رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قوانين ظالمة وحكومات نائمة (2)

رسالة إلى وزير المالية ورئيس الوزراء

د.طارق عباس

الأحد, 06 أكتوبر 2013 22:27
د. طارق عباس

أسوأ شيء في الدنيا أن نكتب لمن لا يقرأ أو نشكو لمن لا يسمع أو نطالب بالتغيير من يصرون على ألا يتغيرو، وكم استصرخنا ضمائر المسئولين للتدخل لعلاج مشكلات أو التصدي لقوانين ظالمة دون جدوى والنتيجة قامت ثورتان في مصر وكل شيء على حاله.. الفساد هو الفساد والمشكلات هي المشكلات والقوانين الخارجة على القوانين لا تزال حجر عثرة في طريق إنصاف المظلومين، مثلاً:

في عام 1986 صدر قانون رقم 86 وبمقتضاه: أعطى المشرع الحق لكل معاق أن يحصل على سيارة معفاة من الجمارك، ولا شك في أن صدور مثل هذا القانون بمثابة تقدير من الدولة لظروف المعاق واعتراف بحقه في الدعم المادي والمعنوي، فإذا كان القدر قد أراد له أن يحرم عضوا من أعضائه أو حاسة من حواسه، فمن حقه ألا يحرم من قانون يعينه على متاعب الحياة وييسر له وسيلة الانتقال الآمن ويقيه شر الحاجة – كما يقول العامة – (للي يسوى واللي ما يسواش) لكن يا فرحة ما تمت إذ اشترطت المادة 2 فقرة 9 من هذا القانون أن تكون السيارة مجهزة تجهيزا طبيا بحيث يستطيع المعاق حركيا أن يقودها بنفسه، فماذا إذن عن المعاقين بصرياً؟.. هل يحق لهم الحصول على سيارة معفاة من الجمارك؟.. الإجابة: حسب الفقرة 9 هذه ليس من حقهم طبعاً، إذ إنهم محرومون من نعمة البصر وبالتالي لا يستطيعون قيادة سيارتهم بأنفسهم ولحظهم الأسود أن تكنولوجيا الإفرنجة لم تسعفهم بسيارات تناسب إعاقتهم تكون مجهزة ببصمة الصوت أو بالتحسيس أو بعين صناعية من العيون اللي تندب فيها رصاصة.
إن أغرب شيء في الدنيا أن يصدر قانون لا يفاضل بين الناس على أساس التقوى أو العمل أوالإبداع أو حتى المستوى المادي

وإنما على أساس طبيعة الإعاقة ونوعيتها، هل هذا منطق العقلاء؟.. وهل يمكن أن يصدر قانون كي يغيظ فئة ويكيد فئة وينصف فئة على فئة؟.. هل يصح أن يمنح القانون السيارة المعفاة من الجمارك للمعاقين حركياً لأنهم معاقون حركياً ولا يمنحها للمكفوفين لأنهم حرموا من نعمة البصر؟.. هل نتوقع أن يكون دعاء المكفوفين في عيد الأضحى القادم: اللهم اجعلنا معاقين حركياً ولا تجعلنا معاقين بصرياً؟
عزيزي القارئ قد تراني في هذا المقال متناقضا أرفض من غيري ما أقوم به، فمن ناحية أعترض على التعاطي القانوني العاجز مع قضية الإعفاء الجمركي على أساس نوع الإعاقة ومن ناحية أخرى أسوق لأحقية فاقدي البصر في الحصول على هذه السيارة المعفاة، والواقع أن هذا التناقض الظاهر ما هو إلا تماهٍ مع حقيقة لا يصح أن يغفلها أحد وهي: أن معاناة المكفوفين من العمق والتركيب قد تكون أكثر إيلاما ليس لأصحابها فحسب، بل تمتد لتشمل كل من اختار ملازمتهم في مسيرتهم اليومية بكافة تفاصيلها المزعجة خاصة عندما يستقلون المواصلات العامة طليعة كل شمس والمعروف أنها لا ترحم سليما، فما بالنا بالمعاقين بصريا وأسرهم أو من يرافقهم، فما بالنا بمن لم يعد لهم من الميزات ما يشعرهم بأن الدولة تقف إلى جانبهم، بعد أن أصبحوا في ذمة القانون لا هم بالمعاقين في مزاياهم ولا هم بالأسوياء في حقوقهم، والسؤال الذي لا يزال يحيرني: إن كان المشرع قد منح المعاقين حركياً ميزة الحصول على إعفاءات من الجمارك
لعلة الإعاقة، أوليس المكفوفون معاقين أيضاً؟.. أوليس المصابون من الصم والبكم بمعاقين أيضاً؟.. وإذا اشترط المشرع أن يتولى المعاق قيادة السيارة المعفاة بنفسه، فما الذي يمنع الكفيف من أن يقود سيارته أحد أقربائه من الدرجة الأولى في حضوره طالما أنه يمتلك القدرة المادية التي تعينه على تحمل أعبائها؟
يا سادة الإعاقة ثقيلة على النفس أعان الله من ابتلي بها وتجرع مرارتها لا فرق في ذلك بين أصم أو أعمى أو مشلول أو أبتر، لا فرق بين من مكنه حظه  من أن يقود السيارة بنفسه أو من اضطرته إعاقته إلى مرافق يقود له السيارة، لا فرق بين من عجزت قدماه عن حمله وبين من قدر له ألا ترى عينه نور الدنيا، كلهم معاقون همهم واحد ومعاناتهم واحدة، كلهم في حاجة لدعم الدولة والمجتمع وضمير تشريعي نقي لتجنيبهم عذاب البهدلة والمرمطة في المواصلات العامة والتعثر الذي قد يهدد حياتهم، كلهم في حاجة ليد تنشلهم من ظلمات اليأس لبصيص الأمل، في حاجة لعقول تفكر بشكل مختلف عن تلك التي كان همها قبل ولادة ثورتنا المجيدة هو مجرد الحرص على المصالح الضيقة وزيادة الفقراء فقراً والمهمشين تهميشاً، وأظن الآن أنه من العيب إثارة نفس القضايا التي سبق أن أثيرت ونضيع الوقت فيها مثلما سبق أن ضيعنا، وعلى أية حال وللتذكرة فقط أريد أن أضع تلك المشكلة بين يدي رئيس الوزراء ووزير ماليته وأطالبهما بمراجعة قانون 186 لعام 1986 خاصة المادة 2 فقرة 9 التي تمثل فضيحة دستورية لا يمكن السكوت عليها لكونها تمييزاً صارخاً بين الناس على أساس نوع الإعاقة، كما أطالب بإصدار قرار فوري بأحقية جميع المعاقين في الحصول على سيارة معفاة من الجمارك طالما توفرت لهم الإمكانيات المادية  سواء قاد سيارته بنفسه أو قادها له الغير مع أخذ كافة الضمانات التي تحفظ للدولة حقوقها.
إنني سبق أن طرحت هذا الموضوع مراراً وتكراراً في أكثر من مقال بأكثر من صحيفة وكنت أفاجأ دائماً بأن أذن المسئولين كانت: واحدة من طين وأخرى من عجين، فهل آن الأوان بعد ثورتي يناير ويونية أن يكون هناك صدى لما نقول أو نكتب أو تكون هناك حياة لمن ننادي؟