«كنا رجّالة...؟!»

بقلم- د. سعيد إسماعيل على

قلّ منا من لم يشاهد الفيلم الرائع «الأرض»، عن رواية بالاسم نفسه، أبدعها الأديب الراحل: عبدالرحمن الشرقاوى، وأخرجها العبقرى: يوسف شاهين، الذى قدّم لنا الفنان محمود المليجى فى دور لم نألفه من قبل عبر سنين طويلة، تم اعتقال الرجل فيها فى دور النصاب المحترف، اللص، الكذاب، جليس الكباريهات والخمارات

، صديق الراقصات والعاهرات، فإذا بنا نرى شخصية «فلاح» مصرى أصيل، يحمل هموم جماعته الوطنية الصغيرة فى القرية، مشاركاً ومديراً لمناقشات طويلة مستمرة حول مشكلات الفلاحين، وبخاصة ما يتصل بالرى، وظلم أصحاب الأملاك والسلطة والنفوذ والمنافقين، وحملة المباخر، وضاربى الدفوف، الذين يتزلفون ويداهنون، سعياً إلى القرب من ذوى المواقع الرسمية، أياً كان مستواها، حيث كانت «الحكومة» تمثل «بعبعاً» للكثرة الغالبة من البسطاء، مما أشاع مجموعة من الأمثال الشعبية التى تعكس هذا مثل: «إن فاتك الميرى، اتمرغ فى ترابه»، و«المية ما تجريش فى العالى»، و«يا بخت من كان النقيب خاله»، وغيرها من أمثال.
كانت المشكلات الشائعة فى الريف المصرى، عبر سنوات طويلة ماضية، تدور حول ما يكون أحياناً من شق طرق، لا يكون الهدف الحقيقى من بعضها توفير مصلحة عامة بقدر ما كان تسهيلاً لأغراض كبار الملاك، مما يترتب عليه ضياع مساحات أرض بسيطة، يحوزها الفقراء، دون قدرة لهم على الحصول على تعويض مناسب حقيقى، فضلا عن أن ما كان يضيع من أرض البسطاء، كان يشكل

المصدر الوحيد للمعيشة لهم.
كذلك فإن «رى الأرض» كان يستحوذ على مصارفه وسبله أصحاب النفوذ والملاك الكبار، مهما كان ذلك على حساب الفقراء.
مثل هذه المشكلات وما شابهها، كان الفلاح المصرى الأصيل الذى مثله المليجى، حريصاً على نشر الوعى بها، وضرورة التكاتف حولها، وعدم الوقوع فى خداع التصريحات المعسولة، والوعود الكاذبة، وتعرية محاولات فريق الانهزاميين، أيا كانوا، حيث من الغريب حقا أن معظمهم كانوا يمثلون شريحة المثقفين بالنسبة لأهل القرية، وهو الأمر الذى يشد انتباهنا إلى الدور الانتهازى الذى يقوم به لفيف من هؤلاء، لا كلهم، بينما الدور الحقيقى للمثقفين هو التنوير ونشر الوعى، وتبنى قضايا الجماهير والتقدم، وكأننا نشاهد اليوم نموذجا لمثل هذه المواقف التى عرضتها رواية الأرض، على الرغم من اختلاف الظروف والمواقف والشخصيات والأساليب، لكنها «سنن الاجتماع البشرى» كما يقول ابن خلدون.
فها نحن – حالياً - نكاد نختنق من كثرة المناقشات البيزنطية التى تحاصرنا ليل نهار عبر أسابيع وشهور على شاشات التلفاز، يحتار إزاءها عموم الناس، ولا يخرجون بنتيجة عملية تبدد الشكوك، بقدر ما تنثرها، فهذا يقول عن الشىء أنه أبيض، وغيره يقول أنه أسود، وثالثهما يؤكد أنه أحمر، ورابعهم يؤكد أن لديه
وثائق تثبت أنه أصفر، إلى غير هذا وذاك من اتهامات وادعاءات، لتلتفت إلى أرض الواقع، راغباً فى أن ترى حركة إلى أمام، وتغييراً فى وقائع مؤلمة فلا تجد إلا الشقشقة اللفظية، وسيول الاتهامات والتخوينات، وترخص فى إضفاء صفات: المفكر الكبير، والمحلل المدقق، حتى لأكاد أتوقع من يصف ضيفاً من الزبائن المستديمين بأنه: هازم جينكيزخان!!
وعندما يسترجع كل منا أيام الثورة الأولى، لا يكاد يصدق أن الذين قاموا بما حدث فى هذه الأيام الرائعة، هم من نفس السلالة التى ينتمى إليها المتعاركون، مناضلو الميكروفونات، ومجاهدو الفضائيات.
ساعتها - بل وكثيراً - ما تقفز إلى ذهنى صورة «المليجى»، وهو يروى عن مواقف رجولية، واتجاهات تنطق بالشهامة والبطولة والوطنية، فعند كل موقف كان يذكره أمام الفلاحين كى يستنهض قوى المقاومة لديهم، يبرر ما كانوا ينجحون فيه من قبل بقوله: «كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة»، وغنى عن البيان أنه الرجولة المشار إليها هنا لا تشير إلى «شنبات» و«ذكورة»، بقدر ما تشير إلى مواقف شجاعة، ووعى بالتفرقة بين الأبيض والأسود من الأمور، وقدرة على تحمل المسئولية، حتى أننا كثيراً ما نطلق وصف «راجل» على بعض السيدات عندما نراهن على قدر عال من الحكمة والوعى، ومهارة إدارة الأمور، والتصدى للمشكلات العويصة بكل مسئولية وشجاعة.
وهكذا تستطيع أن تقف اليوم مثل المليجى، لتعدد هذه المواقف الباسلة التى شهدناها وشاركنا فيها فى الفترة من 25 يناير حتى الحادى عشر من فبراير عام 2011، إلى الدرجة التى جعلت رئيس أكبر دولة فى العالم «أوباما» يقف ليقول إنه يرى من الواجب عليهم - فى أمريكا - أن يعلموا أبناءهم، هذا الذى فعله المصريون فى هذه الفترة المجيدة، لتؤكد أننا فعلنا ما فعلناه إلا لأننا «كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة»!