رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إلي كل صاحب ضمير

بقلم - د. سعيد إسماعيل علي

هو أمر رباني وجهه المولي عز وجل إلي نبي الله موسي عليه السلام، حيث كان حاكم مصر في وقته قد نهج نهجا يقوم علي الاستبداد والقهر والطغيان، وأن يوجه سبحانه وتعالي هذا الأمر إلي نبيه الكريم، فهذا يؤكد أن رسالة النبي لا تقف عند حد دعوة الناس إلي الإيمان بالله عز وجل، التي تعد فيصل الإيمان بين الكفر والزندقة، وإنما تمتد إلي ما يستتبعه هذا الإيمان بالله، من دعوة إلي نشر العدل، ورفع الظلم عن العباد، لماذا؟

ذلك أنه في الوقت الذي يؤمن فيه المؤمن بالقاعدة الأساسية في الإيمان، ومربط الفرس فيه بأنه لا إله إلا الله، ومن ثم فلا عبودية إلا له وحده عز وجل، لابد من الالتزام بالنتيجة الأساسية، ألا وهي ألا سطوة لمخلوق علي مخلوق إلا بالحق. صحيح أن هناك تراتبية في الكثير من مواقع الحياة، بحيث يخضع كل مستوي إلي ما هو أعلي منه، مثلما نري الأبناء يخضعون لسلطة آبائهم، والجند يخضعون لسلطة قادتهم.. وهكذا، وفي كل المستويات القيادية، من أولها إلي أعلاها، إلا أنه من المحتم الالتزام بالقاعدة الأساسية التي تلخصها كلمة واحدة، بسيطة المعني، قليلة الكلمات، لكنها »مجمع« لما يملأ صفحات طويلة من المعاني، ألا وهي »العدل«.

وما دام السيد الأول هو الخالق، الذي لا إله إلا هو، فليس لأحد من المخلوقين، مهما كان موقعه، ومهما كانت مرتبته، أن يقهر ويستبد ويطغي، وإلا فإنه يحيد عن أصول الإيمان، ويصبح من الفرائض الأساسية للمخلوقين من بني البشر أن يقاوموه، وذلك بأن يقفوا له بالدعوة والتنبيه والنصح والارشاد أولا، فإن لم يرجع عن قهره وطغيانه، يتم تحكيم قوله صلي الله عليه وسلم بأن »أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر«.

وإذا كان نص الآية القرآنية الكريمة يشير إلي أن الخطاب موجه إلي فرد بعينه، هو نبي الله موسي عليه السلام، والأمر خاص بحاكم معين هو حاكم مصر زمن موسي، إلا أن من القواعد التي اتفق عليها أهل الاختصاص أن الألفاظ والمواقف قد »تخص«، لكن الدلالة، والمعني لابد أن »تعم«، ومن ثم لا يصبح الأمر في الآية الكريمة أمرا خاصا بنبي الله موسي وحده، وإنما هو أمر موجه إلي كل من يؤمن بهذا الكتاب، بل هو أمر موجه إلي كل إنسان، مسلما كان أم غير مسلم.

ولأن هذا الأمر يكشف عن أنبل المعاني وأعدل التوجيهات، تجد ملايين من البشر، في الدول المتقدمة تلتزم به، دون أن يكونوا مسلمين، وربما دون أن يكونوا قد سمعوا أو قرأوا هذه الآية القرآنية الكريمة، ذلك لأن الحق أحق أن يتبع، وقد تتعدد المسالك، لكنها، إن أخلصت السعي، وحكمت العقل والبصيرة، توصلت إلي الحق الذي ينبغي أن يكون، ومنذ عدة عقود، قال أحد قادة المجتمعات التي كانت تنهج نهجا ماركسيا مقولة علي درجة عالية من الذكاء، حيث أكد أنه لا يهتم بلون القط، سواء أكان أحمر أم أبيض، بقدر ما يهمه قدرته علي اصطياد الفأر!!

ولا تعجب أيها القارئ، عندما تدقق النظر في قائمة الدول المتقدمة،

وتقارنها بقائمة الدول المختلفة، إذ سوف تلحظ اقترانا مؤكدا بين التقدم، وبين العدل، الذي يتمثل في النظم السياسية في »الديمقراطية«.. سمها ما شئت، فالمهم: أن يكون للمواطن الحق في المشاركة في صنع القرار.. والمهم أن يكون للمواطن حق اختيار حكامه.. والمهم هو أن يكون للمواطن حق مساءلة حكامه ومحاسبتهم، وعزلهم.. والمهم أن تكون للمواطن كرامته، لبيس من حق أحد أن يمسها بسوء، علي أساس أن المخطئ، هناك القانون، وهناك القضاء للفصل في ذلك.

والمهم أن ينال كل مواطن حقه الإنساني في العمل، والسكن، والتعليم، والمأوي، والمحاكمة العادلة أمام قاضيه الطبيعي، والمأكل، وغير هذا وذاك من حقوق الإنسان المتعارف عليها، علي قاعدة التساوي بين الجميع، والتي تلخصها المقولة الإسلامية الشهيرة »لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي«.

ومن هنا تجد في الحكام في هذه البلدان المتقدمة يحظون بأقل قدر ممكن من الحراسة، ولا توقف لهم الطرق والمواصلات، ويتم تعطيل المرور، ولا تخصص لهم مئات الملايين من الأموال، ذلك لأنهم جاءوا عن اختيار حقيقي من الناس بصورة لا تحيطها شكوك تزوير أو بلطجة، وإذا أراد الناس لهم أن يذهبوا عن الحكم، فإن هذا يتم بسلاسة ويسر، دون تحايل، ولعب بالقوانين، وتغيير في الدساتير، فلماذا يفكر أحد في الاعتداء عليهم والسعي إلي زحزحتهم بمختلف الوسائل؟

فإذا ما وليت وجهك شطر الدول المتخلفة، فسوف تجد العكس تماما، من حيث احتكار السلطة، وتفصيل النصوص الدستورية التي تشرع لما يفعلون، فتمر السنون وراء السنين، والحاكم ممسك بتلابيب السلطة، التي يرادف بينها وبين الحياة، فتكون الحراسات الشديدة، ويكون البطش بكل من تسول له نفسه أن يحدث تغييرا.

ولن أذهب بك بعيدا في أعماق التاريخ الإسلامي، حتي لا نسمع المقولات المعتادة، من حيث الاتهام بالسعي إلي العودة إلي الوراء، ولنتجه إلي يومنا المعاصر، وفي دولة غير إسلامية، هي البرازيل.

فعندما قاربت ولاية رئيسها »إناسيو لولا دا سيلفيا« علي الانتهاء، تكاثرت المطالبات له بأن يتم تعديل الدستور بحيث يسمح له بأن يرشح نفسه لمرة ثالثة، فإذا بالرجل يرفض، ويصر علي الرفض، مؤكدا أن ولايته لمرتين تكفي، علي الرغم من أن عمره لا يزيد عن 65 عاما، وأن حياته السابقة كانت مغموسة في الفقر المدقع، مما يغري بالرغبة في استمرار عز السلطة وأبهتها، وعلي الرغم من أن الرجل استطاع في مدة وجيزة أن يقفز باقتصاد البرازيل ليصبح ثامن أقوي اقتصاد في العالم، وعندما جاء وقت تسليم السلطة لخليفته، وقف الرجل مودعاً الشعب الذي أحبه، هو يزرف الدموع، لا لفقده عزا وسلطة، فهو كان يستطيع الاستمرار فيهما، وإنما من فرط ما لمسه من حب الجماهير الصادق له.

ومع ذلك فنحن لا ننسي أن مثل تلك الدموع سبق أن زُرفت من عيون كثيرين آخرين، لكن لعلة أخري، ألا وهي لأنهم حُرموا من مثل هذه السلطة، عندما يجبرون علي تركها، قهرا لا طواعية!

ومن هنا، فإذا عدت إلي حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم من حيث الدعوة إلي مقاومة الطغيان، تلاحظ أنه يجعله في فئة »الجهاد في سبيل الله«! ولا عجب في ذلك، فالله هو العادل، الرحيم، الرحمن، وبالتالي فإن كل سعي إلي اقرار مبدأ العدل والرحمة في المجتمع، يسير في طريق مرضاة الله.

لكنك تلاحظ في الوقت نفسه أن صورة المجاهدة تتمثل في »كلمة حق« أو كما نعبر في زمننا الراهن بمقولة »الوسائل السلمية« التي ربما يستهين البعض بها ويتصور أنها قد لا تجدي مع صنف من الطغاة أدمنوا السلطة وتعودوا الطغيان وهم أنفسهم لا يتعاملون مع معارضيهم إلا بالحديد والنار، لكن الحقيقة تقول غير ذلك، إذا تأملنا جيدا المساحة الواسعة لما يمكن أن يندرج تحت عنوان »كلمة حق«، فالكلمة قد لا تعني مجرد جملة مقولة باللسان تطلق شفاها، أو مكتوبة بالقلم تحرر علي صفحات الورق، وإنما كل ما يمكن أن يعبر عما يريد الإنسان، بحيث لا ينتج تخريبا أو تدميرا أو سفك دماء ويكفي أن نشير هنا إلي مفهوم »العصيان المدني« فهو تعبير عن معني الرفض والرغبة في التغيير وهو لا يدمر ويخرب ويسفك دماء.

وفضلا عن ذلك فالمقاومة يمكن أن تتمثل أيضا في كشف العورات في النهج الحاكم، ورفض الامتثال لما يردد ويذيع كذبا وبهتاناً، وخلع أردية منافقة أصحاب السلطة وتزيين ما يفعلون وزخرفته بالخيال المريض، وكشف هذا الفريق من كتبة السلطة وحارقي البخور وضاربي الدفوف.

إن من أكبر مآسي التقدم العلمي والتقني مع الأسف الشديد، أنه ييسر للطاغية اليوم أبواقاً أكثر من أن تعد وتحصي، يمكن أن تحيط بالمواطنين من كل جانب، تردد الأكاذيب، وتكرر المقولات الزائفة، وتبث المفاهيم المغلوطة، ليل نهار، وفي كل المواقع، بحيث يقع فريستها ملايين البسطاء ممن لم تتح لهم فرص الوعي المستنير بالقراءة المدققة، والمعلومات الصحيحة، والقدرة النقدية، والجرأة القلبية، فيصدقون ما يقال، ويؤمنون بما لا يجب أن يؤمنوا به، فيطول عمر الاستبداد، ويطول زمن القهر.

وعندما تقرأ ـ مثلاً ـ عن وزير ثقافة احدي الدول قوله انه نجح في أن يدخل جمعاً كبيراً من »عتاولة« المثقفين في بلده »حظيرة الدولة«، تشعر بالخطر الشديد، الذي قد يفوق خطر أن يدخل تاجر ما سلعاً فاسدة، أو لحوماً مسممة! ولو دققت النظر في صفحات كبريات الصحف، وإذاعات الدولة وقنواتها التليفزيونية ومنتدياتها، وحفلاتها ومهرجاناتها وجوائزها، فسوف تلحظ أن الحظيرة قد اتسعت لكل من يزين ويجمل، ويبرر للسلطة ما تفعل، إن المساحيق قد تتنوع، والألوان، ربما تتوزع، والمواقيت أحياناً تختلف والأنغام يمكن أن تتبدل.. لكنها، جميعاً تصب في نهاية واحدة، ألا وهي استمرار ما يؤدي الي الطغيان والتمكين له.

إن هذا الصنف من الكتاب والمثقفين هم أفدح الأخطار التي تحيط بعقول جماهير الناس، ذلك لأن الكثيرين منهم، هم بالفعل علي قدر عال من المعرفة والثقافة ومهارة الكتابة والقدرة علي استخدام أساليب الاقتناع، مما يمهد لهم الطريق أمام الناس في تصديق ما يكتبون، والايمان بما يرددون، ومن ثم فإن مقاومة الطغيان ينبغي ألا توجه للطاغية وحده، وإنما، كذلك، الي سكان الحظيرة، من حيث كشف زيفهم، والسعي الي بيان الكثير مما يحصلون عليه من مكافآت ومواقع وجوائز وسفريات، وصور تلميع، أسكرتهم، فأدمجتهم في آلة البغي والطغيان، فهم عندما يدافعون عنها، انما يدافعون عن مصالحهم ويسعون بطريقة لا شعورية الي »تنويم« ضمائرهم.

مرة أخري: الأمر ليس أمراً موجهاً الي موسي عليه السلام وحده، تجاه فرعونه الذي طغي، وانما هو موجه كذلك الي كل ذي ضمير مسئول، وعقل منير، وقلب عطوف.. في كل زمان وفي كل مكان.