الجودة الورقية للتعليم

بقلم: د.سعيد إسماعيل على

فى عالم يتسارع فيه إيقاع التغير، بدرجة جعلت الجميع يلهث فى محاولة اللحاق به...
وفى عالم يشهد انقلابات متتالية فى المعرفة وما تنتهى إليه من تكنولوجيات...
وفى عالم يشتد فيه الصراع وتستعر فيه حمى التنافس على الكسب والفوز...
تصبح النتيجة معلقة على قدر ما يتوافر فى هذا وذاك من جودة النوع، ووفرة العدد، وفعالية الوظيفة..

وإذا كان عالم «الماديات» كان أبرز وأسبق ما شهد هذا وذاك، فقد تنبه القوم فى عالم «الإنسانيات» إلى أن الإنسان، إذ هو أغلى مصادر التنمية، وهو فى الوقت نفسه وسيلتها، فضلا عن أنه كذلك مقصودها...
يصبح عالم الإنسان هو الأولى، وهو الأجدر بمراعاة توافر الكفاءة والجودة، كما تتبدى فى مهاراته وأساليبه فى التفكير والعمل، وما يحمله من قيم، وما يموج بداخله من ميول واتجاهات..
وإذا سلمنا بهذه النتيجة، يصبح السبيل الصحيح إليها هو «صناعة التعليم»، مما حتم أن تتوافر فيها وبها شروط الكفاءة ومواصفات الجودة، وفقا لمنطق، فاقد الشئ لا يعطيه!
وحسنا بدأنا فى مصر منذ ما يقرب من عقدين من الزمان السير على هذا الطريق.
لكن مشكلتنا القومية الكبرى أننا « نمثل» على بعضنا البعض: فكما عشنا عقودا «نمثل» مسرحية «الانتخابات»، دون أن نعيشها حقيقة، وكما عشنا مسرحية الحكم الجمهورى دون أن نمارسه.. وهكذا، إذا بنا اليوم وكأننا «نمثل» مسرحية جودة التعليم، دون أن نعيشها فعلا، ونمارسها عملا.. كيف؟!
هو صديق عزيز يعمل أستاذا بإحدى الكليات التطبيقية، جاءنى حزينا مهموما، يموج سخرية، متهما إيانا

أساتذة التربية بتدبيج الشعارات، وإدخال الناس فى وهم أنهم قد بدأوا يغرقوننا فى أحلام لا صلة بينها وبين واقعنا.
سألته عما أثاره فجاء بهذه الحملة من النقد والهجوم، فأجاب بأن إحدى الكليات قد انتدبته مراجعا لبرنامج الجودة فيها، فلما أخذ بعض برامج الكلية، وأمسك باستمارات التقييم، يمر على بنودها المختلفة، وجد أنه سوف يستغرق وقتا طويلا من البحث والتفكير، والقوم يلحون ويستعجلون، وظهر له من الخطوات الأولى أن لابد أن ينتهى إلى أن الكلية المعنية، بعيدة كل البعد عن معايير الجودة. ولما أخبر زميله الكريم الذى دعاه إلى المشاركة، أجابه بأن المسألة لا تستغرق أسبوعا أو أسبوعين كما تصور، وإنما ساعة أو ساعتين، وأنه سوف يرسل إليه أحد معاونيه ليساعده فى المسألة.
وأمسك صاحبنا بنموذج لاستمارة تقويم، من يقرأها لابد أن يتصور أنها بالفعل مواصفات جنة عدن، لا مؤسسات التعليم عندنا. والقارئ لبعض المعايير، التى لا يشك على الإطلاق فى عظمتها، لكن المشكلة أنها مجموعة « مثاليات « مفارقة لدنيا الواقع، وأن تحقيقها يحتاج إلى سنوات، وأضعاف أضعاف الميزانيات القائمة، وقبل هذا وبعد: كوادر بشرية ذات مواصفات خاصة، وكثيرا ما نبهنا وكتبنا، أن الطريق الخاطئ لابد أن ينتهى إلى نتائج خاطئة، وأن ما
يحدث، هو « تزييف « الأمر، وتزيين الواقع وزخرفته بالوهم والخيال.
وأرانى الزميل العزيز مثالا على ما يقول ما يتصل بمدة تحقيق برنامج التعليم (أ) لمخرجات التعليم، المتمثلة فى الخريجين، فى كل من: المجال المعرفى - المهارات التطبيقية والمهنية - المهارات الذهنية.. وهكذا، حيث وجد صاحبنا أن البرنامج لا يشير إلى مواصفات الخريج، وإنما إلى أهداف عامة،  وكذلك بند خاص بمدى مواكبة مخرجات التعليم المستهدفة للبرنامج لاحتياجات سوق العمل، وتساءل صاحبنا إلى عدم وجود بيان باحتياجات سوق العمل لهذا التخصص أو ذاك لإمكان الإجابة عن هذا!!
وانتهى الأمر بأن هذا الذى جاء يساعد، تركز جهده، فى « تسديد «الخانات» ورؤقيا، فى الغالب من وجهة إيجابية، وأن الاستمارة ذات الإحدى عشرة صفحة، وكل صفحة بها عشرات البنود، قد تم تسويدها وتسويد عشرة مثلها فى ساعة واحدة فقط، وهو الذى قضى من قبل عدة ساعات يحاول أن يجيب عن بنود استمارة واحدة..
إن العلة هنا أننا لم نستنبت المعايير من استقراء لواقع المؤسسات التعليمية، مما جعل أولى الأمر يترجمون، ويحلمون، ويتخيلون، فى ظل نفس الحاكم المستبد الذى نراه فى مجالات شتى، حيث يرتفع الشعار: كله تمام ..وتمام يا فندم، بغض النظر عن توافر هذا التمام بالفعل أم لا؟
ولن يكتب لنا أن نحقق نهضة، ما لم نقلع عن « التمثيل» الذى يوهمنا أننا نعيش «الدور»، ونقنع بصعود ولو درجة واحدة، أولا ومؤقتا، فإذا صعدناها، تطلعنا إلى ما بعدها.. وهكذا. ولا مانع من أن يكون لدينا تصور للسلم كله الموصل إلى «سدرة المنتهى» التعليمية، لكن، نثق بأن صعود درجة واحدة منه، ثم ما بعدها، حقيقة وفعلا، أفضل ألف مرة من « تمثيل « صعودنا السلم كله، فى وقت قياسى، ونحن لا نملك مقومات هذا الصعود، وإلا  برز التساؤل المحزن: من يضحك على من؟