رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

النكبة الإعلامية..!

بقلم: د.سعيد إسماعيل على

عانينا سنوات طويلة من الإعلام ذى الصوت الواحد، المصحوب بمظاهر النفاق والتزلف، وتأليه الحاكم، وغير المتنوع، حيث كان يقتصر على الصحف والإذاعة، وكلاهما مملوكان للحاكم، ثم استبشرنا بما حدث من تنويع فى الوسائل الإعلامية، فضلا عن ارتفاع غير مسبوق فى حرية التعبير، وكذلك ظهور الملكية الخاصة، ممنين النفس بأن نقرأ هنا غير هذا الذى يُكتب هناك، ونرى هنا غير ما نشاهده هناك، فيجد عقل المواطن نفسه أمام مائدة ضخمة، تتنوع المأكولات عليها، فيتغذى وينمو ويتطور وتتفتح العقول، وتتسع الآفاق.

لكننا فى النتيجة النهائية أصبحنا نعانى من تناقضات، وتشويهات، وافتراءات، وصور تحريض، وتأجيج نيران الفتنة، وإشاعة التناقض، وصنع نجوم ما أنزل الله بهم من سلطان، وتوجيه الأذواق والاهتمامات والأفكار والعقول فى اتجاهات لا تعكس بأى حال من الأحوال ما يتسق ومصلحة الوطن والمواطن.
تظهر مذيعة - مثلا - لتعلن أن أنباء لم تتأكد بعد، قد ترددت حول اتصالات سرية لشخصية إسرائيلية ببعض قيادات الإخوان المسلمين، وسوف نحاول التأكد منها، لكن على أية حال لا بأس من أن نستطلع رأى عدد من علماء السياسة وخبراء العلاقات الدولية، وقيادات «سابقة» فى الجماعة (ولاحظ الحرص على استطلاع رأى «سابقة» هذه).
ويروح هذا يحلل، وذاك يكشف، وهذه تحذر، وتلك تنذر، بل ويتطوع آخر ليكشف أن هذا دأب الجماعة منذ سنوات بعيدة، وأنه قرأ أنه فى الوقت الذى كان الإخوان يتغنون فيه بمشاركتهم فى حرب فلسطين سنة 1948، سمع عن اتصالات بينهم وبين اليهود! وينسى كثيرون ما قالته المذيعة من أنها أنباء لم تتأكد بعد، فتتوجه أفكارهم، وتتشكل عقولهم، وتتلون وجداناتهم وفق أكذوبة «مؤكدة»،

لكنها الفتنة..ولكنها النكبة!
طبعا قد يرى القارئ أننى أبالغ، وأن هذا الذى أقول هو مماثل لما أدعيه من قول هذا وتلك، لكننى أسوق مثالاً توضيحيًا لوقائع حدثت بالفعل، وآخرها هجوم ضار من البعض فى القنوات، واستنكار لما قيل من أن ابن د. مرسى قد أهدى راشد الغنوشى هدية ثمينة، واكتشفنا أن الواقعة مختلقة.. وقل مثل هذا الكثير!
نضيف إلى ما سبق، هو أن قنواتنا الفضائية، يكاد المثل الشهير يصدق عليها وهو القائل «يريد جنازة ليشبع فيها لطما»، فما أن يقول مسئول مهم تصريحا مثيرا، أو يصدر حكم ما يتسم بآثار سياسية من محكمة، حتى تنهمر الندوات، والاجتماعات والتعليقات، والمحادثات، والمكالمات، طوال ساعات الليل، وربما لعدة أيام، وكأن هموم مصر كلها قد انحصرت فى هذا أو ذاك.
وقد يتوقع البعض نتيجة حديثى هذا أن ندعو إلى تقييد ومراقبة، وهذا مثله مثل من يستجير بالرمضاء بالنار، ولكننا ندعو إلى تقديم نماذج مغايرة، تتسم بالنظافة والصدق والشرف والبناء، ومن هنا نرجو أن يتقدم إعلاميون فدائيون، ليضربوا لنا المثل، فيما يجعل إعلامنا أداة بناء لا هدم، بوق ترويج الأفكار الصادقة، لا الأكاذيب، ساحة معارك نهوض لا معارك تراجع.
هذه الألوف المؤلفة التى بدأت تتقاطر على ما عُرف بديوان المظالم، لِم لا يساهم الإعلام فى هذه القضية، ويفتح شاشاته لنماذج من هؤلاء المصريين «الغلابة»، والذين هم أهم وأولى بالاستماع إليهم –
أحيانا - من «الفقهاء الدستوريين»، و«المحللين السياسيين»، والخبراء «الاسترايتجيين»، وسوف يجد الإعلاميون قصصا وحكايات، بعضها يمكن أن يفوق هذه «الترهات» القائمة الآن على شاشات الفضائيات.
نتمنى من بعض الإعلاميين الشرفاء، أن يساهموا فى فتح آفاق المستقبل للعمل الوطنى لبناء مصر، فيكون هناك اهتمام بإتاحة الفرصة لبعض من تكون لديه فكرة اختراع ما، وعددهم غير قليل، لا يجدون من يسمع لهم، أو من يتبنى ما توصلوا إليه.
والأمر نفسه، بالنسبة لمجالات الإبداع الفنى والأدبى، وقد كانت الإذاعة «زمان» تخصص برامج بالفعل للكشف عن أصحاب المواهب الغنائية والموسيقية، ومنها أُتيحت الفرص لبعض المطربين الذين صاروا بعد ذلك أعلاما شهيرة.
ونحلم بإعلاميين شرفاء، تمتلئ قلوبهم بالرغبة العارمة فى الدفع بالوطن إلى آفاق النهوض والتقدم، فيتناولون مجالات العمل الوطنى المختلفة المليئة بالملفات، وعلى سبيل المثال، فى قطاع التعليم، يفتح مرة ملف المعلم المصرى، وأحواله وإعداده، ومشكلاته، وذنوبه، وآراء التلاميذ فيه، والمديرين وأولياء الأمور..
وهناك ملف «الامتحانات» التى تؤرق مئات الألوف من العائلات المصرية وأبنائها، وينفق فى سبيلها عشرات الملايين سنويا، ويشارك فى هذا مدرسون، وخبراء وتلاميذ، ومسئولون...
أما الدروس الخصوصية، فما أدراك ما هى؟ التى ننفق فى سبيلها – بغير مبالغة- مليارات سنوية، ألا تستحق هذه القضية «الزن» عليها من زوايا تربوية اقتصادية واجتماعية ونفسية؟
وقل مثل هذا فى قطاع الصحة: الأطباء.. المستشفيات.. التأمين الصحى..الأمراض الشائعة..
وماذا نقول عن مصدر غذاء مئات الملايين من المواطنين: الزراعة: كم من مجال، وكم من مشكلات، وكم حبوب وخضراوات وفواكه وأشجار وبساتين وحدائق، واستصلاح أراض، ولحوم حيوانات.
سيقول البعض إن مثل هذه الموضوعات والقضايا «جافة»، و«ثقيلة الدم»، ينصرف عنها المشاهدون، وبالتالى سوف تقل الإعلانات، وهى حجة تذكرنى بمقولة «الجمهور عايز كده» لتبرير الأفلام التافهة، والأغانى الهابطة، لكننا فى الوقت نفسه، نسأل: وأين جهود الخبراء والمتخصصين الذين يمكن لهم ابتكار التقنيات وأساليب العرض، وطرق  الجذب، مما يؤكد أن بالإمكان «صياغة » الأذواق، وإعادة تشكيلها.
بهذا يمكن أن نقود أعظم عملية نهوض بهذا الوطن المسكين، ويتحول الإعلام من جهاز تدمير وتفتيت وفتنة إلى جهاز بناء ونهوض.