وجه بين الناس

«في بلادي الجميلة»

د.سهير اسكندر

الخميس, 03 نوفمبر 2011 09:33
بقلم : د. سهير إسكندر

إن إدخال مفكري مصر وأروع نخبتها السياسية إلي السجن لا يعد عملا من أعمال البطولة من أنور السادات.. إن استعمال القوة الباطشة بإمكان أي معتد بلطجي إن يفعل. هذا الاعتقال إنما يزيد من تعرضوا له فخارا وشرفا. في نظر كل جماهير مصر وسيخسر السادات، هكذا تحدثت في خريف الغضب كانت هذه الكلمات النارية المدوية

هي بداية اللقاء الفكري بالدكتورة نعمات أحمد فؤاد السيدة التي هزت بل أبطلت قرارات سيادية إبان حكم السادات حين أجبرت الحكومة آنذاك علي الانصياع لصوت العلم والوطنية أتذكر معاركها تلك الأيام في دفاعها الجسور عن «هضبة الأهرام» وعن «قبة الحسين» وما كان يراد بهما من استغلال رأسمالي جشع علي حساب الآثار الخالدة.. لم تكن وحدها إنما آزرتها الصحافة المعارضة ومنها صحيفة الشعب وغيرها وكذلك فتحت لها نقابة الصحفيين أبوابها لتخوض معاركها المتنصرة.
لا أعرف إذا ما كانت د. نعمات فؤاد حاضرة سياسيا ماذا كانت ستفعل أو تقول فيما حدث لمصر بعد ثورة شعبية كبري دفع فيها الدم الغالي. (الدكتورة نعمات فؤاد تفضل العزلة بسبب حزن خاص أعانها الله عليه).
منذ الثمانينيات وحتي اليوم كم تغيرت الأحوال بمصر وأخرجت من شبابها وفتياتها أمثلة كثر للفداء وها هي النخبة المصرية تواجه أصعب تحديات واجهت مصر الحديثة وتجدد الاصرار علي تحقيق مطالب الثورة المشروعة.
التقطت كتاب د. نعمات فؤاد الصادر في 1962 بعنوان: «في بلادي الجميلة» وأقرأه وأرتشف معانيه إذ تجولت الأديبة في ربوع مصر وقدمت صورا لمعان عزيزة للحياة في بلاد كانت جميلة بالفعل وستطل بإذن الله رغم أياد قبيحة عملت علي تشويه الصورة الرائعة.
إن مصر تمتلئ بالبسالة وتروي الظمأ لمعرفة قدرة الإنسان المصري العظيم علي تغيير واقعه واسترداد مقدراته.. كم عدد الأبطال من كل الأعمار والأفكار والأديان تكاتفوا لكي

يساندوا الأم الكبري ويفتدونها ومع ذلك نجد مصرنا عند المفترق تداهمها الأخطار تسعة شهور مرت علي ثورة لم يتول أمرها من قاموا بها فإذا ما يخرج علي السطح من انقسامات مصنوعة وبلطجة يستبقونها وإرهاب فكري وإعلامي يريد أن يغطي ويهزم بطولة عرفتها كل مدن مصر من أجل التحرير.
من يصدق أن «المحروسة» لم تعد تأمن علي نفسها وأبنائها من اعتداءات علي الكيان والممتلكات والأرواح.. من يصدق أن كل ما طالبت به ثورة شعبية منتصرة لم يتحقق في أي شيء بل كان هناك إصرار علي سيطرة القبح والفرقة. من يصدق تلك الانقسامات المفتعلة والمخططة تم تصديرها فإذا هي تكتسح كل ما في طريقها من تماسك عظيم عاش عليه هذا الشعب وجابه الصعاب وانتصر. هل يستحق الشعب الذي حقق بجيشه العظيم نصر أكتوبر هل يستحق ما نراه إذ ألقي به في التيه والضياع والتشرذم والعمل علي إحناء هامات الأمة العظيمة.. هل يصدق أحد أن المحاكم تغلق بالجنازير والقضاة يمنعون من أداء مهماتهم المقدسة دون أن نعرف الفاعل الحقيقي أو الفعلة الأصلاء.. نحن لا نصدق أن المحامين هم مدبرو الفتنة أيدا حتي وان احتدم الخلاف.. من الفاعل أو الفعلة/ لا جواب!!
مثل ما حدث من قبل في البالون والعباسية والتحرير وصول وماسبيرو. لا جواب هل هذه مصر الجميلة؟! كيف تترك عصابات الحزب الوطني الفاسدة تمرح وتخرب وتترك هذا الوطن إلي الفوضي التي سبق أن توعد بها المخلوع.. مصر تتجه إلي الخطر بدلا من أن تتقدم بأياديها المخلصة
لتمسك بثمرات نصر مؤزر ليس كمثله نصر لانه كله «صناعة شعبية» إن البلطجية المتروكين لهدم كل شىء لا يمارسون هواية إنما يحققون أهدافا سياسية معدة سلفا من كل من يفزعه نهضة المارد المصري.
نفس السياسات البائدة تتكرر كلما استبد بهم الفشل أوسعونا قوانين وعقوبات.. عانت مصر اقتصاديا زادوا من عدد المستشارين في الدولة حتي وصلوا إلي 93 ألف مستشار يقبضون الملايين.. سياسات تهدف إلي امتصاص طاقات الفقراء والجياع بينما أموال المعاشات تهدر والأموال المنهوبة لا تعود وإصرار عنيد علي عدم فرض ضرائب تصاعدية بينما هي مطبقة في أعتي الدول الرأسمالية!! إصرار علي استثارة الغوغائية وتجاهل النخب المصرية أين صوتك المدوي يا د. نعمات لينضم إلي قافلة الأحرار ضد سياسة تريد أن تجعل من البلطجة أسلوب حياة يفسد إلي الأبد مصر الجميلة.. فلا نامت أعين الجبناء.
في «بلادي الجميلة» نعيد قراءة مصر كما كانت وكما ستكون بإذن الله رغم أنف كل المخططات المطلقة السراح.
نراجع مع د. نعمات فؤاد فصولا كتبتها عاشقة النيل التي طالما حنت علي عبرات إيزيس وتواصلت مع صلوات عمرو وانتصارات صلاح الدين كما يصفها الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيات في مقدمته الرائعة.
فصول رائعة في «الورد» «في بيتي»، في الريف في المدرسة.. في الكتاب والكتّاب.. في الفرح في دنشواي.. وغيرها صور رسمتها أديبة ومحنة كبيرة بقلبها ونثرها الذي يقترب من الشعر.. إنها كاتبة أتت من زمن الأمان والطمأنية.. لعلها انتزعت أمانها وطمأنينتها انتزاعا لأن مصر لم تسلم من المعضلات .. أذكر بيتها الخاص في الزمالك وفي كل ركن منه لوحة من اختيارها أو تطريزها أو أسطوانات لأم كلثوم جمعتها.. رموز فرعونية وقبطية وإسلامية في كل أنحاء البيت لذا نصدقها عندما تقول: «ان البيت بالنسبة للمرأة هو كل شىء وكل ما عداه إن هو إلا عرض يؤدي إليه أو وسيلة تعين عليه».
وفي المدرسة تذكرنا بما كانت عليه المدرسة في الستينيات انتظام صفوف وعلم يدرس وبيانات ترسل من خلال الميكروفون وتحية العلم التي عشنا في ظلها وأمدتنا بكل شموخها.. تتحدث عن المدرسة في ذلك الحين قائلة: «ما أعز المدرسة فيها موسيقي وفيها رسم وفيها لغات وقراءات.. انها مجمع الروائع». هذا واقع عشناه وأنشطة وفنون تعلمناها وأساتذة اقتدينا بهم».