رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثورة بين «التبديد» و«التأكيد»

د.سعيد اسماعيل علي

الثلاثاء, 04 أكتوبر 2011 09:26
بقلم : د. سعيد إسماعيل على

على مدى أيام الشهر الماضى شهدت أربعة مواقف، كلها تشير إلى شىء واحد، هو فى حد ذاته يبعث على القلق...

أولها، حيث كنت قد خرجت من مكتبى، لأستقل السيارة عائدا إلى منزلى، يصحبنى «البواب» للمساعدة فى بعض الأمور، حتى إذا بدأت أدير محرك السيارة، وبدأت أتحرك، إذا بى أصيح «آه.. نسيت أن أربط الحزام»، فإذا بالبواب يقول: «مش مهم.. معدش فيه حكومة»، قاصدا بالحكومة هنا «شرطة المرور»!!

ثانيها، حيث كنت فى الساحل الشمالى، ألتقط فى أيام معدودات لشم الأنفاس قبل أن يبدأ العام الجامعى الجديد، وفى مرة كان معى عامل كهرباء لأمر ما، فرأينا على بُعد أمتار» لجنة مرورية»، وكان وجودها فى هذا المكان يحدث لأول مرة، على الأقل بالنسبة لى، فلما قلت هذا إذا بالعامل يقول : «الله.. هما حايرجعوا تانى بعد ما ارتحنا منهم»؟!!

وثالثها، كان يوم الجمعة: 30/9 الماضى، حيث كان مذيع إحدى القنوات يتجول بين المحتشدين فى ميدان التحرير «لاسترداد الثورة»، فكان ممن قابلهم رجل أخذ يصيح أنه تعلم حتى الخامسة الابتدائى، وأنه لا يجد عملا، مع أنه متزوج وعنده أولاد»!.. هكذا فهم الرجل مقصد تجمع التحرير!!

أما رابعها، فكان تعليقا لأحد القراء على مقال لى بصحيفة أخرى أعاتب فيها المعلمين لإضرابهم فى بداية العام الدراسى، وفى ظل ظروف تراجع مخيف للإنتاج، وخزانة خاوية، فقد علق قارئ بأنه ليس صحيحا أن الخزانة خاوية، وأن البلد «فيها فلوس كتير»، وبالتالى فمن حق كل فئة أن تتحرك لتحصل على حقوق حُرمت منها سنين عددا، خالطا بذلك بين «الموارد الحقيقية للدولة»، وبين «إمكانات الثروة» فى مصر، وبالتالى..

كلها مشاهد تنبئ بتصورات تنتشر بين قطاعات واسعة من «عموم» الناس فى مصر تعكس مفهوما مشوها للثورة، كل إنسان يفعل ما بدا له، وكل إنسان لابد من تحقيق ما يريد، بغض النظر عن منطقيته وما قد يؤدى إليه من سوء مآل..وكل إنسان لابد أن يغرف من الخزانة الخاوية، فإذا قالوا له الحقيقة، ترك العمل، مهددا بالويل والثبور وعظائم الأمور.. وبالتالى لابد أن تصدر عن هذه التصورات سلوكيات لا تصب فى صالح الثورة، وممن؟ من قاعدة واسعة من جماهير، قامت الثورة من أجلهم!!

فإذا ما انتقلنا إلى تلك الشرائح الواعية، والتى كان

اشتعال الثورة على يد فئات عديدة منهم، زحفت بالملايين، فى شجاعة ملحوظة، حتى استطاعت أن تسقط طولة الطواغيت، تجد هنا أيضا بعض مظاهر أصبحت تبعث على القلق حقا..

ما زلت أذكر جيدا، ما كانت حفيدتى وابنتى تحكيانه عن أجواء التحرير قبل سقوط غير المأسوف عليه «مبارك»، بعد أن يعودا أدراجهما إلى المنزل، فأكاد أفرك عينى تأكدا من أننى لا أحلم بوطن مثالى، وأن هذا الذى أسمعه حقيقة..عن تآزر مبهر.. تعاون رائع.. سلوكيات أخلاقية رفيعة.. حرص خرافى على سلامة كل شىء وتنظيف المكان.. ولا أنسى قول حفيدتى لى يوما بعد عودتها من الميدان، أن شابا – صدفة وبغير قصد- قد لمست يداه كتفها، فإذا به يعتذر بشدة، ويكرر الاعتذار، بأنه لم يقصد، ويقسم عدة مرات بالله.. ويطلب منها العفو والسماح ...وكأنه قد ارتكب جريمة نكراء، فى جنة الوطن اليوتوبية.

اختفى هذا الجسد الواحد الذى التحم بعضه ببعض لإسقاط النظام، لأنه لما سقط، تصوروا أن الثورة حققت ما سعت إليه، دون دراية بأن النظام الفاسد كان قد «تجذر» فى كل أرجاء «الدولة» والحياة الاجتماعية، وبالتالى، فهو فى الحقيقة لم يكن قد سقط كله بعد، بينما كان ما حدث يوم الحادى عشر من فبراير، هو بالضبط ما ينطبق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته مع أصحابه من إحدى الغزوات قائلا «عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».. أى عادوا من عملية قتال مادى وتدمير، ودماء تسيل، ورقاب تقطع، إلى عملية بناء الجماعة، بالعمل والجهد والعرق، وسهر الليالى، بينما ما بدأنا نشهده بعد سقوط رمز النظام بداية تفرق، كلُُّ أخذ يذهب إلى سبيله، ثم إذا بعملية تفتيت مذهلة، لنقرأ عن عشرات التجمعات والتنظيمات والائتلافات، التى زادت على المائة بكثير، فضلا عن أحزاب اقترب عددها من الخمسين!

ومما زاد الأمر بلة.. هذا الانتشار الواسع للقنوات التليفزيونية التى أصبحت سبيلا للشهرة الواسعة، حيث ملايين

المشاهدين، وتتسع البرامج لهذا وذاك من العشرات الذين أعلنوا أنهم رموز الثورة، والذين وجدوا أنفسهم «يتلمعون» على الشاشات، وتسعى القنوات إلى استضافتهم، فجرت أنهر من التعليقات والأحاديث والمطالبات والتنظيرات إلى درجة إغراق المشاهدين بما أصبح يثير البلبلة والحيرة..كلام يعقبه كلام، ينتج كلاما، واتهاما لهذا وتجريحا لذاك.

فإذا ما بحثت عن اختلافات واجتهادات ومشروعات حول أفكار تبنى لمصر المستقبل، ويظهر من خلالها العلمانى والمدنى والإسلامى،وغير هذا وذاك من أسماء: تعليمها؟ زراعتها ؟ طعامها ؟ صناعاتها؟ سياساتها؟ لا تجد، مما ينطبق عليه القول الشهير» نسمع جعجعة ولا نرى طحنا» ! وهو أيضا ما ينطبق عليه قول المولى عز وجل الذى صدّرنا بها مقالنا الأول عن الشرائح والفئات المسئولة عن حركة الحياة الكلية لمصر، منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3))، سورة الصف، وليس غريبا أن تتلو هذه الآية آية أخرى، يقول فيها عوز وجل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ(4)) !! فكما ترى عزيزى القارئ، تُرغّب هذه الآية فى التآلف والتعاون والتآزر، وبالتالى: ماذا تنتظر عندما تسمع أن الخالق « يحب» أن نبنى ونشيد بناء الوطن، متراصين متعاونين متآزرين؟

وعندما سعى عدد من أصحاب الأحزاب والائتلافات أن يوحدوا من جهودهم ويتعاونوا، كان ذلك فى سبيل مواجهة أطراف أخرى فعلت الشئ نفسه، ولم يجد تجمعا من هذا وذاك من أجل مشروعات عمل وبناء، وإنما هو لأغراض انتخابية، وكأن مصر قد انقسمت إلى «فسطاطين»: علمانيين، وإسلاميين، أو «دُنيويين»، و«دينيين»، حسب تعبير الراحل «عادل حسين»!

إننا ندرك تماما أن «أداء» المجلس العسكرى أصبح معينا – ربما بغير قصد – على مزيد من إشاعة الإحباط والتفرق، لما يشوبه من تردد أحيانا، وافتقاد الحكمة أحيانا أخرى، وسوء التقدير أحيانا ثالثة، وبالتالى: التخبط، وما سار على هذا النهج مما فصلناه فى مقال سابق، فى هذه السلسلة،، فالجهة التى أحللناها مكانا قرب أن يكون «مقدسا» – المجلس العسكرى -  من نبل ما فعله أصحابها فى فبراير، إذا بها الآن تعين – ربما بغير قصد - على زرع مشاعر الإحباط، ونثر علامات شك، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

إن من يحملون مسئولية الثورة، عليهم أن يتفهموا أن مصر بحاجة إلى عرق وجهد وكدّ للبناء، مفروض أن يكون أضعاف ما كان،وأن هذا التكرار للمليونيات يمكن أن يُفقدها بهاءها  وروعتها، خاصة أنها – فى كل مرة - لابد أن تنتهى نهايات مأساوية، دون اتعاظ بأن هناك من يتربصون بها، فلِم نعط هؤلاء الفرصة؟

ويا أيها المجلس العسكرى، إذا كنت قد أسديت لمصر خدمة عمر بحماية الثورة، فإن جهدك يظل ناقصا، إذا لم تتقمصك روح الثورة، حيث أصبحنا لا أقول «نشك» فى هذا، بل أقول إننا لا نشعر به.