاوي، لا لأي تغيير وزاري، لا للانتخابات الرئاسية أولاً، لا للانتخابات البرلمانية أولاً، لا للمحاكم العسكرية لا لمن يجرم في حق قواتنا المسلحة ورجالها، ولا حول ولا قوة إلا بالله لأنه وحده القادر على وقاية مصر من شر أمثال هؤلاء ومكرهم وسوء نواياهم التي نشم رائحتها القذرة في تلك الفوضى
المفتعلة في طول البلاد وعرضها وفي الاتهامات التي توجه إليهم والدولارات التي تصلهم بلا حساب تحت عنوان «حماية حقوق الإنسان»، ولا أدري أي إنسان هذا الذي يرى نفسه الحق وكل من حوله الباطل؟.. أي إنسان هذا الذي يلصق نفسه بالثوار ثم يتضح لنا أنه كان يتلقى تدريبات في أوكرانيا والولايات المتحدة وألمانيا على كيفية زرع التوترات وحث الناس على الحشد ودفعهم إلى الاتجاه المناقض لأي نظام في الدولة؟.. أي إنسان هذا الذي يحدثنا عن الحرية في كل شيء ودون أية ضوابط، حرية في التظاهر والاعتصام والإضراب في أي وقت وفي أي مكان، حرية في الانتقاد على أي مستوى وأي رمز، حرية في مهاجمة المقدسات، حرية في تهديد أمن المواطن حرية في كسر أية قيود سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية، وكأن الحرية قد تحولت في يوم وليلة إلى عبودية للرغبات الجامحة التي لا تنظمها قيم ولا تعبر عن مثل كانت لكل من يريد أن يكون محترماً، وكأن الحرية هي المرادف الوحيد للفوضى بأن تفعل ما تشاء وتخرب ما تشاء وتقول ما تشاء وقتما تشاء.
إن الحرية الحقيقية مقيدة بالالتزام بما لايضر بحقوق الآخرين، الحرية الحقيقية هي حكم الشعب بالشعب لا بأن يخرج كل المواطنين للشوارع ليجعلوا من أنفسهم حكاماً للدولة ولتذهب كل مؤسساتها إلى الجحيم، الحرية الحقيقية ليست في التربص بالشرطة والجيش ومحاولة تصويرهما للرأي العام كعفاريت ينبغي الاحتياط منهما والانقضاض عليهما متى سنحت الفرصة، ولا أدري أي قيمة للحرية إذا سقط الأمن وسقط المواطن فريسة للميليشيات المتطرفة؟.. ولمصلحة من تجرد مصر من القانون وتستنزف مواردها بهذا الشكل المروع؟
يا دكتور طارق، ليست هذه مصر التي أعرفها وعشت فيها سنوات عمري، ولا هذا هو الحلم الذي انتظرته طول حياتي، ولا هذه هي الحرية التي باتت المرادف الوحيد للفوضى وباتت الفوضى المرادف لها وأذكرك وأذكر نفسي بأن الحرية المطلقة عبودية مطلقة.