وجه بين الناس

مجدي يعقوب والعلم للشعب

د.سهير اسكندر

الأربعاء, 19 يناير 2011 14:36
بقلم: د. سهير إسكندر

كوفئت علي مقال لي في الأخبار بمكالمة غالية من الأديب والمفكر الكبير عبد الرحمن الشرقاوي.. كان عنوان المقال "العلم للشعب" بدا معجبا بفكرة تمت صياغتها علي ذلك النحو من الاضاءة كما قال الاستاذ رحمه الله.

كان ذلك في أواخر السبعينيات حيث أمدتني المكالمة وما تبعها من لقاء بمزيد من الاقتناع والثقة في ذكل الرأي فلم أكف عن الكتابة عن اقتراح بوجود علم شعبي يضيء جزءاً من الصورة المظلمة في واقعنا ويعمل عليها ويصدرها للمجتمع وأن يكون بعيداً عن الهيمنة الحكومية.

حالياً نقرأ ونشاهد عالمنا الكبير د. أحمد زويل فيزداد لدينا الأمل بايجاد جزر علم يمكن أن تكون نموذجا للتقدم تنتشر منها أشعة المعرفة الي مناطق أخري في الوطن، هذه الاستنارة الجزئية هي التي بإمكانها ان تطلق إرادات تحقق مشروعا ما يتحلق حول صناعة أو زراعة وبهمة المخلصين من العلماء تلتئم الاجزاء المبعثرة.

ما قاله د. أحمد زويل لابد أن يشرق في وعينا الوطني لأنه يأتي من عقل مفكر.. لقد تكلم بوضوح عن استحالة التنمية الشاملة والنهضة الغامرة والحلول الكلية في مجتمع تمت اصابته بالشلل الانتاجي والفشل المدبر.

الحقيقة ان فكرة جزيرة التقدم تصلح للافراد مثلما تصلح للجماعات والفكرة يمكن تطبيقها بدءاً من أعلي المستويات الي ابسطها.. أليس أصحاب الرسالات العلمية والفكرية والوطنية مجرد افراد نجحوا في إيجاد جزرهم التي عكفوا عليها بعطائهم وفكرهم فلم يرهبوا من محيط أسن متخلف بل دعاهم هذا التحدي الي ضرب الامثلة أملاً في أن يتسع مفهوم الجزر المتفرقة وتتصل بعضها ببعض فتحدث النهضة.

في تكريم الطبيب العالمي والانسان العظيم "مجدي يعقوب" كل

المعاني التي تذكرنا بارادة العلماء أن يكونوا للشعب غير مكتفين بالنجاح الغربي.

ياله من اختيار رائع لمدنية اسوان التي سعي اليها د. مجدي يعقوب قاصدا الفقراء والاطفال المرضي مقدما علمه ووقته وما له لبني وطنه.. اذا كانت الامكانيات في مصرنا ضئيلة فقد سعي لجعلها كبيرة ومشكلة قصور التمريض أوجد لها حلاً بل حلولا باستجلاب فريق من الممرضين العاملين معه ثم بدأ تعليم المصريين هذه الر سالة من فرط إيمانه بقيمة التقدم العلمي عمل إلي انشاء جيل ثان من الأطباء المصريين يكملون رسالته ويتعلمون منه فن منح النجاة والاحترام لمرضي مصر حين تتلقفهم أياد عبقرية وقلوب عامرة بالحب في حياة كل منا فترات شعر فيها بالحصار.. وبالعقم مثلما يجتاح مصر الآن.. عندها ربما تواجد حدث أو شخص ما أيا كان موقعه وأهدي لصاحب المحنة فكرة الجزيرة التي تجعله يعكف عليها زرعا ونماء وبناء دون أن يلقي بالا الي الامواج العالية التي تحاصره وتهدده.

إن فكرة جزر التقدم التي عبر عنها د. أحمد زويل في كتابه عصر العلم هي بمثابة سفينة نوح مصغرة تقوي الدافع عند اصحابها أن ثمة نجاة ممكنة حتي بالنسبة للشعوب التي أوصولها الي اليأس.

إن تجربة الدكتور محمد غنيم رائد زراعة الكلي بالمنصورة تعد نموذجا مشابها للإنقاذ، وقد تمت تجربته في ظل نفس الظروف المثبطة التي نعيش فيها لكن الرجل لم

يستسلم ولم يتواضع في مطلبه انما عكف علي تقديم مركز عالمي للكلي وذهب للناس في أماكن المرض في المنصورة وقدم فتحا جديداً تأكيداً لهذه الفكرة ما ذكره احمد المسلماني في مقدمته المتميزة لكتاب "عصر العلم" إذ أوضح أن رؤية احمد زويل للنهضة العلمية في بلدان العالم الثالث وفي مقدمتها مصر تبدو، وكأنها الحل الأمثل وربما الوحيد وسط ارتباك الذهن السياسي والفكري.. دعوة زويل هي دعوة لاقامة اسوار حول "جزر تقدم" يكون بمقدورها أن تجر خلفها ما يمكن حمله للأمام.. وهي دعوة جزئية لكنها أوقع من الأفكار الشمولية التي تبدو مستحيلة أو أنها تأتي متأخرة جداً.

يقول د. أحمد زويل في أكثر من معرض إن نقص القاعدة العلمية والتكنولوجية في أي دولة ليس دائما ناتجا عن فقر المصادر أو الثروة البشرية لكنها تنبع من غياب الارادة.

اعتقد أننا في حاجة الي قفزة الثقة التي لابد منها للأفراد والجماعات حتي تكون بداية للتغيير من حال الي حال يضرب د. أحمد زويل مثالاً علي هذا في تجربة كالتك الجامعة التي قصدها باحثا والتي حصدت أكثر من ثلاثين جائزة نوبل، يقول: أنها بدأت كمدرسة حرفية تعمل في حياكة الملابس من الفساتين الي قبعات الجنود الامريكيين وقد ظلت هكذا حتي نهاية القرن التاسع عشر، وقد جاء شخص يدعي "روبرت ميليكان" وهو حائز علي جائزة نوبل ليحول مدرسة الحياكة هذه الي معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وفي غضون عشر سنوات فقط من 1920 حتي 1930 اصبحت كالتك واحدة من قلاع العلم في العالم.

إن الافراد هم محركو الامم واذا لم نجد حكومات سليمة مبعثرة تمتلك رؤية وارادة نافذة لتحقيق نجاة شعبنا فعلينا أن نلجأ الي العلماء ليقولوا كلمتهم في شتي مجالات الانتاج المعطلة في مصر سئمنا طنطنة الكلمات وطال اشتياق مصر الي جزر تقدم حقيقية نثق أن المصري الكريم سيعطيها آخر لقمة في فمه من أجل أن تعيش، نحن في حاجة الي استكمال الطريق السياسي برعاية مسيرة العلماء الوطنيين وتمكينهم أن يشقوا طرقا واقعية للنجاة.