النموذج التركى فى الاستعانة باهل الكفاءة

د.سرحان سليمان

الأحد, 29 أبريل 2012 12:27
بقلم / د.سرحان سليمان

النموذج التركى الحديث يعتبر من افضل النماذج للدول التى تريد ان تسعى ان تحقق تقدما ملموسا خلال فترة قصيرة فى عدة سنوات،فعندما وصل حزب"العدالة والتنمية"الى السلطة قام بعدة تغييرات جوهرية فى ادارة تركيا واعتمد فى تحقيق ذلك على الادارة الكفىء والاهتمام بالعلم والتكنولوجيا الحديثة ومحاربة الفساد،واستخدم اردوغان

مفاتيح التقدم التى يجب توفيرها او الاعتماد عليها فى تحقيق ذلك وهى من اساليب التنمية البشرية،وهو علم حديث اصبح مرتكزا لكافة دول العلم الحديث لتحقيق التنمية والتطور السريع معتمدة على تنمية الانسان والموارد الطبيعية المتاحة وتسخيرها فى تحيق معدلات نمو للاقتصاد وتحقيق الرفاهية التى هى فى النهاية الهدف الاسمى لاى حكومة من اجل تطوير مجتمعها،فقد اعتمد اردوغان على مفاتيح التنمية البشرية وهى الوقت والعمل والعلم والامل والولاء والادارة وغيرها كاساسيات فى التخطيط،وقد حققت تركيا طفرة كبيرة وهائلة فى التقدم الاقتصادى والاجتماعى فى عدة سنوات،وكان ملف محاربة الفساد الادارى والمالى دائما امام هذا الحزب فى محاولة لتحقيق معدل من العدالة الاجتماعية وتقليل فوارق الطبقات فى المجتمع التركى،وقد نجح اردوغان وحزب العدالة والتنمية فى تلك التجربة،والتى تعتبر نموذجا يمكن للكثير من الدول ان تتبناه لتحقيق اهدافها.

اردوغان ذات المرجعية المتحفظة لم يقل يوما انه يسعى لتطبيق الشريعة الاسلامية،وانما وضع القوانيين والخطط التى تنظم حركة المجتمع والتى تسير فى اتجاه التطبيق لكل تعاليم الشريعة دون ذكرها او التركيز عليها،وبالتالى تصبح حقيقة على الارض دون ان يشعر اى تركى بذلك،ولاردوغان مقوله فى ذلك "اننا نسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد"،وهى من المبادىء الرئيسية فى اى نظام اسلامى،واستعان حزب العدالة والتنمية فى تحقيق

استراتيجته على العلماء والمخططين من تركيا والعرب والعالم،لانه يؤمن باهمية العلم،والتخصص الدقيق،وانفتح على العالم فى سياسته الخارجية وعمق العلاقات مع كافة الدول،فاقام علاقات جديدة وعلى اسس جديدة مع الدول العربية واستمر فى محاولته للانضمام للاتحاد الاوروبى،وزاد من قوة تركيا وتأثيرها فى منطقة اسيا حتى روسيا،واصبحت تركيا من اهم الدول تأثيرا فى الاحداث العالمية،ودورها مهما،ولابد ان يتخذ راى الاتراك فى القرارات الدولية لما لها من تأثير فى المنظومة العالمية .
حزب"العدالة والتنمية"،لم يستعين فقط باهل الثقة،بل استعان باهل الخبرة والعلم من جميع انحاء العالم لتحقيق اهداف الحزب فى بناء دولة قوية،وهذا ما جعل الاتراك يثقون فيه،واستمرارية الحزب فى حكم تركيا قامت على تلك الثقة من الشعب،ولم يعزل الحزب اى تركى كفىء يمكن ان الاستفادة منه،فتعامل مع جميع القيادات السياسية للاحزاب الاخرى واستعان بهم،وكانت النتيجة انه استمر فى الحصول على اغلبية الاصوات لمرات متتالية فى البرلمان وانتخابات المحليات بالاضافة الى منصب الرئيس،وقام الحزب بتغييرات كبيرة فى المسؤلين السياسيين والعسكرين المسؤلين عن الدولة،ولكن بطريقة مدروسة دون احداث خلل او فراغ بالدولة،هذا يدفعنا جيداً ان نطرح هذا المشروع السياسى اما الاحزاب القادمة للسلطة فى مصر خاصة "الحرية والعدالة"،ان تستعين باهل الخبرة والكفاءة،وتعلو على الذاتية والحزبية،وان يكون المجال متاحاً امام جميع المصريين للمشاركة فى بناء دولة مصرية متقدمة،والا ينتهج نفس اسلوب الحزب الوطنى الذى كان يبنى
سياسيته على خدمة اعضاء الحزب الحاكم،ورئيسه،ولم ينصت لاى اصوات اخرى،مما انتهى به الامر فى النهاية الى ترك السلطة،ودخول معظم قياداته فى السجون وقضايا فساد سياسى ومالى،انه درس قوى وواقعى والفرق واضح بين تجربة "العدالة والتنمية"،والحزب المنحل "الحزب الوطنى الديمقراطى ".

النموذج التركى بنى استراتيجيته على اساس"احترام قيمة الانسان التركى"،والاهتمام بتوفير حياة كريمة وذلك على اسس تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد واعلاء حرية التعبير والمحافظة على القيم والاهتمام بالديمقراطية،واستقلال القضاء،واقامة علاقات قوية مع كافة الدول على اساس ان"تركيا قوية ومؤثرة"،بل اصبحت تركيا العامل الاساسى فى قضايا الشرق الاوسط ومنطقة القوقاز وشرق اوروبا،وفى جميع الصراعات،ولديها ادارة كفىء فى ادارة الملفات حتى وصلت لتلك المكانة العالمية ، بنشر قيم الولاء للدولة وتشجيع العمل ونشر الوعى المجتمعى القائم على رفع الروح المعنوية لكافة الاتراك " الامل "،وكلها اساليب حديثة فى مجال التنمية البشرية،علاوة على الاهتتمام بالعلم وتسخير ميزانية كبرى لذلك،فلم يترك اردوغان منطقة الا وترك بصمته وبصمة دولته فيها من الشمال حتى الصومال ومن ايران حتى امريكا،كل ذلك السعى ليس لتحقيق امجاد شخصية ولا حماية للحزب الحاكم ولا الخضوع للدول الخارجية لاستمرار فى منصبه،بل كل ذلك تسخيرا للدولة والمواطنيين .

اردوغان شخصية يجب ان تدرس فى الكليات والمعاهد العلمية،فكنا ملهمين بالدكتو" مهاتير محمد"،فى ماليزيا،واصبح الان الشعب العربى وخاصة المصرى وكافة الشعوب المسلمة والاخرى-الراغبة فى استلهام التجربة من الشخصيات المؤثرة- ملهمين بشخصية "اردوغان" ، فهو رجل بسيط ومتواضع يمشى فى شوارع تركيا ويتسوق بنفسه دون ان يشعر احدا بتواجده بل ويذهب للمكتبات ويقوم باستعارة كتاب من المكتبة مثل اى طالب علم ويجلس ليقرأ الكتاب،ثم ينصرف كل ذلك ليضع اساس للاتراك"اننى من الشعب"،ولست عظيما الا بما احققه لكم،واذا كنا ملهمين بنموذج البرازيل الذى احدث طفرة اقتصادية فى امريكا الاتينية،فاصبح امامنا ايضا النموذج التركى ملهما ومشجعا لكى نتبناه ليحقق امال المصريين فى التقدم وحياة كريمة .
اردوغان نموذج ينتظره المصريين....فهل سوف يظهر علينا مصرى يتمع بصفاته ويؤمن باهدافه وقيمه ؟؟
----
الكاتب الصحفى والمحلل السياسى والاقتصادى
[email protected]