أزمة الثقة في المجتمع المصري

د.سهير اسكندر

الأربعاء, 24 نوفمبر 2010 21:19
بقلم: د. سهير إسكندر

 

القراءة لكاتب جيد غير محترف لها نكهة خاصة.. قد تجد في كتابته الدفقة التلقائية التي يستشعرها الإنسان عندما يحس برغبته المتلهفة أن يقول رأيا أو يخرج بعض خبراته وأمانيه.. من هنا يكون الجهد الذي لا يكل وأمل الكاتب في لقاء القارئ مهما تأخر أو كان مكلفا أو قليل الربح.. هذا لا يمنع أن هناك من الكتاب المحترفين تظل الكتابة لهم نوعا من الهواية التي تضئ لهم حياتهم فيمتد أثر ذلك علي حياة قرائهم لأن ما يخرج من القلب يصل إلي القلب.

»سامي الزقم« كاتب عكف علي أرائه سنوات طوال حتي خرج كتابه »أزمة الثقة« وعقدة الخوف داخل المجتمع المصري ينتمي الكاتب والكتاب إلي مدينة المنصورة وهنا نلحظ كثيرا من أن المبدعين من مدن مصر وريفها وصعيدها قد تكون لديهم عوامل الكمون التي تتيح التجويد والأخلاص للعمل، خاصة أنهم قد يظلون طويلا بعادا عن أضواء القاهرة.. شدة الضوء قد تؤثر سلبا علي بصيرة الكاتب والإنسان عموما عندما تصبح الشهرة هدفا في ذاته.. بينما هي مجرد وسيلة لتوصيل الرسالة.

نحن مع كتاب كبير الحجم أراد الكاتب فيه أن يعبر عن معان كثيرة ويطلع المتلقي علي قراءات وخبرات ارتوي منها واستشعرها بشأن »المصري« وما أعد له من مسخ وتشويه وتخريب.. بعد جولة سريعة في تاريخ مصر ينتقل إلي جميع المظاهر السلبية. بشكل عفوي أحيانا

ما يتحدث عن الكليات والأسباب الجوهرية  لمحنة المصريين وأحيانا أخري نجد حديثا عن الجزئيات يلتقط معاني يتوقف عندها القارئ لما فيها من صدق وقدرة علي النفاذ إلي واقعنا.. عن ضياع الفرد يقول المؤلف أننا باللاوعي الذي نعيش فيه في حالة إغماء قومي ولا صحوة لنا إلا إذا بحثنا عن المفتاح.. من خلال مواقع كثيرة يسجل الشعور العام بالاحباط في مصر وأثر ثقافة السطحية والتفاهة والصراع من أجل لقمة العيش مما أسهم في ازدياد حالة التبلد وفقدان الاحساس بالتدريج كوسيلة دفاع نفسي يقاوم بها المصري ما لا قبل له من عدوان علي حقوق وأبجديات تقوم عليها الجماعات المتحضرة وترسي دعائم نهضتها.. يصاحب هذا التبلد قدر من العدوانية صارت هي النمط السائد في العلاقات.. رغم وضوح العدوانية فإنها لا تنجح أن تخفي الازدواجية المسيطرة علي سلوكيات المواطن وصارت المساحة شاسعة ما بين ظاهر وباطن.

إن العشوائيات التي جعلوها تحيط بالقاهرة ويقيم فيها الملايين في عشش الصفيح أو حول المقابر صارت نمطا لسلوكيات طالت حتي الشرائح المثقفة أو النخب نفسها وهنا مكمن الخطر.

النخب والمثقفون هم القدوة التي يقتدي بها العامة ويتمسكون بمبادئها لكن كيف المحافظة

علي هذا المستوي وسط عشوائية الشارع وعشوائية قوانين تبرئ المواطن وتتهمه في الوقت نفسه وطوال فترات التقاضي ثم ما يليها أحيانا كثيرة من عدم تنفيذ الأحكام القضائية.. من يستطيع أن ينجو بنفسه وسط ممارسات يعوزها المنطق والموضوعية؟!

عندما نري ما حاق بالتعليم حتي علي المستوي الأكاديمي من تخلف وتدهور لابد أن نرجع الأمور إلي أصولها. لما قام انقلاب يوليو 1952 كما يسميه الأستاذ هيكل نفسه وأثناء أزمة الديمقراطية تم جدع أنف الأستاذية نفسها بطرد عدد من كبار الأساتذة والعلماء من كان لهم رأي وموقف.. عندما تضرب الرأس المفكر والقيمة العليا بتلك الفجاجة يصبح من السهل النيل من القاعدة العريضة من الطلاب الذين كانوا جذوة المقاومة الوطنية.

ومع ذلك فإن الدقة أوجبت عن المؤلف القول إن الرئيس جمال عبدالناصر استطاع أن يتربع علي أقدم بيروقراطية في أقدم دولة مركزية في التاريخ.. غير أن المركزية والدكتاتورية التي جاءت بعد يوليو سنة 1952 تمثلت في تجاوز المؤسسة العسكرية لاختصاصاتها.. لم يؤد هذا التجاوز إلي خير حتي في المجال العسكري.. فقد هزمت القيادة العملاقة بكل انجازاتها وضجيجها في سنة 1967 التي جسدت الهزيمة فيها أكبر كارثة أصابت المواطن المصري والعربي في العصر الحديث.. رغم نصر أكتوبر سنة 1973 إلي أن ماتبعه من سياسات بدت كنوع من التكفير السياسي قدم لأمريكا ومن ثم إسرائيل عن هذا النصر!! أتيح للولايات المتحدة بسبب السياسة التي بدأها السادات واستمرت بعده أتيح لها إعادة مصر إلي دائرة التبعية عن طريق القروض والوعد بالاستثمارات واستخدام النفوذ الأمريكي لدي البنك الدولي.. من خلال ذلك كان حرص الاقتصاد الإسرائيلي علي تصريف سلعة عن طريقة التطبيع مع مصر الذي يعد تنفيذه غزوا من نوع آخر للاقتصاد المصري.