إدانة للحلال!

بقلم: د. حمدي عبدالمعطي باشا

ليس من قبيل الهلس أو الهلوسة فرضيتنا لحدوث إدانة للحلال.. حقيقة الأمر ظهر بجلاء عندما تحدث البعض في التوك شو وغيرها عن إفطار البعض في نهار رمضان هو جرح لمشاعر الصائم!.. وهي حجة غريبة وتهمة عجيبة حكاية جرح مشاعر الصائم هذه.

. لقد رخص الله تبارك وتعالي إلي المسافر والمريض والمرأة الحامل التي تخشي علي نفسها أو جنينها والحائض والنفساء، رخص الله علام الغيوب والمطلع علي القلوب أن يفطروا نهار رمضان وأن يصوموا أياماً أخري أو إطعام مسكين، لم يذكر لنا جل في علاه أن إفطار هؤلاء سيكون فيه حرج لمشاعر صائم أو غير صائم، وهو كما شرع لنا الصيام كمسلمين فإنه شرعه أيضاً لأهلنا من أهل الكتاب الذين يصومون في أيام غير رمضان وسمح لهم بالإفطار في أيام وقد تأتي في رمضان، ونحن لا ندري علي وجه الدقة حكاية جرح مشاعر الصائم هذه، فمن يقوم بشعيرة الصوم فهو امتثال لأمر الله، وهو عندما يصوم ويتحرك في وسط المجتمع ليس مفروضاً عليه أن عليه تحري صيامه حيث إنه أيضاً ليس مفروضاً علينا ولا عليه هل هو مفطر بعيداً عن أعين الناس فصيامه لا يعلم به إلا الله ولا يحاسبه عليه إلا هو وجزاءه، لا ندري ولا يدري

عنه شيئاً، هل اخترعنا ديناً جديداً غير الذي نزل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم أم أنا أكثر التزاماً منه صلوات ربي وسلامه عليه، بالقطع هو سيد المرسلين وسيد الناس أجمعين وأكثرنا طاعة لخالقه وخالقنا، لقد تبسم صلوات ربي وسلامه عليه عندما جاءه الرجل يسأله ماذا يفعل بعدما جامع زوجته في نهار رمضان؟.. فقال له سيدنا رسول الله: إن عليه صوم ستين يوماً «شهرين متتابعين» فقال له الرجل إنه صائم دائماً، لعدم قدرته علي شراء الطعام دائماً، فقال له المصطفي عليه الصلاة والسلام إن عليه إطعام ستين مسكيناً كفارة لما فعل، فأخبره الرجل أنه صائم دائماً لعدم قدرته علي شراء الطعام لاثنين فما بال الستين مسكيناً، فجمع له المبعوث رحمة للعالمين تمراً من بين أصحابه عليهم رضوان الله ليطعم الستين مسكيناً، فأخبره الرجل أنه لا يوجد في المدينة ومن حولها من هو مسكني أكثر منه وأنه أحق بهذه التمرات التي سيقتات منها هو وزوجته لعدة أيام مقبلة، عندها تبسم المبعوث رحمة للعالمين ومن حوله وأعطوا الرجل التمرات وتركوه
يذهب إلي امرأته دون إدانة، ودون اتهام بأنه جرج مشاعر الصائمين أو انتهاك حرمات المسلمين، يبدو أننا قد تخيلنا أننا المؤمنون الوحيدون في الكون وهو ما أضفي علي أمراضنا النفسية الاستعلاء وأن علي باقي البشر مراقبة هل نحن صائمون فإذا كنا كذلك فعليهم أيضاً أن يكونوا صائمين ولو تمثيلاً!! ما هذا الهلس الذي نطالب الآخرين المؤمنين بالله وبكتبه يصومون لله وليس لأحد آخر، وليس لمراعاة مشاعرهم أو مراءة شعائرهم.. إن محاولة إدانة ما أحل الله «رخصة الإفطار للبعض» هو نوع من ابتداع ما يسمي ما يسئ إلي شرع الله وهو يضفي تطرفاً وسخافة علي دين قيم غير ذي عوج بدعوي استعلانية شوفونية ليس لها أصل أو مرجعية، فكيف يخطر في بالنا أن مسافراً أو مريضاً أفطر مقيماً لرخص الله قد خرج علي شرع الله وجرح شعور الصائمين المقيمين لحدود الله.. إن أول حقائق الإسلام أنه منح الحرية في الاختيار والاعتقاد للإنسان، ولم يمنح الثواب والعقاب إلا لله إذا تخطي أحدهم ما فرض الله وأحله لعباده، ولن يكون لنا الفلاح في الدنيا والآخرة إلا إذا تركنا هذا التجمد والتطرف في فهم دين الله الخاتم وتعاملنا مع بعضنا البعض كما تعامل معلمنا وشفيعنا صلي الله عليه وسلم مع الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، هو الذي يعلمنا ويعطينا الدرس وليس هؤلاء الزاعقون المتجهمون الذين أحالوا حياتنا إلي كتلة من المحرمات والمكروهات ليجمعوا الناس حولهم أو المال في جيوب بعضهم، اللهم ارحمنا منهم وأرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعاً وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتناباً، وعلي الله قصد السبيل.