الدواء المر

بقلم :د. حمدي عبدالمعطي باشا

في خلال الشهور التالية لثورة 25 يناير وحتي الآن تفرغ الإعلام والكثير منا لمحاسبة الماضي لدرجة الانتقام والتشفي، لم يقف سوي القليل لتدارس أخطاء الجميع، النظام الفاسد علي مدار ستين عاماً ومن حكمهم هذا النظام وارتضوا لفترات طويلة إعادة إنتاجه بفاسدين جدد؟

. سؤال مطروح منذ أن تركت الكثير من أداء وظائف المهنة وتفرغت لفضح منظومة الفساد علي مدار العشر سنوات المنصرمة، والسؤال الآن: إذا كانت الأنظمة الديكتاتورية منذ 1952 وحتي سقوطها في 2011 قد ارتكبت العديد من الأخطاء فما الأخطاء التي ارتكبناها كمحكومين؟

بالقطع إن الخطأ الأول هو أننا استجبنا للشعارات والأوهام أكثر من تعاملنا بقرارات حازمة، حتي إن كانت مريرة الواقع.. إن الخروج علينا بشعار العدالة الاجتماعية ورفع الحد الأدني من الأجور وتخفيض الحد الأعلي من الأجور هو وهم إذا لم يقترن بزيادة الإنتاج، لقد ظللنا لمدة ستين عاماً نلوك العدل والفئات المحدودة واعتبرنا أن العدالة الاجتماعية هي حقوق فقط، ونسينا أنها واجبات أيضاً، لم يخرج علينا في الإعلام أو غيره من يناقش الأمر بجدية وإنما دعاية وزور حتي يأسر عقول المشاهدين الذين داعبهم حلم زيادة الدخل بدون زيادة المجهود!! بالذمة ده اسمه كلام؟.. حتي حينما أثرنا هذا الأمر وهو أن زيادة الإنتاج واجب للوصول إلي العدالة الاجتماعية نصحني البعض ألا أذكر ذلك

في هذا الوقت من أزمة الدعاية والانتخابات وغيرها، إلا أنني فضلت أن أطرح هذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبناه علي مدار ستين عاماً وشاركنا فيه الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة المتعاقبة، حتي نستطيع الوصول إلي عدالة اجتماعية وتحسين دخل المواطن «متوسط دخل الفرد» علينا أن نغير قانون العمل ليصبح الأجر بالساعة طبقاً لكمية وجودة الإنتاج، وعندما تصل حصة مصر ناتجاً محلياً إلي الناتج العالمي تتراوح بين 2 و3٪ عند ذلك فقط نستطيع القول إننا أصلحنا الخطأ الذي ارتكبناه علي مدار الستين عاماً السوداء التي رأينا فيها كل أنواع الخطأ الأخري، بجانب هذا الخطأ الذي أصاب اقتصاد بلادنا بالوهن وجعل أكبر همنا ومبلغ علمنا هو أن ندعم رغيف الخبز لـ 40٪ من شعبنا!

حقيقة الأمر إن الخطأ الأكبر من تحايلنا علي تداوينا هو أننا لا نريد أن نشعر بمرارة الدواء، ونرضي بأن نعيش مرارة المرض، حقيقة الوضع الاقتصادي المتدهور هو أن الإنتاج المحلي لا يكفي استهلاكنا ولا يتلاءم مع كثافتنا السكانية ولا رقي طموحنا لنصل إلي حقيقة قدرنا ومقدارنا.. ولأننا استسهلنا البهلوانات فهم أكثر فكاهة من الجادين الصادمين بالحقيقة، فجري

الإعلام خلف الأراجوزات وقضيا ما فوق الدستور وما تحت السرير وترك أصحاب الجد لأن ما لديهم دواء مراً، وليست الأمر يتوقف مرارة علي ذلك بل أنه يتعدي إلي ضرورة ترشيد الدعم المنتهك والمغتصب من الفاسدين، فلابد أن ينظم الدعم من منبعه وذلك بتحديد الدعم للأسرة المستحقة بعدد أربعة أفراد يسقط الدعم بعد ذلك عند وجود الفرد الخامس ويلغي تماماً عند وجود الفرد السادس.

لعلي لا أبالغ إذا توقعت نهضة اقتصادية إذا قمنا علي صياغة قانون عمل جديد يربط الأجر بعدد ساعات العمل كمية وجودة ورشدنا الدعم كما سبق في الفقرة عاليه، أما إذا صممنا علي الفهلوة والشطارة بتغزل برجل حمارة فلا الفهلوة نفعت من سبقونا ولا الشطارة غزلت لأن رجل الحمارة لا تنفع إلا الحمارة! إلا أن الخطأ الثاني الذي نرتكبه ويطل علينا من الإعلام بصورة فجة هو إعادة استنساخ الديكتاتور العادل «الشيء ونقيضه» وهي موضة بطلت من زمان في البلاد المتقدمة، حيث تأكدوا من عدم قابلية حدوث الديكتاتور العادل مثل عدم قابلية حدوث اللص الشريف أو العاهرة العفيفة؟.. وقرارنا بأن ننتخب رئيساً وفريقه المعاون من مستشارين هو أحد الأولويات الحالية بدلاً من خروج مرشحي الرئاسة فرادي ليتحفونا بعبارات إنشائية وشعارات وهمية لا علاقة لها بعلاج أخطائنا، وحيث أدركونا أن المشكلة ليست في الرئيس وحسب وإنما في الرجال الذين حوله؟.. فإننا من الآن نطالب من يريد أن يصبح رئيساً لمصر أن يخرج علينا بمستشاريه وإلا فليجلس في بيته، فلم يعد لدينا مكان للديكتاتور العادل ولم يعد لدينا الوقت لنعيد اكتشافهم بعد خراب مالطا وإفلاس خزينة مصر كما حدث!! والله المستعان.. يحيا الشعب المصري حراً كريماً.