وجه بين الناس

الفجر لمن صلاه

د.سهير اسكندر

الأربعاء, 09 فبراير 2011 17:16
بقلم:د. سهير إسكندر

مصر تُخرج أنبل ما فيها بفضل شبابها المغوار الذي يدفع من دمائه الطاهرة ثمن الحرية خلفهم يقف الشعب بروحه في استفتاء فشلوا أن يزوره هذه المرة، دم الشهداء أمانة في الأعناق.

يبدو أن كتاب »ماذا حدث للمصريين« للدكتور جلال أمين يحتاج إلي جزء جديد.. جزء يتحدث عن المصريين بعد 25 يناير 2011 إذ يعودون إلي طبيعتهم الحقيقية بفضل شباب ثائر طار بنا إلي عالم »الفمتوثانية« وتركهم يركبون الخيول والجمال الهمجية يمسكون بالعصي والموتولوف في خروجهم البذيء تأييداً للرئيس لم يكن د. جلال أمين وحده من وصف التغييرات السلبية التي كانت قد حاقت بالمصري فأفقدته الكثير من عظمته وبهائه وحضارته وانتمائه.. انتشرت الكتابات والتحليلات من علماء ومفكرين حاولوا تفسير ما كنا نراه أن المصري صار أنانيا جشعاً لا يأبه إلا بمطالبه الآنية!.. كل هذه غيره الثوار.

قرأنا في »ثقوب في الضمير« للدكتور أحمد عكاشة العالم النفسي الكبير صور فيه التغيرات التي حاقت بالشخصية المصرية فجعلتها محبطة مكتئبة خائفة عدوانية.. منذ فترة رأينا الطبيب العالمي يخرج إلي الشارع مدافعاً عن دار الاستشفاء للصحة النفسية التي أراد البعض اقتناصها وتحويلها ربما إلي مولات وكازينوهات تنضم إلي قافلة الاستيلاء الإجرامي الذي لم ينج منه حتي المرضي.

حضرنا آلاف الندوات والأحاديث في النقابات والقنوات الفضائية يتحدث من فيها عن أزمة جسد وروح مصر العليلة صدقنا أن مصر قد خربت وأصيبت بالعقم بعد أن تصورنا ألا أمل حتي في الشباب الذي يهدر

وقته أمام الإنترنت والفيس بوك.. كم كنا واهمين!!

قرأنا عن انهيار الطبقة الوسطي ورأينا بأعيينا كيف ضربوها في حصونها الأساسية: التعليم والصحة والستر وكل القيم الحامية للمجتمع.. نعرف كيف انهكوها بالضرائب القاصمة ليل نهار حتي جعلوا المسكن الذي يعيش فيه المواطن وبالا عليه يحمل إليه التهديد والفقر.

هاجمتني ذكريات الأمس القريب واستغرقتني وهذا ليس عيباً لأننا كما قال الأستاذ محمد حسنين هيكل يجب أن نحتفظ بالذاكرة لأن بقاء الذاكرة هو الذي يجعلنا مؤهلين تماماً لعدم الثقة فيمن جربناهم طويلاً وعهدناهم لا عهد لهم.

في 25 يناير 2011 خرجت مظاهرات شباب كان بيننا ولم نعرفه.. شباب كان يعاني ويقرأ ويتابع ويستشعر الإهانة.. خرجت مصر علي أيديهم وبفضل شجاعتهم وطهرهم خرجت مصر نقية مثل نور الفجر.. خرجت مصر التلقائية المخلصة المتحضرة ممثلة في الشباب الذين افتدوها.. كيف خرجوا ونجحوا وعاشوا تحت الضربات وكيف امتلكوا ميدان التحرير فعدنا نشعر بأن الأرض لنا كما لم تكن من قبل وأن احتلال الظلم لنا يمضي نحو الهزيمة.. ومع هذا يجب ألا نطمئن أو نسكن لهم لأنه لم يقدم إلا وعوداً وإجراءات مزمعة تقدم الفتات وثمة تدريب متصل لديهم لسحب كل شيء، علينا أن نعي طبيعة الفساد المستشري الذي جعلوه يجثم علي أنفاس

الوطن طبقات متراصة لها مصلحة مباشرة في الاستقرار.. الاستقرار الخاص بهم.. الاستقرار المدعم بالمليارات الغريبة من أين لهم هذا كله؟!

قبل الثورة الشعبية التي قادها الشباب كانت هناك احتجاجات تتصاعد وتتكثف من كل فئات الشعب لكن النظام اقنعنا أنه قادر علي إصابة كل احتجاج بالشلل.. قادر علي إيقاف فاعلية دروس التاريخ.

خرج الشباب يوم 25 يناير.. شباباً جديداً متحضراً متعلماً متجرداً من كل مصلحة ذاتية خرج لينوب عنا، وعادت الروح الحقيقية إلي الإنسان المصري.. رأينا المصري الصابر الطيب الشجاع.. رأينا الشباب من فلذة أكبادنا وهم يتعرضون للإصابة وشق الرأس.. رأيناهم يتداوون ثم يعودون إلي الاعتصام دون أن يفقدوا حماسهم وإشراقهم.. فشل المغرضون في أي تشويه للشباب وإلصاق الاتهامات الممجوجة ظهرت الحقيقة ناصعة فكيف لمصري أن ينسي دم الشهداء من أجل حفنة مسئولين يرددون أكاذيب الأمس غير مدركين أن الدنيا تغيرت في المحروسة.

سلمية.. سلمية وقد صدقهم شعبهم رأيناهم بأعيننا في التحرير علي كل تليفزيونات مصر والعالم.. فتيانا وفتيات.. نساء وأطفالاً أشداء ومعوقين والأجمل من هذا كله ملحمة التوحد الكامل بين المسلمين والأقباط يحتضون بعضهم بعضاً ويحرسون بعضهم بعضاً.. سقطت أردية الكراهية الزائفة التي صدروها لنا بسياساتهم المتعمدة الخرقاء.

نحن مع شعب مصري جديد لن يقبل بإمتصاص الغضب ولا الانقضاض علي المطالب المشروعة أو وأدها بأساليب لا تنتهي من الدهاء والسعار في آن واحد.. كيف ينسي الشعب مشهد اختفاء رجال الشرطة وقوافلها كأنهم تبخروا.. كيف ننسي أن مصر تركت مفزوعة بعد أن تسريح البلطجية والمساجين بالآلاف في لحظة واحدة.. حرائق تمت في لحظة واحدة.. جهاز أمني دفعت له مصر المليارات، انسحب فجأة بفضل أوامر قيادة خائنة شوهت وجه الأمن في مصر.. لا نسمع عن أي تحقيق جدي.. فعلوا كل هذا بينما هم باقون لحمايتنا من الفوضي كما يزعمون. إن الفجر قد انبثق.. تحيا مصر.