رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الصكوك الإسلامية..الإيجابيات والسلبيات

د.سرحان سليمان

السبت, 19 يناير 2013 12:22
بقلم - د.سرحان سليمان

ثار الجدل في الفترة الأخيرة حول الصكوك الإسلامية، وزاد تعقيدًا، عندما رأى مجمع البحوث الإسلامية أنه لا يتوفر فيما طرحته الحكومة من مشروع للصكوك الإسلامية ما يحقق الشروط للموافقة عليها، باعتبارها تتفق مع الشريعة الإسلامية،

إلا أن فكرة طرح الصكوك الإسلامية لم تتوقف، واعتقد أن هناك نية مباشرة للتعامل بها من قبل الحكومة، في محاولة لتقليل الاعتماد على الاستدانة من الجهات المتعددة، ورغبة في زيادة مشاركة المصريين في بناء الاقتصاد القومي، وأيضًا رغبة في وضع يد المصريين على مشاكل الاقتصاد ودخولهم كمساهمين في الحلول وبناء المشروعات القومية الكبرى، مما قد يزيد درجة شعور المواطن بأن أي ضرر أو نفع مستقبلًا باقتصاد بلده، سيؤثر عليه شخصيًا، في عوائد تلك الاستثمارات، وتأثيرًا مباشرًا على دخله وقوته الشرائية، مرتبط بنجاح علاج مشكلات الاقتصاد الحالية وما سيحدث مستقبلا من تطورات إيجابية، إلا أنه ربما لا يدرك حقيقة تلك الصكوك، أو أصبحوا في حيرة من كثرة الاختلافات حول الصكوك بصيغتها الإسلامية، والتي استخدمت على نطاق كبير بتركيا، وعلى نطاق أوسع في النهوض باقتصاد ماليزيا، ومنتشرة في جميع دول العالم، وتعتبر الدول العربية أقل الدول استخدامًا لها، على عكس ما كان يفترض، فكان لابد أن نعرج بموضوعية حول الموضوع.

نشأت فكرة الصكوك الإسلامية عندما بدأ البحث عن بدائل ووسائل اقتصادية جديدة، مع الانهيار الكبير الذي شهدته الرأسمالية، تزامنا مع أزمة الرهونات العقارية التي تسببت في أكبر ركود عالمي منذ الكساد الأعظم، ووصول التضخم إلى أعلى مستوياته، وانهيار الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى، إلى جانب المؤسسات المالية العملاقة التي أغلفت أبوابها معلنة إفلاسها، كما بدأ تزايد الاعتماد على الصكوك الإسلامية في السنوات الأخيرة حتى أصبحت الأسرع نموا في سوق التمويل الإسلامي، وتشير التوقعات أن يصل حجم إصدار الصكوك إلى (3-5 ) تريليون دولا بمطلع عام 2015، وعلى الرغم من أن الصكوك الإسلامية بدأت كإصدارات لمؤسسات ودول إسلامية إلا إنها أصبحت منتج مالي عالمي، وأضحى نصيب الدول الإسلامية منها أقل بكثير من نصيب الدول الغربية والذي وصل إلى 80% من إصدارات الصكوك الإسلامية، وفي الحقيقة إن إصدار الصكوك المبنية على أحكام الشريعة الإسلامية كان من أهم أهدافها تنمية الاقتصاد في المجتمع، بشرط أن تراع في آلياتها جميع المبادئ الأساسية التي تميز الاقتصاد الإسلامي من غيره، وأن النظام الرأسمالي السائد في العالم اليوم متعود بإصدار السندات القائمة على نسبة الفائدة للمشاريع الكبيرة التي تقتضي أموالا جمة وتدر ربحًا كبيرًا، لكن حاملي السندات لا يتجاوزون من أن يكونوا مقرضين لأصحاب هذه المشاريع على أساس الفائدة، ولا دخل لهم في ملكية أصول المشروع ولا في الربح أو الدخل الذي ينتج من هذه المشاريع وإنما يستحقون الفائدة على قروضهم بنسبة متوافقة مع سعر الفائدة في السوق، أما ربح المشاريع بعد التكاليف ومنها الفائدة المدفوعة فكله يرجع إلى أصحاب المشاريع.

وكانت الفكرة الأساسية من وراء إصدار الصكوك الإسلامية أن يشارك حملة الصكوك في ربح المشاريع الكبيرة أو الدخل الناتج منها، ولو أصدرت الصكوك على هذا الأساس، لأدت دورًا كبيرًا في تنمية العمل المصرفي، وساهمت مساهمة كبيرة في الوصول إلى أهدافها، وتعتبر تلك الصكوك ذات منافع كثيرة أهمها ما يلى:

1- تعتبر من أفضل الصيغ لتمويل المشاريع الكبيرة التي لا تطيقها جهة واحدة.

2-تفتح مجالاً كبيرًا للمستثمرين الذين يريدون استثمار فائض أموالهم، ويرغبون في الوقت نفسه أن يستردوا أموالهم بسهولة عندما يحتاجون إليها، لأن المفروض في هذه الصكوك أن تكون له سوق ثانوية تباع فيها الصكوك وتشترى، فكلما احتاج المستثمر إلى أمواله المستثمرة أو إلى جزء منها، جاز له أن يبيع ما يملكه من صكوك أو بعضا منها، ويحصل على ثمنها الذي يمثل الأصل والربح جميعا إن كان المشروع كسب ربحًا.

3-تعتبر الصكوك الإسلامية هي البديل الإسلامي للسندات في النظام الرأسمالي، وهي تصدر مقابل أصول غالبا ما تكون عقارية أو أصول أوراق مالية ذات عائد، والصكوك تكون على مدى متوسط أو طويل الأجل.
و الصكوك الإسلامية هي وثائق متساوية القيمة تمثل

حصصا في ملكية أو نشاط استثماري وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك وغلق باب الاكتتاب واستخدامها فيما أصدرت من أجله، ولقد ازدادت أهمية إصدار الصكوك الإسلامية نتيجة العديد من العوامل منها:
1-إتاحة الفرصة أمام البنوك المركزية لاستخدام الصكوك الإسلامية ضمن أطر السياسة النقدية وفقا للمنظور الإسلامي بما يساهم في امتصاص السيولة، ومن ثم خفض معدلات التضخم، وإتاحة الفرصة أمام المؤسسات المالية الإسلامية لإدارة السيولة الفائضة لديها.

2-تلبي الصكوك احتياجات الدولة في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنموية بدلاً من الاعتماد على سندات الخزينة والدين العام.

3-تساعد في تحسين ربحية المؤسسات المالية والشركات ومراكزها المالية، وذلك لأن عمليات إصدار الصكوك الإسلامية تعتبر عمليات خارج الميزانية ولا تحتاج لتكلفة كبيرة في تمويلها وإدارتها.

4-تعتبر أداة تساعد على الشفافية وتحسين بنية المعلومات في السوق لأنه يتطلب العديد من الإجراءات ودخول العديد من المؤسسات في عملية الإقراض مما يوفر المزيد من المعلومات في السوق.

5-المساهمة في جمع رأسمال لتمويل إنشاء مشروع استثماري من خلال تعبئة موارده من المستثمرين وذلك من خلال طرح صكوك وفق مختلف صيغ التمويل الإسلامية في أسواق المال لتكون حصيلة الاكتتاب فيها رأس مال المشروع.

6-تسهم في الحصول على السيولة اللازمة لتوسيع قاعدة المشاريع وتطويرها، وهو الإجراء الذي يتم بموجبه تحويل الأصول المالية للحكومات والشركات إلى وحدات تتمثل في الصكوك الإسلامية، ومن ثم عرضها في السوق لجذب المدخرات لتمويل المشاريع الاستثمارية طويلة الأجل.

7-تعمل الصكوك على تحسين القدرة الائتمانية والهيكل التمويلي للمؤسسات المصدرة للصكوك من حيث أنها تتطلب التصنيف الائتماني للمحفظة بصورة مستقلة عن المؤسسة ذاتها ومن ثم يكون تصنيفها الائتماني مرتفعًا.

8-التمويل بالصكوك لا يؤثر في الحد الائتماني للشركة في البنوك، حيث إن كثيرًا من الشركات العملاقة تكون قد استوفت حدها الائتماني لدى كثير من البنوك المحلية، بل والإقليمية، مما يجعل مهمة الحصول على تمويل من الصعوبة بمكان، وعليه فإن حصول الشركة على تمويل عبر الصكوك يفتح لها أبوابا ائتمانية جديدة.
وتقوم الصكوك الإسلامية على عدة أسس:
1-تقوم على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، حيث أن مبدأ إصدار الصكوك من حيث العلاقة بين المشتركين فيها هو الاعتماد بشكل أساسي على الاشتراك في الربح والخسارة، بصرف النظر عن صيغة الاستثمار المعمول بها، حيث تعطي لمالكها حصة من الربح وليس نسبة محددة مسبقا من قيمتها الإسمية وحصة حملة الصكوك من أرباح المشروع أو النشاط الذي تموله تحدد بنسبة مئوية عند التعاقد فحملة هذه الصكوك يشاركون في أرباحها حسب الاتفاق المبين في نشرة الإصدار ويتحملون أيضا الخسائر بنسبة ما يملكه كل منهم.

2-تصدر الصكوك بفئات متساوية القيمة لأنها تمثل حصصا شائعة في موجودات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص وذلك لتيسير شراء وتداول هذه الصكوك وبذلك يشبه الصك الإسلامي السهم الذي يصدر بفئات متساوية ويمثل حصة شائعة في صافي أصول الشركة المساهمة، كما أنه يلتقي في ذلك مع السندات التقليدية والتي تصدر بفئات متساوية.

3-تصدر وتتداول وفقا للشروط والضوابط الشرعية حيث تخصص حصيلة الصكوك للاستثمار في مشاريع تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، كما أنها تقوم على أساس عقود شرعية وفقا لصيغ التمويل الإسلامية، كالمشاركات والمضاربات وغيرها، بضوابط تنظم إصدارها وتداولها.

4-يتحمل حامل الصك الأعباء والتبعات المترتبة على ملكيته للأصول الممثلة بالصك سواء كانت مصاريف استثمارية أو هبوط في القيمة.

5-يتنافى الضمان مع كل من المضاربة أو الوكالة أو الشراكة، فهي الصيغ التي تدار بها السندات التقليدية التي يطبق فيها مبدأ الضمان، فلا يتحمل المصدر الخسارة، وهناك عدة أنواع من الصكوك الإسلامية، تستخدم حسب

المجال الذي يمكن استخدامه فيه.
وعلى الرغم من كل ما ذكرناه من مميزات للصكوك الإسلامية إلا أنه يوجد حولها مخاطر، وذلك لأنها تمثل موجودات تحتوى على خليط من النقود والديون والأعيان والمنافع، أو بعض هذه المكونات منفردة، ونظرا لآليات إصدارها القائمة على صيغ التمويل الإسلامية، فإنها تتعرض للمخاطر التي تتعرض لها المشروعات الاستثمارية الإسلامية، ومن خلال النظر إلى مصادر المخاطر بصفة عامة نجد أن الصكوك الإسلامية تتعرض للعديد من المخاطر الكلية، والتي يتمثل مصدرها الأساسي فيما يلي:

1- عدم وجود سوق ثانوية، وهو ما يجعل تداول هذه الصكوك بين مجموعة محدودة من المؤسسات المالية وبعض الشركات والأفراد، وهناك مجموعة من الأسباب تؤدي إلى عدم وجود سوق ثانوية لهذه الصكوك منها: قلة عدد الصكوك المطروحة، وكذلك رغبة حائزي الصكوك في الاحتفاظ بها باعتبارها تدر عائدا مضمونا، وعدم وجود بديل لها في السوق.

2-ترجع هذه النوعية من المخاطر إلى عدم وفاء العميل بالتزاماته التعاقدية كاملة وفي مواعيدها.

3-مخاطر عدم كفاءة العميل أو إلى سوء سمعته وعدم رغبته في السداد، أو إلى عدم قدرته على السداد، وهذا كله يقع في الأساس على عاتق المنشأة مصدرة الصكوك والمانحة الائتمان للعميل، ويؤثر سلبا على عوائدها، لذا فإن هذه المخاطر تدخل ضمن المخاطر الخاصة.4

-مخاطر السوق وهذه المخاطر تندرج تحت المخاطر العامة حيث ترجع لاتجاهات الصعود والنزول التي تطرأ على الأسواق لعوامل اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، سواء أكانت أسواق الأصول الحقيقية، أو الأسواق المالية والتي تتكون بدورها من أسوق النقد، وأسواق رأس المال بسوقيها (سوق الإصدار وسوق التداول).

5-مخاطر سوق الأصول الحقيقية وهذه المخاطر مرتبطة بطبيعة الصكوك الإسلامية من حيث كونها تمثل حصة شائعة في ملكية أصول، ونظرا لأن الأصول الحقيقية من سلع وخدمات تباع في الأسواق، فإنها قد تتعرض للنقص في قيمتها بفعل عوامل العرض والطلب، أو السياسات الاقتصادية الحكومية وغيرها من عوامل السوق.

6-مخاطر سعر الصرف وتنشأ هذه المخاطر في سوق النقد نتيجة لتقلبات سعر صرف العملات في المعاملات الآجلة.

7-مخاطر سعر الفائدة وتنشأ هذه المخاطر نتيجة للتغيرات في مستوى أسعار الفائدة في السوق بصفة عامة، وهى تصيب كافة الاستثمارات بغض النظر عن طبيعة وظروف الاستثمار ذاته، وكقاعدة عامة فإنه مع بقاء العوامل الأخرى على حالها، كلما ارتفعت مستويات أسعار الفائدة في السوق، انخفضت القيمة السوقية للأوراق المالية المتداولة والعكس صحيح، وهو ما يؤثر على معدل العائد على الاستثمار.

8-والصكوك الإسلامية وإن كان لا مجال لسعر الفائدة في التعامل بها، أو في أنشطتها ومجالات استثماراتها، إلا أنها قد تتأثر بسعر الفائدة إذا اتخذته سعرا مرجعيا في التمويل بالمرابحة، كما أن سعر الفائدة باعتباره آلية يقوم عليه النظام النقدي والمصرفي في غالبية الدول الإسلامية، فإنه بلا شك يؤثر على الصكوك الإسلامية، خاصة إذا لم يكن للوازع الديني دورا في توجيه المستثمرين، وتحجج بعضهم بشذوذ الفتيا التي أباحت سعر الفائدة خلافا لإجماع الفقهاء.

9-مخاطر أسعار الأوراق المالية وتنشأ هذه المخاطر نتيجة لتقلبات أسعار الأوراق المالية في أسواق رأس المال سواء كانت هذه التقلبات بفعل عوامل حقيقية، أو عوامل مصطنعة وغير أخلاقية كالإشاعات والاحتكار والمقامرة وعمليات الإحراج والبيع والشراء الصوري ونحو ذلك، وهو ما يؤثر على القيمة السوقية للصكوك الإسلامية.

10-مخاطر التضخم وتنشأ هذه المخاطر نتيجة لانخفاض القوة الشرائية للنقود بارتفاع الأسعار، وهو ما يعني تعرض الأموال المستثمرة لانخفاض في قيمتها الحقيقية. والصكوك الإسلامية باعتبارها ذات عائد متغير، وذات مكونات من نقود وديون وأعيان ومنافع فإن تأثرها بالتضخم يرتبط طرديا بزيادة مكوناتها من النقود والديون.

11-مخاطر التشغيل وتنشأ هذه المخاطر نتيجة أخطاء بشرية أو فنية أو حوادث، وتندرج هذه المخاطر تحت المخاطر العامة إذا كانت بفعل عوامل خارجية كالكوارث الطبيعية، مثل ما تسببه الكوارث أو الحوادث في هلاك الزرع في استثمارات صكوك المزارعة أو هلاك الأصل المؤجر في استثمارات صكوك الإجارة ونحو ذلك، وتندرج هذه المخاطر تحت المخاطر الخاصة إذا كانت بفعل عوامل داخلية كعدم كفاية التجهيزات أو وسائل التقنية أو الموارد البشرية المؤهلة والمدربة، أو فساد الذمم، أو عدم توافر الأهلية الإدارية (أي الكفاءة الإدارية) القادرة على القيام بمهام الوكالة عن الملاك وتحقيق الأرباح مع نموها واستقرارها مستقبلا، والمحافظة على المركز التنافسي للصكوك ونحو ذلك، أو من خلال صورية أو ضعف الرقابة الشرعية مما يؤثر سلبا في ثقة المتعاملين، وسمعة المنشأة لديهم، وهو الأمر الذي من شأنه أن يترك آثارا على القيمة السوقية للصكوك الإسلامية.

12- أخيرًا نقص الشفافية في بعض الإصدارات، وهو ما دعا العديد من مؤسسات الإصدار إلى الحصول على تقويم ائتماني من مؤسسات التقويم العالمية وذلك لتقليل المخاطر والمخاوف للاكتتاب في بعض الإصدارات.
اعتقادي أن الصكوك الإسلامية التي اعتمدت عليها دولًا كثيرة في نهضتها مثل تركيا وماليزيا وغيرهما، وأحدثت نموًا كبيرًا باقتصاديات تلك الدولة، وتغلبت على مشاكل السندات الرأسمالية، يمكنها أن تكون أكثر نفعا للاقتصاد المصري، وأكثر قدرة على امتصاص مشكلاته، كما أنها تلقى رضا من غالبية الشعب، ومن ثم سينعكس ذلك على الإقبال على المشاركة في مشروع الصكوك الإسلامية.
الكاتب الصحفي، والمحلل السياسي والاقتصادي.