رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

وجه بين الناس

الثورة مستمرة.. لماذا؟

د.سهير اسكندر

الخميس, 15 ديسمبر 2011 07:51

بقلم: د. سهير إسكندر

لم تكن صدفة أن يكون أول هتاف لشباب ثورة 25 يناير عيش. حرية. عدالة اجتماعية... إذن فإن معظم الثورة الشعبية نبعت من المطلب الملح للعدالة الاجتماعية والإنتاج الوطني.. ذلك كان الضمير الجامع في الطلعة الأولي ومنه نعرف الطريق المستمر حتي تحقق مصر شعارها المرفوع: ارفع رأسك فوق انت مصري.

نسير علي هديهم الباسل رافضين أن نجحد فضل دماء أريقت وأرواح نبيلة أزهقت بينما نبدأ معاناتنا اليومية مع مسارات الإجهاض لنصر لن ينمحي بإذن الله.
هرولنا إلي الانتخابات في الزمن المطلوب واللحظة القاسية نطوي إحساسا لدينا بالتخلي عنهم وتركهم يشعرون بالوحدة.. تركناهم يجمعون الشهداء ويتعالجون من الغازات السامة. في حديث مع حافظ الميرازي أخيرا نسمع لبعض الشباب قولهم الموثر: يا أهلنا نحن أبناؤكم لا تتركونا ولا تصدقوا أننا نأخذ أموالا من هنا أو هناك تعالوا لترونا كيف نعيش..
كيف نكذبهم بينما الأموال المليارية المسكوبة من مصر علي يد نظام مبارك تمرح أمامنا حرة طليقة بلا سجون ولا اضطهاد.. وكيف نصدق أقوالا ينفي بعضها بعضا باستمرار بينما ندعي بين الحين والحين إلي سباق يسفر دائما عن نتائج صفرية.. نعم هكذا يخطط البعض أن يسفر كفاح وتضحيات الأمس الثائر المغوار عن صفر علي أرض الواقع المعاشي.. صفر في طريق الديمقراطية حتي وإن تزينت وصفر بشأن المطلب الملح للعدالة الاجتماعية وصفر في مجال الكرامة الإنسانية التي نراها تنتهك وندخل من جديد في دوامة الكلمات الزئبقية غير أن هناك بوصلة لن يهرب منها أحد ولن يغفلها لحظة كل أصحاب الطريق أنه لن يوجد في بر مصر بعد قيام الثورة من يقتات بالكلمات.. هذا هو الواقع المضاد لكل ألاعيب السياسة إن هذا الشعب الصابر لن يرضي أن يأكل كلمات مهما بدت عذوبتها ورنين جرسها وقوة فحواها وعظم بأسها.. كل محاولات التكفير السياسي ستهزم لا محالة أمام مطلب العيش الكريم لشعب تم تجريف ثرواته الهائلة. المطلب الخطير والملح لعدالة التوزيع هو الذي سيظل فعل المؤامرة أن تسفر الثورة التي أبهرت العالم عن لا شىء!! ثمة حرص وتشبث بآليات اقتصادية تريد المزيد من اقتصاد مبارك.. فساد اقتصاد مبارك الذي يسعي بيننا كثعبان الكوبرا  هو الذي لا يجعلنا نستشعر طمأنينة بعد كل هذه الدماء.. لكن هذا الاقتصاد الموبوء بشروطه القاسية هو الذي سيجعل الثورة مستمرة علي أرض واقع راسخ. ان اصطفاء الأثرياء ورجال الأعمال الزائفين لا يمكن أن يصنع نهضة أو ينقذ وطنا.. العقارات الفارهة والأجهزة التكنولوجية المستوردة والأموال التي

لا تعد في قبضة البعض تعطي شكلا كاذبا للثراء في قمة الهرم الاجتماعي.. دون آليات توزيع عادل للدخل سيزداد الفقراء فقرا وستنمو أعدادهم وسيكون صوتهم عاليا ونخشي أن يكون عنيفا ومدمرا تبدو الأقوال عن العدالة الاجتماعية مكررة ومعادة لكن الفارق الأساسي بين الأمس واليوم أنها اقتربت بعد الثورة من أن تكون أقوالا فاعلة.. استرد أصحابها قدرتهم علي التأثير وانتزعوا استقلالهم من بين براثن التنظيمات العقيمة.. أيا كان التيار المسيطر علي مجري السياسة إسلاميا كان أو اشتراكيا أو ليبراليا فلن يسمح لأحد أن يتسيد ويحكم علي حساب العدالة الاجتماعية ومدي تطبيقها الصادق من عدمه وإذا ما سادت قضية توزيع الدخل في مقدمة القضايا سجلت معها حتما الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لأن أسس بلاء هذا الشعب هو تلك المليارات التي تسحب منه وتصب عند حفنة من المغتصبين وإن تحدثوا العربية. لا تزال الضرائب تسن لحماية الأغنياء والرأسماليين.. تلعب الفئات مرتفعة الدخل وأصحاب المصالح أدوارا مستميتة من أجل إبقاء السياحة المالية بانحيازاتها الضالة كما هي عليه.. ان الثورات تنتشر في كل مكان وفي العالم الرأسمالي مطالبين بتوزيع الدخل وعدالة التوزيع وبعض هذه الاحتجاجات تمثل شعارات ثورة 25 يناير لا يزال مطلب الضرائب التصاعدية يبدو في غير المتناول العام بينما تطبيقه بحسم سيوفر للدولة إيرادات إضافية تتراوح بين 10 مليارات إلي 15 مليار جنيه.. انها ليست أزمة معرفة إنما هو الإصرار العنيد علي الحفاظ علي مصالح طبقة توحشت وامتد نفوذها علي حساب الإنقاذ الوطني.
ونحن في موسم انتخابات برلمانية مهمة لا نسمع أو نقرأ كثيرا عن رؤي اقتصادية تتناول الاقتصاد وعدالة التوزيع.. مع هذا فإن قضية العدالة الاجتماعية ستفرض نفسها علي من يتجاهلونها من التيارات المختلفة.. حتي إذا تركنا الرؤي العامة والاستراتيجيات إلي التطبيق فإن أبسط المعلومات تقول: إن هناك حلولا جاهزة لإخراجنا من بعض الأزمات.. نسمع مثلا إلي أحمد المسلماني إذ يتحدث عن الأجور المتدنية لضباط الشرطة أن هناك صناديق بها مليارات يمكن أن تسهم في حل هذه المشكلة ويتساءل أين هي؟ ولماذا لا تحل هذه الأموال بعض مشكلات رجال الأمن.. أيضا فإن الكثير من
الكتابات والحوارات والأبحاث الاقتصادية تساءلت حول الصناديق الخاصة التي لازلنا نعرف السياسة التي تتبع بشأنها ولماذا تخرج إلي دائرة الضوء.. لماذا لا يعلن عن أموال هذه الصناديق بمثل الوضوح الذي يعلن به عن انهيار الاحتياطي النقدي نحن لا نشكك في هذا الانهيار القادم لكننا نتساءل محبطين عن سر الضبابية وغياب إرادة الإنقاذ الاجتماعي بينما توجد أموال وسبل ومشورات تشير إلي الحلول بينما نحن نعهد إلي الاقتراض من البنك الدولي.
ان أي محاولة جادة لتحقيق العدالة الاجتماعية كانت ستثمر من الرضا والأمان والاستقرار غير أن ذلك لم يتم بأي مقدار. يظن الكثيرون أن شباب الثورة سوف يتفرقون بحكم شدة الضغط عليهم غير أن هذا الفكر يغفل الجماهير العريضة صاحبة المصلحة التي لا يمكن أن تنسي مطالبها الأساسية في العيش الكريم في تاريخ مصر الحديث وتاريخ حكومة الوفد الأخيرة سنة 1950 أمثلة تدل ماذا يستطيع القادة الحقيقيون للشعب أن يقدموا من إسهامات حتي في ظل الملكية والاحتلال لم يكن حزب الوفد متبعا لاتجاه أيدلوجي معين بشأن حل المشكلة الزراعية علي الطريقة الأمريكية أو السوفيتية في ذلك الحين مع ذلك فقد ظل الوفد في نظر المؤرخين باتجاهه الشعبي وتمثيله للأغلبية أقدر من سواه علي تحقيق الإصلاحات الداخلية والتشريعات الاجتماعية والاقتصادية متأثرا باتجاه أنصاره وكثرة عددهم وتمثيلهم طبقات متعددة كان ضمن قيادات الوفد عددا من كبار ملاك الأراضي ربما لا يقل عما هو موجود بالأحزاب الأخري لكن الفارق الأساسي كان في ارتباط الوفد بجموع الشعب كخادم حقيقي للأمة. كان فؤاد سراج الدين مثلا سكرتير عام الوفد في سنة 1950 ووزير الداخلية والمالية كان إقطاعيا كبيرا ينتمي إلي عائلة من كبار الملاك مع هذا فقد عملت حكومة الوفد علي مضاعفة الضريبة العقارية علي الأطيان الزراعية 100٪ فازدادت حصيلتها من 7 ملايين جنيه إلي 15 مليون جنيه.. كذلك عدلت جميع فئات الضرائب الأخري فرفعتها بالنسبة للشرائح العليا أي أصحاب الدخل المرتفع «ولم يتعللوا بهرب المستثمرين»! وقد كانت في مصر آنذاك صناعات وطنية قوية.. وبالنسبة لمحصول القطن قاومت حملة نزولية مصطنعة حماية لحقوق المزارعين والفلاحين والمنتجين وبالتالي حماية الاقتصاد القومي فارتفعت أسعار القطن إلي رقم قياسي قوي سعر العملة في العالم. ووضعت حكومة الوفد كادرا للموظفين يرفع من مستواهم وأنشأت ديوان الموظفين وحاولت إصلاح حال العمل فأصدرت قانون العمل المشترك وقانون إصابات العمل وأصدرت قانونا بزيادة إعانة غلاء المعيشة. كما عرفت هذه الوزارة مجانية التعليم باختيار د. طه حسين وزيرا للمعارف بدعوته المعروفة عن حق التعليم للمواطن كالماء والهواء.. وإذا كانت سياسة التعليم قد أخذت عهدا تكافؤ الفرص في أوائل الأربعينيات ومنحت المجانية لتلاميذ المرحلة الابتدائية فقد أخذت في أوائل الخمسينيات بمبدأ مجانية التعليم العام كله كذلك تم تحويل البنك الأهلي إلي بنك مركزي وعقيدة.
أما بالنسبة للوضع العام للمرأة فقد شهدت مدا ثوريا بإشراكها في الأنشطة المتعلقة بالحركة الوطنية سواء في المظاهرات أو الكفاح المسلح وهو ما يذكرنا بدور المرأة في فجر الإسلام مكافحة ومساندة لرسالة النبوة فكانت المجاهدة وأم الشهداء الباسلة والناصحة والمؤتمنة والباحثة والراوية والمشجعة علي الكفاح.