هل اعتبرتم يا أولى الألباب؟!

د.طارق عباس

الأحد, 22 أبريل 2012 09:31
بقلم: د. طارق عباس

منذ سقوط مبارك وإلى اللحظة التى أكتب فيها هذا المقال وجماعات الإسلام السياسى تصعد سلمة سلمة فى الاستحواذ على مصر تدريجياً، مرة باسم الدين وثانية تحت مظلة السياسة وثالثة باللعب على حاجة الفقراء ورابعة عن طريق صناديق الاقتراع وخامسة بمحاولة الهيمنة على اللجنة التأسيسية للدستور وسادسة بترشيحات مثيرة للجدل لسباق الرئاسة، والنتيجة انفلات سياسى

غير مسبوق وتحول مصر من دولة كان يحكمها الحزب الوطنى بزعم الأغلبية إلى دولة تتنافس على حكمها أحزاب دينية باسم الأغلبية أيضا، ولا شك فى أن الفرق كبير بين أن تحكم أو تحتكر الحكم، بين أن تعى مسؤولية السلطة أو تستثمر وصولك إليها لحماية كرسيك فى السلطة، فالمسؤولية ليست سهلة والحكم هم يعيه كل من يخاف الله، ولا أظن أن أحداً منا كان يتمنى أن يزج بالإسلام كمطية لمن يريدون شراء المقدس بالزائل وتحقيق المكاسب السياسية باسم الدين، لا أظن أن أحد منا كان يريد أن يرى من غطت كثافة اللحى وجوهم يتجادلون حول توافه الأمور وصغائرها وهم يحرمون تهنئة المسيحيين فى عيد ميلاد سيدهم المسيح وهم يرفضون الوقوف دقيقة حداد على روح البابا شنودة وهم يعتبرون تعليم اللغة الإنجليزية لأبنائنا فى المدارس مخططاً لتقسيم

مصر وهم يدافعون عن حقهم فى السلطة بوصفها لم تك تصلح إلا لهم ولا يصلحون إلا لها، وكأن بقاءهم فى الدنيا أزلى أبدى.
أحيانا أسأل نفسى: ألا ينظر هؤلاء لأنفسهم فى المرآة ويزنون ما خسروه بسبب تناقض مواقفهم وانتقالهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو بالعكس دون مبررات تحترم أو علل تقبل؟! السلفيون كانوا على طول الخط ضد الديمقراطية ويعتبرونها كفرا، كانوا ضد الثورة ويعتبرونها خروج على شرعية الحاكم، ومع ذلك دخلوا الانتخابات وفازوا فيها وركبوا الثورة وخطفوها من الثوار وتوتة توتة ماتت الحدوتة، أما جماعة الإخوان فحدث ولا حرج، قالوا إنهم لم ينافسوا إلا على 30% من مقاعد البرلمان ولو طالوا أن يحصلوا على مقاعد البرلمان وجدران البرلمان وقبة البرلمان ومبنى البرلمان كله لفعلوها، قالوا أننا مع المجلس العسكرى ورحبوا بالاستفتاء وبالانتخابات البرلمانية أولا وبعد أن تحقق مرادهم يقال إنهم انقلبوا على المجلس العسكرى هذا والله أعلم، أيدوا حكومة الجنزورى ودعموها فى البداية وها هم يحاولون سحب الثقة منها، أما لماذا
أيدوها ولماذا لا يريدونها الآن فالمغزى فى بطن المؤمنين الصالحين، قالوا إننا لم ولن نرشح رئيسا منا لأننا نريد مشاركة لا مغالبة، وأخيرا وفوا بوعدهم وغلبونا وأهدونا خيرت الشاطر نعم الرئيس ونعم النصير.
حسبما علمنا ديننا الحنيف أن الصدق يهدى إلى البر والبر يهدى إلى التقوى وأين هى التقوى فى كل تلك المراوغات وعمليات الكر والفر التى يقوم بها إخواننا المسلمون؟ ألم يقل رسولنا الكريم: آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان. ولماذا الكذب والإخلاف بالوعد وخيانة الأمانة؟ هل تستحق مصر فى مثل تلك الظروف سوى التفانى من أجلها؟ ما الذى جناه هذا الشعب الغلبان كى تسرق أحلامه وآماله وتنهب حقوقه السياسية بهذا الشكل؟ كيف يمكن للثورة العظيمة التى قام بها كل المصريين أن تتحول لثروة فى يد حفنة لم تلعب سياسة وإنما لعبت على كل الحبال؟ الكل ذاهب ومصر هى الباقية، وديننا العظيم أغلى من أن يتحول لتجارة رخيصة وعبرتنا فى زهد السلف مدركة عند أهل البصيرة ولنا فيما قاله عمر رضى الله عنه عظة لمن يريد أن يتعظ وهو القائل: أشقى الولاة من شقيت به رعيته وما أكثر من شقوا وشقت بهم مصر وما أكثر من يتنافسون على امتلاك مقدراتها ونسوا ما قاله جبران خليل جبران: ويل لأمة تلبس ولا تنسج وتأكل مما لا تزرع وتشرب مما لا تعصر،... ويل لأمة عاقلها أبكم وقويها أعمى ومحتالها ثرثار ويل لأمة كل قبيلة فيها أمة وختاما هل اعتبرتم يا أولى الألباب؟