حصاد الثورة

د.سعيد اسماعيل علي

الثلاثاء, 08 نوفمبر 2011 10:21
بقلم: د. سعيد إسماعيل على

يعلم الله أنه لأمر شاق على نفس كاتب هذه السطور أن يكتب ما يكتب الآن، وكأنه قد عاد أدراجه، منذ أن بدأ فى الكتابة السياسية عام 1984، دائم النقد للنظام الذى كان قائما، وشعر أن الروح قد رُدت إليه فى تلك الأيام الثمانية عشر التى سبقت سقوط رأس النظام البائد،

لكنه ومنذ شهور تعد على ما هو أقل من أصابع اليد الواحدة، وحتى الآن، بدأ يشعر وكأن الأمل قد أخذ يتسرب من بين يديه تدريجيا، وهو حال أشد صعوبة من الحال الأول، ففى الحال الأول، مهما اشتدت وطأة النظام الذى كان قائما، فقد كان هناك دائما أمل، مهما بعد، فهو كان يُبقى الجذوة متقدة فى القلب وفى العقل، أما عندما يتحقق الأمل، لكنه يشحب يوما بعد يوم، فماذا يمكن أن يملك صاحبه إلا مشاعر حسرة وآيات قنوط، لولا إيمان بالله، وبالوطن، وبأهل هذا الوطن، لتمنى أن يصبح نسيا منسيا!
وعندما يجلس الإنسان متأملا فى جملة الحصاد لثورة لم يكن لها مثيل فى التاريخ، فى كل مراحله، وفى كل بقاع الأرض، وقد مر عليها الآن ما يقرب من تسعة أشهر، تلك الأشهر التى يتخلق فيها الإنسان كاملا فى رحم أمه، تصدمه النتيجة، عندما يسمع ما أصبح يتردد على ألسن كثيرة : لقد سقط رأس النظام، لكن النظام نفسه لم يسقط!
وأتلفت بعينى يمينا ويسارا ومن أمام ومن خلف، فأجد أن الثمرة الإيجابية الوحيدة التى نجدها بين أيدينا هى أن كل إنسان على هذه الأرض

قد أصبح حرا فى أن يقول ما يريد.. فقط!
وتلك نتيجة عند مزيد من التأمل، لا تحسب لصالح الوطن، ولا لصالح المواطن، لأن حرية الكلام، ما لم تكن مصحوبة بجهد مماثل على جوانب الإنتاج والنظام ومنظومة القيم الأساسية، وتصور لما نريده للمستقبل، تصبح ثرثرة فارغة، تخصم من رصيد الجميع، وأول الجميع، الوطن ككل، حاضرا ومستقبلا!!
لقد ظللت فترة طويلة، أنتفض غضبا واحتجاجا لو سمعت نقدا لسياسة المجلس العسكرى، لكنى الآن أشعر بما هو أخطر، لأقول إن المجلس العسكرى إذا كان قد حمى الثورة عند اندلاعها، فهو مع الأسف الشديد، يسهم إسهاما أصبح واضحا فى «تضييع» هذه الثورة، ولا أريد أن أذهب فى التشاؤم مع البعض فأردد ما يقولون أن هذا يتم بقصد، ذلك أن بعض الأمل ما زال يحدونى، وأن المسألة مسألة افتقاد الخبرة فى الممارسة السياسية.
إن أبرز ما كان يجب أن نراه ملموسا على وجه الأرض، هو عمليات محاسبة جادة وسريعة لرموز النظام السابق، وفقا للقاعدة التاريخية البشرية البسيطة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» ، لكن ما حدث على أرض مصر، مشهد يدخل فى باب المسرح العبثى.. محاكمة رأس النظام، أس الفساد والقهر، على أنه اشترى فيلتين بثمن بخس من صديق له! وأنه
يشارك فى مسئولية إطلاق النار على المتظاهرين، وكلتا التهمتين، يسهل للغاية تحويلهما إلى طلقتين « فشنك» ، وليس هنا مجال لبيان ذلك.
وتبحث عن تهم ضخمة، خطيرة، مثل تزوير الانتخابات، وما يحمله هذا من سلسلة طويلة مما يصعب حصره من صور الفساد السياسى والمالى..وعن إطلاق يد «الابن» المتطلع إلى التوريث، فى تسيير الدولة، وهو لا يحتل موقعا ما فى بنية النظام السياسى، تنفيذيا وإداريا، وتبحث عن جهود بذلت، أو لم تبذل أدت إلى تقزيم مصر على المستويين الإقليمى والمحلى، كما تبحث فى ملف الخصخصة الذى يحمل عشرات الشبهات فى النصب والتواطؤ وسرقة المال العام، وما سار على هذا النهج، فلا تجد شيئا.
وإذا كان من حق الناس أن يشكوا من ظلم وقع عليهم، فإن لكل أمر «أصولا» و«قواعد» لابد من الالتزام بها، وإلا أدى الاحتجاج إلى تخريب وإفساد من نوع آخر، فليس من الأصول والقواعد أن يهجم البعض على وكيل وزارة التعليم التعليم العالى ويضطر الرجل إلى الهرب، وأن يحتل بعض العاطلين مكتب وزير التعليم العالى، ويعبثوا به، وأن يحبس عاملون المسئول الرئيسى عن الاتصالات فى مكتب عدة ساعات، وأن يقطع أناس طريقا رئيسيا ، أو وسيلة نقل عامة وأساسية، عدة أيام، وأن « يخطف» أناس كثيرون مساحات من المساحات المروعة ليقيموا عليها منازل أو منشآت تجارية، فيقتطع هذا من القوت الأساسى لملايين المصريين ..وأن ...وأن ، إلى غير هذا وذاك من عشرات الأمثلة، كانت توجب تطبيق القانون بكل حزم، ويصبح التراخى فى هذا إسهاما غير مباشر فى تخريب، لا الثورة وحدها وإنما حاضر الوطن ومستقبله!
وما لا يقل عن ذلك خطورة: تفريط الموُكَّل (المجلس العسكرى) فيما يخص «الموكِّل»، الذى ائتمنه على إدارة البلاد، العبور بها فى مرحلة الانتقال.
إن القائمة السوداء للحصاد المر، تطول يوما بعد يوم، وما أشرنا إليه، إن هو بعض من كل، إن لم يكن قطرات من بحر!!