مزايدات أصولية

بقلم- د. حمدي عبدالمعطي باشا


لقد فعل خيراً حزب الوفد بإعلانه المستمر في جريدته الغراء أنه مع الدولة المدنية الديمقراطية وأن الشريعة الاسلامية هي المرجعية الأساسية للتشريع، الا ان ذلك قد سحب البساط من تحت أقدام البعض حيث ان مشروعهم السياسي المتاح والمباع هو المزايدة علي الشريعة الاسلامية سلباً أو ايجاباً، بل ان الذين كانوا يعترضون علي الشريعة الاسلامية كمصدر للتشريع قفزوا الي الاحتكام بها واليها، عند ذلك الحد من المواقف السياسية التي نستطيع القول ان الجميع قد اتفق علي ان المرجعية الاسلامية للتشريع هي في نطاق الدولة المدنية الحديثة والتي تعلي من قيم الديمقراطية وأن الشعب هو مصدر السلطات مما جعل التنافس علي اكتساب الود الشعبي يندرج تحت غطاء الأعمال لا الأقوال! ولأن البعض قد أدرك ان العمل السياسي يحتاج أولاً الي عمل وثانياً الي سياسة وثالثاً الي سياسيين، ولأن ثالثاً وثانياً مفقود تماماً لدي البعض من الأصوليين »ليس بالضرورة الإسلاميين بل البعض منهم علمانيين« فان المزايدة الأصولية قد أصبحت الآن علي أشدها بين الطرفين علمانيون واسلاميين! عندما يخرج علينا البعض بأن أحكام الشريعة لا تطبق وأنه الحارس الأمين علي تطبيقها فإن الموقف يزداد غموضاً وتعقيداً لدي الكثيرين حيث ان الفهم الحقيقي للشريعة اصبح مفقوداً لدي هؤلاء المدعين بأن التشريعات الاسلامية لا تطبق وهو أيضاً بالقطع مفقود لدي هؤلاء الرافضين لتطبيق التشريعة الإسلامية! ياللهول؟! عندما تقع كلمات المناطحة بين الطرفين علي الأسماع ينقسم المخ الي النقيضين حيث ان الفريق الذي يدعي انه اكثر اسلاماً من الاخرين يتعامل مع البشر علي اختيارين إما أن

تكونوا ملائكة او هناك الويل والثبور وعظائم الأمور، والفريق الآخر الذي يدعي انه اكثر عقلانية وتقدمية يطالب البشر اما ان يكونوا تروساً في الماكينة خاصتهم واما الويل والثبور وعظائم الأمور ايضاً!! ونحن محشورون بين ان نكون ملائكة أو تروساً، طيب مينفعش نكون بني آدمين وبس؟؟!!! وهو ما يولد حالة من الفزع والهلع لدي البعض حيث ان المجهول اصبح السمة الغالبة،فما بين من يطالب بتفعيل التشريعات وما بين مطالب بالغائها أساساً! عند هذه الحالة من المزايدة بين الطرفين وهي مزايدة تدل علي مراهقة سياسية عند البعض أو عدم فهم عند البعض الآخر كان يجب ان نستعيد ذاكرة الكتابة لتوضيح بعض النقاط ان الشريعة الاسلامية في الحدود وغيرها تتسم بالمرونة الفائقة وعندما يحتج البعض بانها نصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت اعتماداً علي النص بأن »ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون« هم في الحقيقة قد تغافلوا أو غفلوا عن قوله تعالي »وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا« أي أن فهمهم للنصوص حتي القطعي الدلالة قطعي الثبوت لا يمكن ان يكون مطلقاً ونهائياً، عند ذلك نستطيع تقديم دليل علي هذه المرونة في الشريعة الإسلامية احتجاجاً بما يدعونه، وهو ان قطع اليد للسارق ليس مطلقاً وهو أيضاً يحمل العفو
في الآية الثانية فاذا كان تطبيق الآية الأولي واجباً فان تطبيق الآية الثانية واجب أيضاً، لماذا الاصرار دائماً علي أن نزايد علي مالا نفهمه فهماً نهائياً و»السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه ان الله غفور رحيم« الا ان الأصوليين من العلمانيين علي الطرف الآخر يزايدون فيما هم عنه غافلون او متغافلون لاقتران رؤيتهم للتشريع الاسلامي بالكهنوت وهو ما يجعل منهجية التفكير قد أصابها العوار حيث ان الصالح العام والتدرج والمرونة قد غابت عن الطريق! ان المزايدة من الطرفين تستدعي العقلاء ان يتدخلوا بتوضيح الحقائق لعامة الناس فليس كل ما يقال في الإعلام قضية مسلماً بها من أي من الطرفين بل ان الاعلام قد دخل طرفاً ثالثاً أصولياً في هذه المزايدة الغريبة نحن لم نجد حتي الآن هذه المناقشة العقلية الرصينة لمبادئ قانون عمل جديد يربط الاجر بعدد ساعات العمل بكمية الانتاج وجودته ولم نجد هذه المناقشة المفيدة لترشيد الدعم وتحديد الأسر المستحقة لهذا الدعم وما عدد افراد هذه الأسر هل هل هو لانهائي كما هو الحال الآن ولم نجد هذا التغير الحقيقي في السلوك الفكري لمدعي الثقافة!! وكأن التغيير بعد الثورة هو مثل ما عبر عنه احد الاطفال في أحد الاعلانات »أنا بعد 25 يناير مبقتش اقول علي البامية يع«، هل اكتفي العلمانيين بأنهم تغيروا لدرجة انهم لا يقولون علي الاسلام يع؟ وهل كل التغيير الذي أصاب مدعي الاسلام السياسي انهم لم يعودوا يقولون علي غيرهم يع؟ وهل كل التغيير الذي أصابنا جميعاً اننا لم نعد نقول علي الحزب اياه يع لأنه اصبح منحلاً؟؟ اذا كان التغيير واحداً من هؤلاء أو هؤلاء جميعاً فان نزلاء طرة لاند يجلسون مبتسمين لانهم مازالوا يحصلون علي النتائج التي أرادها البعض منهم وهو ان نظل متخلفين!! يحيا الشعب المصري حراً كريماً وعلي الله قصد السبيل.