وجه بين الناس

أكتب لمصر حكما مثلها

د.سهير اسكندر

الخميس, 14 أبريل 2011 08:26
بقلم: د. سهير إسكندر

 

عندما صدرت الأوامر من الرئيس السابق بفرض حظر التجول ونزول الجيش لحماية البلاد سرت رجفة في النفس من هذا التغيير في المشهد وما قد يحمله من تداعيات.. كان الهاجس المباشر من إحكام قبضة مبارك علي الشعب من خلال حكم عسكري ينزع الصفة الإيجابية الباقية عن مدنية الدولة. في دقائق معهودة كان الشعب الثائر في ميدان التحرير قد اتخذ مبادرة من أروع مبادراته العاطفية حين فوجئ المشاهد بترحيب جارف من الشعب الي جنود الجيش وتسلقهم الحميم للدبابات التي رآها المصريون ببصيرة، لا تخطئ أنها لن تكون إلا درعا للبلاد.. تم تبادل الأحضان بين المتظاهرين والجنود وانبعثت في المكان دموع الشجن والأمل وحل التفاؤل والأمل.. لم تمر أيام حتي وجدنا الدبابات وقد كتب عليها المتظاهرون يسقط حسني مبارك!

أخرج الميدان هتافا هادرا من مصر الثائرة »الشعب والجيش إيد واحدة«.. ظل الهتاف يتردد في كل أزمة تحل بالميدان وبواسله ناظرون الي الدبابات الموجودة في الساحة الرئيسية في كل ميادين مصر مطمئنة وواثقة.

عندما تكررت أحاديث مبارك العنيدة المصممة علي البقاء علي أنفاسنا حتي آخر مصري في ظل الصراع المحتدم كانت أحاديث العسكريين: إننا لن نطلق رصاصة واحدة علي الشعب المصري وقد صدقوا العهد وكانوا هم الملاذ والحصن أمام نظام فاسد نزع الأمن نزعا وأخرج البلطجية وفتح السجون المجرمون منها متفقون علي الشعب وثورته.. أليس عجيبا أن هذه القضية لم تتصدر المحاكمات الدائرة بعد الثورة!

تعلم الشعب من خلال ثورته أن عليه أن يقوم بمعظم الدور بنفسه بعد أن أصر مبارك أن يترك مصر خربة ماليا وأمنيا.. شكلت اللجان الشعبية لحماية البيوت والممتلكات بل والآثار ونامت مصر مطمئنة بسبب ثورتها النقية التي أعادت الروح الي شعب عظيم.

تم خلع مبارك وتعهد الجيش ألا يكون بديلا عن شرعية الشعب وأنه مؤتمن علي المطالب المشروعة لشعب مصر. هذه الصورة لا يجب أن تنمحي من الذاكرة الجمعية للمصريين شعبا وجيشا مهما جدت أحداث وأنواع من الأداء أدت الي زيادة القلق والاحتقان العام خوفا من ثورة مضادة تركت جحافلها تعمل في الظلام الي أن ظهرت في النور في الجمعة الماضي بشكل سيئ رفضه الميدان.

الأخطار لا تزال محدقة بسبب عدم تغير النظام مما يؤدي الي بقاء أساليب لا تجعل الشعب يتفرغ للبناء وهو موزع ما بين حماية نفسه »دون أن كان ومواجهة أخطار مستجدة بسبب تعاظم قوة أعداء الثورة الذين تركوا يمرحون دون سبب أليس عجيبا أن نسمع بعد أحداث وجود عسكريين مفروضين علي الميدان أن من أرسلهم هو قيادي الحزب الوطني الذي شارك في معركة الجمل؟ نعم نقرأ الآن عن تقديمه للمحاكمة ولكن لماذا تركه حتي يخطط وينفذ ويمول هو غيره لإحداث وقيعة بين الشعب والجيش.. ثم نتساءل لماذا تستمر المظاهرات المليونية؟!

منذ ساعات قبل إنهاء هذا المقال أشهد مع الجميع الحديث الصدمة للرئيس السابق يتحدث بهدوئه وصلفه المعهود متوعدا من أساءوا الي سمعته جازما أنه لا يمتلك أي أرصدة أو عقارات في الخارج.. نذهل من خروج الحديث وهو قيد الإقامة الجبرية التي يطلعنا كبار القانونيين أن هذه الإقامة ما كانت لتسمح بهذه الاتصالات والأحاديث.. يشتد القلق المبرر عما حدث خلال ستين يوما من اتصالات أوأحاديث أوأحداث وتدابير لا نعرفها أدت الي هذ الحديث من مبارك!

ألم يكن ينادي الجميع وتضج وسائل الإعلام ويهتف الميدان ضد ذلك البطء فضلا عن الغموض بشأن الرئيس المخلوع وما يدور في شرم الشيخ، ماذا لو حدثت أمور في ذلك الضباب تؤثر علي ملاحقة أموالنا المسلوبة التي نقرأ عنها في صحف العالم ومن أفواه كبار السياسيين؟ أليس هناك احتمالات بزيادة تعقيد وصعوبة عمل اللجان القضائية الموقرة التي ذهبت لاستقصاء حول الأموال المصرية للمسئولين التي جمدت أو يراد تجميدها. كنا نظن أنه بانتهاء يوم 11 فبراير وقيام الشباب بتنظيف المكان وإعادة تلميع ودهان الأرصفة أننا سنهرع فورا الي ورش عمل شعبية كبري لتبدأ النهضة ويستريح المتظاهرون ونجفف الدموع علي أنبل الشهداء.. كانت الفرحة تعم بهتافات جديدة تشق عنان السماء ليسمعها الجميع »ارفع راسك فوق انت مصري« أو »خذ حذرك انت أمام الشعب المصري«.

كان وسيظل شعار »ايد واحدة« هو بمثابة تميمة تحمي مصر كلها نرفعه لنعبر عن أكثر من معني إيد واحدة علي مستوي الدين والرأي وإن اختلف.. إيدواحدة ضد الطغاة ألا يفلتوا بجرائهم من العقاب.. الشعب والجيش ايد واحدة.

في ظل ظروف انتقالية صعبة نعيشها فإن أي تراخ أو تباطؤ إزاء المحرضين ضد الثورة لابد أن يشعل قلقا وغضبا من الشعب يأخذ أشكالا متعددة أهمها أن الثورة تظل مستمرة لأنها لم تحقق أهدافها ولأن المتربصين بها كثر وأصحاب مال وسطوة نجح مبارك في جعلهم منتشرين في كل مكان.

رغم القلق المبرر لم يطالب شعبنا المتحضر إلا بمحاكمة عادية عادلة لكل المسئولين وعلي رأسهم مبارك.. رغم الشكوي الملحة من سرعة إجراء استفتاءات وانتخابات فقد ذهب المصريون في عظمة وانضباط يشاركون في الاستفتاء.. رغم أن معظم المعارضة الديمقراطية والحزبية لم تكن موافقة علي إيقاع السرعة الذي يعوق نشأة وتغلغل صوت الثورة في الجماهير إلا أن الشعب المصري ماض خضوعا لرأي الأغلبية التي قالت نعم.. نحن نحترم رأي الأغلبية.

كل يوم يثبت أن ما تم المناداة به من إقصاء ومحاسبة لقيادات النظام الفاسد.. كلها كانت صحيحة ومهمة وعاجلة.. لذا نرجو أن نفيد جميعا من التجارب حتي لا تتكرر ويدفع ثمنها شعبنا العظيم المعروف دوما بحب السلام والوئام والرغبة الأكيدة أن نكون »ايد واحدة«.