رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وجه بين الناس

محنة «أوسلو»

د.سهير اسكندر

الخميس, 04 أغسطس 2011 09:33
بقلم: د. سهير إسكندر

انها «أوسلو» عاصمة النرويج الجميلة.. اعتدت أن أراها هادئة وارفة فيها وداعة طبيعية تطمئن الضيف والمقيم علي حد سواء.. رغم برد لا يفارقها تماماً حتي في الصيف ظل هناك دائما ما يعوض مما يتمثل في دفء المشاعر وأناقة التعامل والتعاطف مع كل الأجناس والألوان.

 

لأسباب عائلية تتكرر زياراتي أوسلو.. اعتدت أن استعيد هدوئي في جمالها الفتان.. استرق السمع لصوت السكينة التي ربما خدشها صخب القاهرة.. أحببت أهل النرويج أكثر من خلال رؤيتي لانبهارهم بمصر وآثارها وشخوصها.

بدت انفجارات أوسلو محزنة جداً وحملت إلي نفسي وسمعي زحف لغة التهديد والعنف علي هذا البلد الآمن المرفه الذي لا يزيد عدد سكانه ربما علي خمسة ملايين.

إنه انشي بريفيك هو من فعلها بوحشية لا تصدق.. هو نرويجي أبيض لا يتجاوز الثلاثين إلا بعامين وأحد المتأثرين بمنظمات اليمين المتطرف.. فاجأ أوسلو والعالم بجريمتين بشعتين دبرهما ضد مواطنيه من النرويجيين! وصنفته السلطات النرويجية بأنه «أصولي مسيحي» قام ليعلن التفجير علي حزب العمال الحاكم ثم علي أحد معسكراته الصيفية لشباب في السادسة عشرة من أعمارهم أصدر عليهم ونفذ بإرادة فولاذية وبدم بارد أحكاماً بالإعدام فعل ذلك بدافع الكراهية العمياء ليس فقط للمهاجرين وأغلبهم من المسلمين ولكن أساساً للساسة المحليين الذين سمحوا لتعدد الثقافات وللغرباء ان يعيشوا في النرويج حزب العمال النرويجي الذي استهدفه ذلك اليميني المتعصب، قام بدور كبير في نهضة النرويج وفي احتضان اعداد من المسلمين والعرب يشكلون نحو 20٪ من السكان

الأصليين في النرويج كانت أوسلو ونتمني أن تبقي أبداً نموذجاً لاحتضان الآخر.

منذ سنوات بدأ زحف مشاكل الهجرة تطفو علي السطح في اوروبا ومنها النرويج علي الانترنت تتجمع الايديولوجيات المتطرفة ممن وجدوا ضالتهم في تقدم الاتصالات فصار هذا الفريق ينشر أفكاره ويبحث عن اصدقائه من النازيين الجدد يلتقون في برامج النت ويضخمون مخاوفهم بشأن المهاجرين.

القاتل يعد شبه مرتبط بتلك الاتجاهات اليمينية المتطرفة التي تعادي كل انواع الامتزاج الحضاري وترفض هجرة غير الأوروبيين لأوروبا.

كانت هذه الحركة أو الاتجاه موجهاً في البداية ضد اليهود بحكم اقتراب أتباع هذا الاتجاه سياسياً من افكار النازية.

في العشرين سنة الاخيرة انقلبت هذه الحركة المتطرفة الي عداء العرب باعتبارهم الخطر الاساسي الذي يهدد الهوية الاوروبية.. انه الحظر الديموجرافي خوفاً ان يتحول العرب والمسلمون إلي أغلبية أو هي (القنبلة الديموجرافية) وهي نظرية تدعمها وتؤيدها الحكومة الاسرائيلية والأصوات الاسرائيلية في أوروبا.

المفكرون اليمينيون المتطرفون هم مخترعو كلمة (يورابيا) تعبيراً عن غزو إسلامي وعربي لأوروبا وهو ما اعتبروه أمراً كارثياً علي المستوي الحضاري.

بدت النرويج أقل تأثراً بهذه التيارات المتعصبة التي تعد مرضاً فكرياً يستحوذ علي الانسان ويجعله رافضاً أي آخر، يختلف عنه في الرأي والعقيدة. يتوقع المراقبون أن هذه الحادثة البشعة ستعد في نظر الكثيرين في النرويج

وخارجها إشارة مؤرقة عن تأثر الاحوال سلباً في الجزر النرويجية التي عرفت بأكبر قدر من الحضارية والمسالمة.

السلام المدني النرويجي يضرب به المثال من حيث عدم وجود جرائم رأي أو عنف سياسي.

تحوز النرويج دائماً علي الأولوية أو المرتبة الثانية باعتبارها أفضل مكان للحياة في العالم. اتسم أهل النرويج عامة بانعدام العنف وليس لهم تاريخ استعماري علي الاطلاق وان تعرضوا هم للاستعمار من السويد ثم الدانمارك وربما اثر هذا علي موقفهم المتعاطف مع الدول التي تقع تحت قبضة الاستعمار تعد النرويج علي رأس الدول المانحة للعالم الثالث والعالم الفقير. ادي اتخاذ النرويج موقفاً متعاطفاً الي حد كبير مع الحقوق الفلسطينية الي حجب اسرائيل إياها مع كل اوروبا عن المشاركة في أي عملية سلام.

يستطيع الزائر للنرويج أن يري بنفسه ضآلة الحراسة حول مبني الحكومة النرويجية والقصر الملكي.. تكاد تكون الحراسة «صفراً» رغم وجود هذه المباني وسط العاصمة، تصادف ان رأيت الملك النرويجي يتجول بالجوار من قصره وخلفه حارس واحد ناهيك عن رؤية ولي العهد النرويجي في المقاهي أو يساهم في شراء احتياجات أسرته. أهل النرويج لم يكونوا مجهزين لهذا النوع من الارهاب. مع ذلك اضطرت الحكومة النرويجية احداث تغييرات في القوانين التي تسمح بالتعامل مع جرائم الارهاب.

كانت المخابرات النرويجية قد قدمت تقريراً سنوياً حذرت فيه من خطر للإرهاب في النرويج: الاسلاميون المتطرفون واليمين المتطرف. وبهذا بدأت عناصر اليمين المتطرف تنشط خوفاً من الذوبان في الأقليات الأجنبية.

تعد الدول الإسكندنافية والنرويج خاصة من أنجح نماذج الاشتراكية الديمقراطية معاً (وهي ليست دولاً شيوعية).

تعد هذه المجزرة التي قام بها «بريفيك» أكبر مجزرة علي الاقل فيما بعد الحرب العالمية الثانية تشهدها النرويج نرجو ألا تؤثر هذه الحادثة علي أوسلو الجميلة التي يراها الزائرة بمحالها ومقاهيها ومعارضها الفنية المتنوعة والمختلطة الجنسية تعبر عن مدي احترام النرويجيين وحدبهم علي الثقافات المختلفة.