رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

كبُر مقتا عند الله

بقلم - د. سعيد إسماعيل على

مما هو مشهور عن الشخصية العربية، وما تنتجه من ثقافة، أنها تنزع نحو «اللفظية»، بقدر أكبر كثيراً عن «العملية»، وعبّر شاعر عن ذلك بقوله: يعطيك من طرف اللسان حلاوة، ويروغ منك كما يروغ الثعلب!

نقول هذا ونحن نعلم علم اليقين، كيف أكد دين مثل الدين الإسلامى على تلك العروة الوثقى بين ما نقول وما نعمل، مما يحتاج عدة مقالات لبيانه وتأكيده، ويكفى هنا الإشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى توصيفه لحقيقة الإيمان بأنه ما وقر فى القلب وصدقه العمل، وما هو أكثر دلالة واختصاراً: الدين المعاملة.
دار كل هذا وما ارتبط به، طوال الوقت وأنا ألبى دعوة الصديق السعودى الفاضل «الدكتور صبحى الحارثى»، الذى بلغ من كرمه أن دعانى دعوة خاصة - للمرة الثانية - أنا وزوجتى إلى رحلة عمرة، خاصة وقد اخترت وقتا تصورت فيه أنه لا يمثل «موسماً»، وهو ما أحرص عليه دائما، حيث أشعر أن الازدحام الشديد، كثيرا ما يُذهب بجلال الموقف، ومشاعر التقوى، وأجواء الروحانية التى تحيط بالمعتمر، كما هو مفروض.
لكن، يبدو، أن العام كله أصبح «موسماً»، حيث رأيت ازدحاماً، ما شهدت مثله من قبل، فى مثل هذه الأوقات التى تبعد عن الحج وعمرة رمضان، ومولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل من رجب وشعبان.
فمن المفترض على كل معتمر أن دفعته مشاعر التقوى والإيمان إلى تكبد مشقة السفر والإنفاق

للتمتع بأداء هذه السُّنة المهمة، ومع ذلك، فقدر غير قليل من «السلوكيات» تٌُنبئ بأن «الإسلام العبادى»، ما زال هو الغالب، أكثر مما هو الأمر بالنسبة « للإسلام السلوكى»!
وأبرز ما نجده فى هذا الشأن، هو ما هو معتاد مع الأسف الشديد من «تدافع» بالمناكب، وسط طوفان من البشر، يعدون بالآلاف، حيث يعكس هذا اتجاها يكاد يقول «يالله نفسى»، حتى أن البعض – مثلى – يجد نفسه، فى وسط هذا الطوفان من التدافع، أن يفعل الشىء نفسه وإلا ديس تحت الأقدام، وخاصة وقد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيباً!
وتبرز هذه الناحية بصفة خاصة أثناء الطواف، حيث هناك بعض المعتمرين، من بلدان آسيوية - مثلاً، يحرصون على التشابك بالأيدى، حتى لا يفتقد بعضهم بعضا، مما يكون مؤثرا سلبا على الآخرين، والشئ نفسه، بالنسبة لأب معه زوجته وأولاده، ولا أدرى ماذا يكون الحل بالنسبة لهذا وذاك؟!
وتبرز سوءة التدافع بالنسبة إلى ما تتعرض له الإناث دائماً من تدافع واحتكاكات، غير مقصودة بالطبع، لكنها فى إطار الإسلام الذى يحرص على عدم التلامس بين الرجال والنساء على وجه العموم، فما بالك فى موقف تعبدى من الدرجة الأولى؟!
ومن المعتاد أن أجد البعض، قبل رفع
الأذان للصلاة وقد تمددوا مستغرقين فى النوم، فإذا ما أذّن المؤذن داعيا إلى الصلاة، قاموا للمشاركة، حيث يبرز تساؤل مهم: هل ضمنوا أن وضوءهم لم يُنقض؟ لا أحد يضمن ذلك بالتأكيد!!
وعلى الرغم من حالة الازدحام، لكن هناك مواضع لا نشهد فيها هذا، مثلما هو الأمر فى المسجد النبوى بالمدينة المنورة، وكذلك الطوابق العليا فى الحرم المكى، وهنا نجد الكثير من الصفوف الأمامية لا تكتمل، بينما هناك صفوف خلفية، والمفروض، أن ينضم من يقفون فى الخلف إلى الصفوف الأمامية، طالما كانت هناك مساحات خالية، كثيرة ومتعددة.
ومن المشهور أن نسمع عن بعض العائدين من الحج والعمرة، إصابتهم بنزلات البرد، وهى نتيجة طبيعية للاختلاط بين آلاف جاءوا من جميع أنحاء الأرض، لكن ما أود الإشارة إليه هنا، أننى رأيت أكثر من مرة، بجوارى، أو قريبا منى، من هو مصاب بنزلة برد مؤكدة، أفلا نفترض أن يدفع صدق التدين صاحبه، إما أن يلزم سكنه، أو يصلى خارج المسجد، حيث الساحات الواسعة، أو يحرص على الانواء فى مكان بعيد عن الناس، حتى لا يصيبهم بالعدوى؟!
وهناك من السلوكيات ما يشير إلى «أمية دينية» تتبدى لدى البعض، فهذا شاب ملتح، ومعه زوجته وابنه، أجده، قد وقف بهما وسط صفوف الرجال، لتأدية الصلاة، مع أن الطابق العلوى الذى شاهدت فيه هذا كان حافلا بالمساحات الخالية.
وقد لا تخلو صلاة، من صلاة على «ميت»، فإذا بالكثرة الغالبة، عند نهايتها يقولون: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إلى يمين وإلى يسار، بحكم العادة، غير واعين أنها فى هذه الحالة، تقتصر على ناحية اليمين فقط.
أما إذا توجهت بملاحظاتى إلى خارج الحرمين، حيث الحياة العامة، والأسواق، فيمكن أن يطول الحديث المؤلم، فقط نشير ساعتها إلى مقولة الشيخ محمد عبده: رأيت مسلمين بلا إسلام!