التعليم الذي نريد‮ "‬3‮"‬

أركان ثلاثة للنهوض التعليمي

د.سعيد اسماعيل علي

الثلاثاء, 04 يناير 2011 18:01
بقلم :د.سعيد إسماعيل علي

علي الرغم من أننا أكدنا أن تحديد‮ "‬قِبلة‮" ‬النهوض التعليمي لابد أن يكون عملا قوميا جماعيا،‮ ‬إلا أن عددا من القراء كتب لي أو‮ "‬هاتفني‮" ‬بأنه مع التسليم بذلك،‮ ‬إلا أن الأمر لا ينبغي أن يصادر حق أي أحد في أن يحدد ما يمليه عقله واجتهاده في هذا الشأن،‮ ‬كل ما هنالك التأكيد علي أن ليس من حق فرد،‮ ‬أيا كان،‮ ‬أن يفرض رؤيته الخاصة علي الوطن كله،‮ ‬وعلي أجيال مصر المتتالية‮.‬

وهنا نجد الهوية التي يجب أن تُشكل‮ "‬قبلة‮" ‬التعليم في مصر،‮ ‬تقوم علي أركان ثلاثة،‮ ‬علي الرغم من وعينا بأن هناك من المفكرين من اقتصر علي واحد منها،‮ ‬في الغالب الأعم،‮ ‬أو ربما ثنتين‮.. ‬ونحن هنا لا نقوم بعملية‮ "‬توفيق‮"‬،‮ ‬وإنما نصدر في رؤيتنا عن رفض للنظرة الأُحادية،‮ ‬حيث الحياة نفسها،‮ ‬سواء علي المستوي الإنساني،‮ ‬أو المستوي‮ "‬الكوني‮"‬،‮ ‬تقوم علي التنوع،‮ ‬والتعدد،‮ ‬والتكامل،‮ ‬ويظلم الإنسان نفسه،‮ ‬عندما يصر علي العكس من ذلك،‮ ‬بل ويتهم ذوي الرؤي متعددة الزوايا بأنهم يقومون بعملية‮ "‬تلفيق‮"‬،‮ ‬وإيهام الناس بأنها عملية‮ "‬توفيق‮". ‬

إن هذه الأركان الثلاثة،‮ ‬يحسها كل إنسان في مصر علي المستوي الفردي‮:‬

فما من ابن من أبناء مصر،‮ ‬إلا ويعتز بمصريته‮.‬

وهو في اعتزازه بمصريته يعلم علم اليقين أن لغته القومية هي العربية،‮ ‬وأن المسألة ليست مجرد لغة،‮ ‬فاللغة وعاء لتراث‮ ‬غزير طويل العمر،‮ ‬يمتد عبر قرون طويلة،‮ ‬معبرا عن‮ "‬عروبة‮" ‬ثقافة،‮ ‬لا عروبة‮ "‬عرق‮". ‬

والكثرة الغالبة من المصريين،‮ ‬حتي قبل أن تظهر الأديان الإلهية،‮ ‬تلفهم نزعة تدين واضحة،‮ ‬لا تخطئها عين مراقب‮.‬

هذا وقد كانت العادة قد جرت في وطننا العربي في السنوات الأخيرة علي اتهام كل من يؤكد علي خصائص خاصة ببلده،‮ ‬والإشادة بها بصفة مستمرة،‮ ‬واتخاذها محورا للحديث والدراسة،‮ ‬علي أنه من دعاة الإقليمية‮! ‬وهي تهمة نبرأ منها،‮ ‬كما سوف يتضح فيما بعد،‮ ‬وبناء علي هذا،‮ ‬فقد يري البعض أننا إذ نؤكد علي‮ "‬مصر‮" ‬ونشيد بحضاراتها السابقة،‮ ‬فمعناه أننا نتابع في ذلك ما كان قد نادي به أحمد لطفي السيد،‮ ‬وسلامة موسي،‮ ‬وغيرهما،‮ ‬من حيث مفارقة العروبة،‮ ‬وإحلال الإقليمية محلها‮.‬

ونحن نؤكد بادئ ذي بدء أن هناك فارقا كبيرا بين الدعوتين؛ فالدعوة إلي‮ "‬المصرية‮"‬،‮ ‬كما عرفتها ثقافتنا في مطلع القرن العشرين قد ارتبطت بالفرعونية في أغلب الأحوال،‮ ‬ولم تكن تضع في حسبانها بالفعل‮: ‬الشأن العروبي،‮ ‬أما نحن،‮ ‬فعندما نؤكد الاعتزاز بشخصية مصر،‮ ‬واعتباره الركن الأساسي الأول،‮ ‬فإن هذا معناه بالضرورة‮ - ‬أو هكذا المفروض‮ - ‬أننا نعتز بكل مكونات هذه الشخصية وتطلعاتها‮:‬

ولهذا فنحن نفخر بالثقافة الفرعونية،‮ ‬لأنها كانت البداية الأولي في تكوين هذه الشخصية،‮ ‬واستطاعت عن طريقها أن تبني حضارة تفيض مختلف الكتابات في الشرق والغرب علي السواء،‮ ‬بالإشادة بها،‮ ‬والإشارة إلي دورها المذهل في وضع الإنسان علي طريق التقدم والتحضر‮.‬

ونعتز بالثقافة المسيحية،‮ ‬لأنها كانت أول صوت ينادي بالحب والأخوة بين البشر،‮ ‬ويطرح جانبا كافة الفروق الجنسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن ترفع إنسانا فوق إنسان

بغير حق،‮ ‬ويحل محلها‮ "‬التقوي‮" ‬والفضيلة والطهر،‮ ‬معيارا للمفاضلة بين الناس،‮ ‬وكانت أرض مصر من أولي البقاع التي احتضنتها،‮ ‬وازدهرت فيها وأينعت،‮ ‬واستطاعت أن تترك بصمات لها بارزة علي الشخصية المصرية‮.‬

ونباهي بالثقافة العربية الإسلامية،‮ ‬حيث تمكنت من التغلغل في شخصيتنا،‮ ‬وأصبحت الآن هي المَعْلم الأساسي في ثقافتنا،‮ ‬وروحها تسري في كل ما نفرك فيه الآن ونقوله ونأمله ونتناوله‮. ‬ومصر هي التي استطاعت أن تحمي هذه الثقافة من أن تندثر وتصبح أثرا بعد عين علي أيدي التتار،‮ ‬و"الفرنجة‮"‬،‮ ‬فيما عرف بالحروب الصليبية،‮ ‬والصليب منها براء‮. ‬وبأزهرها الشامخ حافظت علي أصولها وقواعدها،‮ ‬ومثلت عنصر جذب شد إليها المسلمين من كافة الأقطار،‮ ‬ينهلون من الثقافة العربية الإسلامية‮.‬

ونحني رؤوسنا إعجابا بالثقافة الغربية الحديثة،‮ ‬لأن الشخصية المصرية عندما بدأت التعرف عليها،‮ ‬والأخذ بأسبابها،‮ ‬خاصة منذ أوائل القرن التاسع عشر،‮ ‬استطاعت أن تقف علي قدميها،‮ ‬وتنفض عنها‮ ‬غبار عصور جمدت فيها وتوقفت،‮ ‬بل إن مزيدا من امتصاص أصولها وإنجازاتها الحضارية المتقدمة،‮ ‬يتيح لهذه الشخصية مزيدا من التقدم والكثير من التطور‮.‬

وهكذا تكون‮ "‬مصرية‮" ‬غير متعصبة،‮ ‬بمثل ما تعرف ما كان لها من فضل علي الآخرين‮ ‬،‮ ‬تعرف فضل هؤلاء الآخرين عليها،‮ ‬فتقرأ ما كان لها من ثقافات،‮ ‬وتقرأ ما كان ويكون لهم هم أيضا من ثقافات،‮ ‬إيمانا بأنها ليست نبتا نما وظهر بعيدا عن المؤثرات العالمية،‮ ‬وإنما هي ثمرة ساهمت في صنعها وتطويرها كل الثقافات الأخري‮.‬

ومن ناحية أخري،‮ ‬فإن الاعتزاز بالشخصية المصرية ليس بالضرورة نقيضا للشخصية القومية العربية،‮ ‬بل إننا لنري العكس من ذلك،‮ ‬نراه تأكيدا لها وتدعيما،‮ ‬لأن الفهم الصحيح للشخصية المصرية يبين ارتباطها بسائر شعوب المنطقة العربية،‮ ‬والإدراك لآمالها يظهر ضرورة هذا الارتباط وحتميته،‮ ‬ولا نظن أننا نذهب بعيدا إذا قلنا إن هذا الاعتزاز والتأكيد،‮ ‬يعطي لكل وحدة من وحدات البناء العربي قوة بحيث يكون هذا البناء العام قويا متينا،‮ ‬ثابت الأركان،‮ ‬بشرط ألا يكون هناك ما يمكن أن ينقض الروابط التي بين أجزاء البنيان وتناسقها وتكاملها وتآلفها‮.‬

والحق أن مصر في واقع الأمر تحتل مركزا فريدا لم يتوافر لأي بلد آخر‮.. ‬مركز البلد الذي استطاع أن يصنع حضارة تغذت عليها سائر الحضارات الأخري،‮ ‬ثم شاءت له الظروف بعد ذلك أن يكون بمثابة‮ "‬المكتبة المركزية‮"‬،‮ ‬التي وضعت فيها كل حضارة تالية،‮ ‬نسخة من ثقافتها،‮ ‬وبمعني آخر فالارتكان علي الشخصية المصرية،‮ ‬يوفر فرص التعرف بالضرورة علي أصول الحضارات والثقافات الأخري،‮ ‬لأنها في معظمها،‮ ‬جاءت إلي أرض مصر وتركت آثارا واضحة عليها‮.‬

وليست‮ "‬العقيدة الدينية‮" ‬أمرا يمكن أن يخضع لهوي هذا أو ذاك،‮ ‬من حيث

الاهتمام والارتكاز والتوجيه،‮ ‬ذلك لأن الحديث يمكن أن يطول،‮ ‬لو أننا حاولنا أن نبرهن علي رسوخ النزعة الدينية في الشخصية المصرية،‮ ‬فيكفي نظرة كلية شاملة لعينة من آثار الحضارة المصرية القديمة،‮ ‬التي استمرت آلافا من السنين،‮ ‬لتؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك أن البعد الديني ضارب بجذوره في أعماق شخصيتنا،‮ ‬قبل أن يعرف الإنسان الأديان السماوية الثلاثة،‮ ‬وهذا من شأنه أن ينبهنا إلي أن نقف موقفا حذرا من بعض الدعوات التي تروج لها قوي كبري،‮ ‬مريدة بها إضعاف الشأن الديني في بلادنا بهذا الربط التعسفي بين الدين والإرهاب،‮ ‬فالعديد من القرون التي مرت بنا بينت وأكدت كيف أن هذه النزعة الدينية كانت طاقة نهوض وعمل وإنتاج حضاري،‮ ‬علي عكس ما كان الأمر في أوروبا،‮ ‬بفعل مطامع سياسية ومصالح شخصية،‮ ‬ألبسوها لباس الدين‮.‬

إنها أوهام وأكاذيب،‮ ‬تروجها قوي كبري لنزع طاقة روحية لا مثيل لها لدي شعوبنا،‮ ‬وإذا كان بعض الأبناء في بلداننا قد جنحوا بالفعل إلي العنف،‮ ‬فلأسباب أخري،‮ ‬ليس من بينها ما تضمه الكتب المساوية من قيم ومبادئ وأخلاقيات تؤكد التراحم والتسامح والتعارف،‮ ‬والسياحة في ربوع الأرض،‮ ‬بل والكون،‮ ‬نبتغي استثمار ما سخره المولي عز وجل للإنسان علي وجه العموم،‮ ‬كي ينهض ويتقدم،‮ ‬فالله يؤكد دائما أنه‮ "‬غني عن العالمين‮"‬،‮ ‬ومن ثم فكل ما في الكون،‮ ‬وكل ما نفعل،‮ ‬ونقول،‮ ‬ونحلم،‮ ‬لابد أن يكون في صالح الإنسان،‮ ‬خليفة الله علي الأرض‮.‬

إن قوي الاستغلال العالمية الكبري تعلم علم اليقين أن النزعة الدينية في بلادنا عندما تسيدت حياتنا،‮ ‬وفق الأصول الصحيحة،‮ ‬فاضت بالخير علي البشر،‮ ‬وأضاءت أركان الدنيا بالعلوم والمعارف،‮ ‬وفاضت علي الجميع بخيرات التنمية والنهضة،‮ ‬ومن هنا فهي إذ تريد لنا الوقوف الدائم موقف الضعف والاستكانة،‮ ‬حتي تستمر في الاستغلال‮ ‬،وتأمن المنافسة والمغالبة،‮ ‬تبذل ما تبذل الآن حتي تحيل تصوراتنا عن العقيدة الدينية وكأنها منبع شر،‮ ‬وبداية عنف،‮ ‬ومشتل تعصب،‮ ‬ولو قام نفر من الباحثين المخلصين بالتحقيق في هذه الدعاوي،‮ ‬لوجدوا أن ما نالنا من عنف واستغلال وإرهاب علي يد هذه القوي الكبري الاستغلالية،‮ ‬هو أضعاف أضعاف ما يسعون لبث تصور أننا المصدر،‮ ‬من خلال عقيدتنا‮.‬

ومن هنا فإننا لا ينبغي أن ننساق هكذا وراء عمليات التخويف من النزعة الدينية،‮ ‬فنحاصرها في المجالات التعليمية،‮ ‬وإنما لابد من العمل عكس ذلك،‮ ‬وفقا لأصول النظر الموضوعي القائم علي النهج العلمي،‮ ‬ورحابة الأفق،‮ ‬والتأكيد علي أن أحدا لا يملك الحقيقة وحده سوي المولي عز وجل،‮ ‬مما لابد أن ينعكس علي تغليب نهج الحوار والتفاعل وتبادل المنافع والأفكار‮. ‬

كذلك،‮ ‬فعلي الرغم من أن المشهد القائم في عموم الوطن العربي،‮ ‬يشير إلي تفكك،‮ ‬وانكفاء علي الذات،‮ ‬وفشل بعض المشروعات التي أريدَ‮ ‬بها تنسيق وتعاون،‮ ‬إلا أننا لا ينبغي أن نقع في وهم أن هذا هو‮ "‬الأصل‮"‬،‮ ‬بل هو أمر عارض،‮ ‬نتج عن سوء تقدير،‮ ‬وتغليب المصالح الخاصة بهذا الحاكم العربي أو ذاك وكذلك،‮ ‬بعض الخبرات السياسية السلبية،‮ ‬التي لا ينبغي أن تنقض المبدأ،‮ ‬بقدر ما تظهر سوء التقدير،‮ ‬وضعف رشد التصرف من قيادات سياسية كانت قائمة‮.‬

وفضلا عن ذلك،‮ ‬فمن المهم التنبه إلي أننا نعيش في عالم التكتلات الكبري،‮ ‬إذ كيف تسعي الدول الأوروبية التي تتباين لغة،‮ ‬ومصالح،‮ ‬وقامت بينها حروب ضارية فترات طويلة،‮ ‬إلي التعاون والتكتل والاتحاد،‮ ‬بينما نحن نسعي إلي العكس من ذلك،‮ ‬في الوقت الذي تربطنا فيه لغة واحدة،‮ ‬وتعيش في قلوبنا ديانتان تتعايشان معا بيسر وتفاهم؟‮!‬

ونحن إذ نؤكد علي هذه الأركان الثلاثة التي تقوم عليها هويتنا‮: ‬المصرية،‮ ‬والدينية،‮ ‬والعروبة،‮ ‬نقر في الوقت نفسه بأنها ليست،‮ ‬في جميع الأحوال،‮ ‬بنسب متساوية،‮ ‬وأقدار متماثلة،‮ ‬فالأمر لابد أن يخضع،‮ ‬في كل موقف،‮ ‬وإزاء كل قضية،‮ ‬لموازنات وحسن تقدير،‮ ‬وبعد نظر‮.‬