رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أَيْنَمَا تَكُونُوا ....

د.سعيد اسماعيل علي

الثلاثاء, 29 نوفمبر 2011 13:01
بقلم: د. سعيد إسماعيل على

اعتذار مبدئى: عاتبنى بعض القراء والأصدقاء: كيف تكتب عن « ماض» ، والنيران قد بدأت تشتعل فى ثوب الوطن، فكان ردى، بأننى أقصد هذا، ممتثلا بقول شاعرنا :
نحن نجتاز موقفا تتعثر الآراء فيه ، وعثرة الرأى تردى.... فإلى بقية الرواية التى تضمنتها مذكرات كبير أطباء الكرملين، عن مرض عبد الناصر،

وترجمها لنا الدكتور الفاضل: إيمان يحيى:
عندما تأكد الفريق الطبى «السوفيتى» أن عبد الناصر مصاب بتصلب شرايين الساقين، وأن العلاج الجراحى لن يفيده، اقترحوا العلاج فى ينابيع «تسخالطبو» الواقعة فى جمهورية جورجيا، حيث كانت هذه المنطقة مشهوداً لها بإحراز نتائج جيدة لحالات شبيهة بحالة عبد الناصر، لكنه طلب أن يكون ذلك بعد عودته إلى مصر لفترة وعد بأنها لن تطول.
وعندما أخبر رئيس الفريق الطبى «شازوف» زعيمه «بريجينيف» بذلك كان تعليق الزعيم : «افعلوا كل ما بوسعكم كى يسترد عبد الناصر عافيته.. لا يوجد فى الشرق الأوسط زعامة أخرى يمكنها أن توحد العرب فى مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، ولو أن عبد الناصر اختفى من المسرح السياسى فإننا سنتلقى أكبر ضربة قاصمة تضر بمصالحنا ومصالح العرب.. افعل كل شىء لازم لعلاجه...».
ولم يكن حديث بريجينيف هذا بعيدا عن الحقيقة، فنحن نعرف أن «الواقعة» عندما وقعت، ومات عبد الناصر، بدأت تباشير تحول تاريخى ضخم لعلاقات مصر بالعالم الخارجى، من حيث الارتباط بالولايات المتحدة، عدوة الأمس، وتراجع كبير تدريجى لمكانة وقوة الاتحاد السوفيتى، ساهمت فيه، وسرّعت منه متغيرات أخرى متعددة، لكن مهما كان الأمر، فلقد كانت البوابة المصرية التى دخل منها السوفييت إلى الشرق الأوسط، هى إحدى نقاط قوتهم، فلما زالت، بدأت علامات المرض والهزال تسرى فى الجسم السوفيتى، حتى سقط السقوط المدوى الشهير بغير طلقة رصاص واحدة!
ولأن السلطة السوفيتية مركزية، حيث القيادة فى موسكو هى التى تهيمن على كل شىء، وما الإدارات والمجالس الأخرى إلا

جهات تنفيذ، حيث خيمت البيروقراطية كخيوط العنكبوت، نالت حالة عبد الناصر الصحية منها ما هو غير قليل، كما أخبرنا «شازوف» ، وعلى سبيل المثال، تدبير الميزانية اللازمة لتكاليف العلاج التى خضعت « لسلم بيروقراطى طويل»، ولم يتم الأمر إلا « بعد مماحكات وممانعات»!
وكانت المفاجآت الأكبر تنتظر فى «تسخالطبو» «لم يكن هناك أى مقر يليق بإقامة رئيس دولة أجنبية صديقة وكبرى»، حيث اتسمت كل الاستراحات القديمة بالقذارة والإهمال، أما دور النقاهة فقد كانت عنابرها وغرفها ضيقة المساحة، وتخلو من وسائل الراحة.
ولما جاء موظفو مكتب عبد الناصر قبله لتفقد مقر الإقامة المقترح، ووجدوا التواضع الشديد للمقر، سألوا عن مكان آخر، فكانت الإجابة ألا يوجد، ولما ذكّر الفريق المصرى القوم بمكانة الضيف باعتباره رئيس دولة أجنبية، كان رد كبير الأطباء السوفييت «شازوف»: هذا هو أفضل ما عندنا، وليس عندنا مكان آخر!!
وعندما جاء عبد الناصر بالفعل، قال لرجاله تعليقا على التواضع الشديد لمقر الإقامة: «لا تتحدثوا فى هذا الموضوع.. فالمكان هنا يروق لى، ولا تنسوا أننا ضيوف.. وأننى جئت لألتمس الشفاء»!!
ومما يثير السخرية، أن هذه الامبراطورية السوفيتية الضخمة، والتى كانت سمعة السرية والتكتم سمتان تفوح رائحتهما فى العالم أجمع، يروى كبير الأطباء ما ينقضها، فعلى الرغم من التشديد الشديد للمخابرات السوفيتية على التكتم على زيارة عبد الناصر، وجد «شازوف» أن العلم بها متوافر لدى أبسط المواطنين: ماسح أحذية فى السوق، كان قد ذهب إليه لمسح حذائه، حيث تطوع العامل البسيط فوصف له – حيث لم يكن يعرف من هو ؟- بدقة خط السير المقرر لسيارة الرئيس
المصرى، وهو خط السير الذى وضعه رجال المخابرات السوفيتية فى الليلة السابقة وسط سرية تامة!!
كان سير العلاج يبعث على الطمأنينة، حيث بدأت أعراض «الغرغرينا» فى أصابع قدمى عبد الناصر فى الاختفاء، واختفت معها آلامها، ومعها الأرق الذى كان يحرم عبد الناصر طعم النوم.
وعندما أزف موعد العودة إلى مصر، كانت النصائح الطبية، مستحيلة التنفيذ، حيث نصحوه بأن يلتزم بالنظام الغذائى الخاص الذى وضعوه، وهذا كان ممكنا وسهلا، لكن غير الممكن» أن يبتعد عن الإجهاد والانفعالات النفسية والتوتر».
إن الأعمار بيد الله ، ما فى ذلك شك، لكن الله يأمر كذلك بالأخذ بالأسباب، وهى لم تكن مقدورة لعبد الناصر، لأنه كان «يحمل الشيلة كلها».. تم اختزال الوطن فى شخصه، يفكر له ويخطط، ويدبر، فكان من الطبيعى أن تكثر المشكلات، وتشيع التوترات، وتأخذ الأزمات لا بخناقه وحده وإنما بخناق كثيرين.
وعندما استمع عبد الناصر لنصائح الأطباء، ابتسم قائلا: «من الصعب أن تبقى رئيسا لمصر وتنفذ كل هذه النصائح».
وفضلا عن ذلك، فإن قدرات الطب لم تكن تصل فى هذا الزمن إلى إيقاف تصلب الشرايين تماما وتمنع ظهوره فى أجزاء أخرى من جسم المريض، خصوصا أن عبد الناصر كان يعانى من مرض السكر، وكان الأطباء السوفيت على وعى بأن مرض تصلب الشرايين سيستمر ويتزايد، وكان من الصعب توقع أى من الأوعية الدموية سيصاب فى المستقبل .
ولما جاء الفريق الطبى إلى القاهرة ليواصل إشرافه، بينت الفحوص أن مرض تصلب الشرايين لدى عبد الناصر، قد وصل إلى شرايين القلب، وأدى بدوره إلى ظهور «احتشاء القلب»، أى إصابة أجزاء منه، وتتكرر النصيحة بضرورة البعد عن أجواء التوتر، والإخلاد إلى الراحة، ويرد عبد الناصر: «الوضع شديد الخطورة عندنا. نحن نحاول الوقوف على قدمينا.. والآن فقط بدأنا لتونا فى دعم قدراتنا الدفاعية لإنشاء جيش حديث وعصرى، وفى هذه الظروف الصعبة فإن اختفائى عن الأضواء أو المشاركة قد يضعف من جهودنا.. هذا هو قدرى!!»
   ويحدث ما حدث فى الأردن فى سبتمبر 1970، وتصل أجواء التأزم إلى ذروتها، وتفرض على عبد الناصر أن يصل الليل بالنهار، مع القادة العرب الذين دعاهم إلى القاهرة، لمواجهة الأزمة التى نشبت بين المقاومة الفلسطينية والملك حسين ملك الأردن.. وتم إنقاذ الموقف الفلسطينى والأردنى.. وكانت النتيجة الطبيعية أن يخلد عبد الناصر بدوره إلى الراحة الأبدية، فى رحاب الله!!