رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وجه بين الناس

تحيا لنا عزيزة في الأمم

د.سهير اسكندر

الخميس, 13 يناير 2011 08:38
بقلم: د. سهير إسكندر

كانت الواقعة الإرهابية حدثاً جللاً في بداية العام الجديد.. تناثرت الأشلاء علي حائط كنيسة القديسين.

المفاجأة أن دوي الانفجار الرهيب بدا كأنه أسقط الصدأ المتراكم عن المعدن المصري الأصيل الثابت في الجذور، وإذا بالمشاهد لا يعرف من الباكي والحزين والثائر والغاضب.. كانت الإجابة أنهم كل المصريين.

خابت مؤامرة كان يراد بها إشعال فتنة طائفية ومثلما يقال أحياناً: إن الصدمة تعيد الذاكرة للذهن المصاب فإن هذا ما حدث للذاكرة الوطنية الجمعية في استعادة ثرية لكل مشاهد التاريخ تحكي عن المصري الذي علم البشرية كلها الحضارة.

خلق الله الناس كلهم علي قاعدة الخلاف والاختلاف.. لذا فإن دواعي الفطرة السليمة أن يتقبل الجميع بعضهم البعض مع اختلاف اللون والجنس والدين.. أليس لكل منا بصمة خاصة تختلف عن أقرب المقربين.

ثمة تأملات ودروس يتشارك فيها الجميع بعد أن ظهر تلاحم الروح الوطنية.. بدا عميقاً والحنان متغلغلاً وانتشر اللون الأسود في الشارع المصري ليسمح ببصيص من الفجر أن يطل بنوره.

لا يمكن فهم مظاهر التعصب والتطرف والانغلاق التي مست أبناء الوطن من الدينين إلا من خلال قراءة جميع أشكال المرض والتفكك واللاانتماء التي تمزق الجسد المصري في كل علاقاته الوظيفية والاجتماعية والأسرية من فرط ضغوط أملتها سياسات فاشلة جعلت الفساد منظومة تطحن الجميع.

سألت باهتمام شخصيات عادية من المسيحيين والمسلمين وكانت إجاباتهم كلها تعبر عن فيضان حب واطمئنان وعرفان لكل ما أفرزته مصر من عوامل الاحتقان للألم والنزيف.

الحكم الاستبدادي الذي عانته مصر منذ الثورة جعل الإنسان المصري أكثر خوفاً وأقل استعداداً لتطبيق قيم الأديان الرائعة، عرفت مصر التوحيد منذ فجر التاريخ واحتضنت المسيحية والإسلام علي أرضها.

عندما أعاد حزب الوفد مؤخراً شعار الهلال مع الصليب لم يتصور البعض أن هذا الشعار سيتجاوز الحزب وجريدته ومقراته، لكن الصدمة الإرهابية في القديسين أعادت شعار ثورة 1919 نابضاً بكل معاني الحب واحترام الأديان، ووقفة الصف الواحد في السراء والضراء.. دائماً ما امتزجت الدماء والأرواح في كل المواقف لأن مصر من الجميع وإلي الجميع من أرادها بسوء قصمه الله.

أتصور جدلاً لو أن الحكومة كانت هي التي أصدرت قراراً أو تكليفاً بتوزيع هذا الشعار وتعميمه إذن لتثاءب المصريون كعادتهم معها ولاذوا بالسلبية، لكن التهديد الذي مس الوطن كله قد جعل شعار الثورة ينتقل في رحابة ليعلن أن المصريين جميعاً أيقنوا أن القضية قضيتهم والوطن بكل أبنائه مسئوليتهم وأن توحدهم ضرورة حياة وطبيعة بشر لهذا البلد الآمن.

إن التطرف والإرهاب هو الأب الشرعي للفرقة والانقسام والتقسيم.. كما أن التقوقع والانقسام هو الوقود الذي يشعل نار الإرهاب ومخطط التقسيم ليس خطراً موهوماً أو متخيلاً إنه خطة معلنة وقد بات يقرع بعنف أبواباً عربية فيها من خدم أهداف المحتلين حتي

وإن ارتدي ثياباً وطنية أو دينية هذا الوعي شق طريقه بكل مظاهره، قد انبثق فجأة وكأننا في حرب أكتوبر الظافرة عن عدد رائع من الأغاني والأناشيد وبدا المصري أياً كان دينه ورأيه مبتهجاً بذاته حين استعاد روحاً عفية نقية هي من طبيعة الثراء التي عاش عليها المصريون مستغنين بنهرهم وزرعهم وحضارتهم.

إن الطبيعة تأبي الفراغ وهذا الطوفان من الحب ما كان ليبعث حياً إلا لأنه مكان موجود ومحفوظ في القلوب مثل سبائك الذهب الأصيل يخرج من الأرض وقد ازداد بهاء وقيمة.

حرصت الحكومة علي إقصاء بعض ممثلي حقوق الإنسان لأنها أرادت للمظاهرات الحزينة والغاضبة أن تقتصر علي الأقباط لمصلحة من هذا الشكل الانقسامي؟ مع أن ثمة إجماع أن الجريمة الشنعاء كانت ضد مصر؟! إن وجود كل الأطياف والفئات كان يعمل علي جعل المظاهرات أكثر قوة وتكاملاً وتماسكاً بما يقلل من الحدة والتطرف.. إن الشعب بمواطنيه جميعاً هو الأكثر وعياً وإخلاصاً من جميع الأوصياء بأهدافهم القاصرة.

سمعت بكل الإجلال والإعزاز حوار شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي أجرته معه من الشاذلي فذكرنا بما عاش عليه هذا الوطن وبما ذكرنا به في كل الأديان لأنها آتية متي الله، كان خطاب الشيخ الجليل محباً ورحباً إلي أقصي درجة.. شهماً وجسوراً إلي غير حد.. فيه كل عنفوان ونقاء الواثق المطمئن أتوقف عند الفقرة التي أوردها الشيخ، حين تحدث عن أزمة الفكر الوسطي متحدثاً عن رياح تطرف وحدة آتية ومدفوعة من خارج الوطن بما يحاصر وسطية الإسلام التي تجسدت دوماً في مصر.

»عندما يوجدالتطرف والتعصب الإسلامي يوجد في اللحظة نفسها تطرف وتعصب مقابل علي الجانب المسيحي، تستدعي القضية هنا لتطرح علي قداسة البابا شنودة الثالث وكل أعمدة الكنيسة الوطنية التي طالما تشبثت بالجذور المصرية وأبطلت كيد الطامعين والمحتلين«.