وجه بين الناس

بين حكم الشعب.. وحكم الانقلاب

د.سهير اسكندر

الخميس, 28 يوليو 2011 09:51
بقلم : د. سهير اسكندر

لا شك أن الضباط الأحرار الذين حملوا أرواحهم على أكفهم في يوليو سنة 1952 قد أفادوا من كفاح وتضحيات الوطنية المصرية بكل قطاعاتها ضد الاحتلال الانجليزي ودفاعا عن الدستور لم تكن مصر أيامها جرداء اقتصاديا وسياسيا كما كان الحال في المرحلة التي سبقت ثورة 25 يناير الشعبية، وجد ضباط يوليو الطريق ممهداً تماماً لتحطيم العرش الملكي وطرد فاروق الى المنفي، وافق الملك على هذا بسهولة شديدة حقنا للدماء فيما قال، قبل يوليو سنة 1952 كانت الحركة الوطنية على أشدها وتجاوزت المظاهرات المسيئة للعرش كل حد، أيضا كان الكفاح المسلح في القناة على يد حكومة الوفد قد جعل البقاء محميا أمام الانجليز بعد الغاء معاهدة سنة 1931، حظيت الطبقة الوسطى المصرية بمناخ وطني رائع اذ جاءت من رحم ثورة 1919 الشعبية، اجيالا متعاقبة وضعت مصر برجالاتها في الصدارة العلماء والاساتذة والفقهاء والادباء والفنانون بل وملاك الاراضي ورؤساء الاحزاب ظلت تعيش مصر على عطائهم العظيم.. حتي احزاب الاقلية التي كانت معروفة بولائها للملك فاروق كان من الممكن ان تجد بين قادتها شخصيات وطنية مرموقة في مجالات السياسة والعلم والاقتصاد.

حقق حزب الوفد صاحب الاغلبية الحقيقية الكثير للأمة خلال السنوات السبع التي سمح له فيها الوصول للحكم، كان الوفد في المعارضة اكثر ما يكون قوة وضراوة في حماية الدستور والحياة البرلمانية وقيادة الجهاد الوطني ضد الانجليز.

قام انقلاب يوليو بطليعة عسكرية تمثلت في تنظيم الأحرار الذي بدأ بالسيطرة على القوات المسلحة ثم سرعان ما اخذت القوى الشعبية تلتف حوله وحول قراراته السريعة التي لم يعتدها الشعب.

اتسمت حركة يوليو سنة 1952 بهيمنة فائقة على الاعلام الذي تحول كله ليعبر

فقط عن وجهة نظر واحدة بقيادة جمال عبد الناصر الذي استطاع ان ينتصر على اللواء محمد نجيب الذي وضع في المواجهة يوم الثورة.

لا شك أن حركة يوليو سنة 1952 قامت على أساس تبني مشروع وطني، غير ان التصور ان هذا المشروع لم يكن له جذور راسخة قبل سنة 1952 يعد افتئاتا على حقوق الشعب وتزييفا للتاريخ، ان مجانية التعليم واستقلال القضاء وديوان المحاسبة والنقابات العمالية والصحفية كلها وغيرها كانت من نتاج سياسات مدروسة طبقها حزب الوفد.. بل إن سياسة عدم الانحياز كانت ركيزة من ركائز الوفد فلم ينسق حزب الاغلبية الي معارك مصطنعة ضد المعسكر الشيوعي مثلاً تنفيذا لسياسات أمريكية كما فعل الضباط الاحرار في اوائل الخمسينيات، لقد ألصقت سياسة الحياد الايجابي وعدم الانحياز بمسيرة جمال عبد الناصر القائد الحقيقي للثورة رغم أنه لم يكن مبتدعها، يذكر هنا أن قادة يوليو ولاسيما عبد الناصر كان قريبا جداً من رجال المخابرات الامريكية وهو اسلوب لم يكن يحدث قبل يوليو ويوجد في الوثائق التاريخية لحركة الضباط الاحرار في بدايتها ما يثبت طلب معونات امريكية في بداية الثورة مقابل التعهد باتباع سياسة مناهضة للشيوعية في مصر، أيضا أبدى ممثلو الانقلاب استعدادهم للتهدئة في قناة السويس ضد الانجليز بل اتباع سياسة مسالمة تماما بالنسبة لاسرائيل الأسوأ أن هذا قد تم في تعهدات سرية بعيدة عن معرفة ورقابة الشعب المصري «أوردت صورة لهذه

الوثائق في رسالتي للدكتوراه عن الصحافة المصرية والقضايا الوطنية 1946 - 1954».

تعد هذه الوثائق والاتفاقات الجانبية غريبة جداً على الحياة السياسية المصرية حتي في أشد عهود الطغيان الملكي والتدخل الانجليزي.

ظل مبدأ السرية والاخفاءعن الشعب فيما يتعلق بمصيره وحقوقه ومعاهداته سياسة متبعة منذ انقلاب يوليو سنة 1952 وما تلاه من عهود وصل الى ذروة المهانة فيه سرقة مصر كلها في عهد حسني مبارك الذي لم نر حتي الآن مشاهد محاكمته المنتظرة.

كان المناخ السياسي والاجتماعي الذي أشاعته حركة يوليو رغم إنجازاتها يكرس الرأي الواحد ويحتكر الصواب ويطلق الاتهامات كيفما اتفق على كل معارض لها، تكلفة غالية جداً دفعها الشعب المصري من حريته وكرامته وقدرته على اختيار مصيره في مقابل تلك الانجازات والانتصارات التي تم النفخ فيها طوال الوقت مذابح للقضاة وللنخبة المثقفة وللأساتذة ولحرية المعارضة ومن قبلها مذبحة أساسية للدستور تم على يد ضباط يوليو الذين اعتلوا الحكم وتم بهم تصفية كافة القوى الوطنية واحدة بعد الاخرى.. برعوا في تقسيم وتفتيت التيارات السياسية من داخلها تحت دعاوى التطهير فكثرت الوشايات وانتشر كتاب التقارير والراغبون في الوصول السريع الى رضا الحكم العسكري.

اتسمت هذه المرحلة المبكرة في اوائل الخمسينيات بالانقلابات العسكرية في كافة انحاء الوطن العربي بآثارها السلبية البعيدة المدى على نهضة الشعوب العربية وتقدمها، كانت هذه الانقلابات تحظى بموافقة الولايات المتحدة التي اعتلت مكانتها كوريثة للاستعمار الانجليزي في المنطقة والحكم الفردي والدكتاتوري أمر مفضل لدى الدولة الاستعمارية التي تدرك ان فيه إضعافاً للشعوب لا محالة.

هذا لا يمنع ان جمال عبد الناصر قائد يوليو أعلن سياسة مناوئة تماما للنفوذ الامريكي، هذا التغيير الشديد في السياسة الخارجية ازاء دولة كبرى كالولايات المتحدة يعد في ذاته انحيازاً متحركاً في الاتجاه المضاد أدى الى استفزاز امريكي دفعنا ثمنا باهظا له في هزيمة يونيو 1967.

مع هذا فقد احتفظ الشعب المصري لعبدالناصر بحب خاص بسبب تبنيه سياسة تهدف الى العدالة الاجتماعية.

غير ان أخطاء الدكتاتورية تبتلع بالتأكيد انجازاتها.. من هنا خرجت جموع الشعب المصري في ثورة 25 يناير لتسترد حقوق الشعب المشروعة التي أضاعها الحكم الفردي.