رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هل بإمكاننا تقديم تبرير عقلانى للديمقراطية؟ (2-2)

د.حمدي حمودة

الثلاثاء, 17 يناير 2012 09:12
بقلم - الدكتور حمدى حمـودة

يوجد هناك عـدد لا بأس به من الشعب يعارضون من يحكمونهم، ولا يعتبرون حكامهم ممثلين شرعيين لإرادتهم على الإطلاق، فلا جدال بأن الأغلبية بأعدادها الهائلة قادرة على إرغام الأقلية المعارضة على مسايرتها لإرادتها، ومهما كان مقدار ذلك الاعتراض الصامت للأقلية..!! ولدينا هنا فى أنظمتنا العربية مثل عظيم على ذلك،

الا أننا نؤكد أن هذا التفوق لا يتعدى غير انه تفوق فى العــدد والقوة فقط، وليس تفوقا فى العلم والأخلاق والفضيلة، لذلك يصبح لأى ديكتاتور فى العالم عندما يطمئن لسلطانه، أن يحقق قدرته على اتخاذ القرار بطريقة بعيدة عن التناقض والتذبذب، ذلك لأن الأغلبية المؤلفة من الأغبياء، من المقدر لها أن تهتدى لقرارات حمقاء أكثر من أغلبية أصحاب الرشد..!! ونحن نعتبر صوت المواطن الذى يجمع بين الرشد والعلم والشعور بالمسئولية والتحضر مساويا لضعف أو ثلاثة أضعاف صوت فرد واحد من الجهلاء الذين يساقون من أحواشهم كالقطيع فى يوم الانتخابات مقابل قليل من الجنيهات فى مقابل الإدلاء بأصواتهم (وهذا ما حدث بالفعل عندما فضح خصوم «بوش» ما قام به فى بعض الأحياء الفقيرة ليجلبهم للتصويت له) وهناك أكثر من فيلم هوليودى تعرض كاتبه لكيفية وصول الرئيس إلى البيت الأبيض عن طريق الكذب والغش والخداع والرشوة لبعض فئات الشعب، ثم أصبح ذلك تقليدا فى الأنظمة الأوروبية والعربية.!
ومن هنا يمكننا القول، إنه يتعذر عليا تقديم تبرير عقلانى للديمقراطية، وهذا يعتبر إجابة عن السؤال الذى بدأنا به المقال، فلقد اعتاد الجميع مصطلح الديمقراطية، مما أدى بهم الى تصورهم لها كأسوأ صورة من صور الحكم، باستثناء كل الصور التى سبق تجريبها، فلقد أصبحت الديمقراطية الأمريكية زيفاً ومن الممكن زوالها فى المستقبل، لأنها أصبحت (أناركية) أى فوضوية لكونها تعتبر جميع الحكومات تحمل شرورا فى ثناياها، مما أدى «ببوش» أن يسمح لنفسه بالقول بأنه مخول من قبل الله لنشر العدالة والحرية فى العالم، فبدأ فى اجتياح الدول التى يعتبرها ممثلة لمحور الشر..!! حتى يتمكن من رسم خريطة العالم الجديد، التى أعدها الصهاينة الجدد منذ عشرات السنين، وعلى كل رئيس أمريكى ديمقراطى أن يكمل المشوار الذى انتهى عنده سلفه.
لذلك وجب علينا أن نعرض بعض آراء الفلاسفة الذين منهم من يؤيد الديمقراطية ومنهم

من يعارضها، وهذا هو الفيلسوف (جون ديوى) نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، فهو واحد من الذين دافعوا عن الديمقراطية، لكن ليست أى ديمقراطية..! لكنها الديمقراطية التى تكون فيها الحرية الفعلية هى حرية العقل الذى يعد شرطا أساسيا لازدهار الروح الليبرالية، حيث أن الديمقراطية قد تراءت له كأسلوب شامل للحياة، وليست مجرد صورة من صور الحكم، فهى بدت له كتجسيم كامل لما تعنيه كلمة مجتمع، وتعد الممارسات السياسية التى اقترنت باسم الديمقراطية (أفضل الوسائل) التى اخترعت حتى الآن لتحقيق مشاركة كل إنسان ناجح فى تشكيل القيم التى تنظم عيش الناس سويا، ويرى (ديوى) هذا «التشكيل» الخاص بالقيم عملية مستمرة لا تنتهى من مسيرتها، على أن تكون روح الديمقراطية روحاً ليبرالية، لكونها لا تتوقف عن نقض مبادئها الأولى ولا يقلل هذا النقد ولا يضعف من روح المجتمع كما يدعى (الدوجماطيقيون) و(الراديكاليون) بل إنه يعزز الديمقراطية، فأين نحن اليوم من هذه الديمقراطية التى نادى بها (ديوى) التى تعتبر التجديد والنقد سمة أساسية لها، وكذلك العقل الذى يعتبر شرطاً أساسياً لقيامها..!!؟
ولقد أدرك (نيتشة) الفيلسوف الألمانى الذى عاصر «هتلر» وأيضا الفيلسوف (شوبنهور) قد أدركا أن العموم من البشر، يرون الليبرالية شيئا باردا للغاية لدرجة يصعب تحملها، ولذلك صور (نيتشة) شعار (شوبنهور) عن إرادة الحياة، إلى شعار آخر هو إرادة القوة، ويعنى بذلك (إرادة حرية العمل) وكان يجب عليه عندما يتحدث عن المستويات الدنيا أن يذكر ارادة السلام بدلا من إرادة القوة، فكل ما يتطلع إليه الإنسان الدارج فى هذه الحياة، هو أبسط أنواع السلام (أى سلام الطبيعين داخل أى دور من أدوار الحياة) إنه (أى الإنسان) أن يضحى بكل ما هو رخيص وغال من أجل هذه الغاية (السلام أو الاستسلام) التى يضعها فوق شرفه وكرامته وحريته، وهذا هو سر تعظيم الشرطة فى البلاد البوليسية (الأنظمة العربية) فما هى طبيعة عمل الشرطى..؟
إنه مجرد مشعوذ يعرض حمايته للإنسان فى مقابل طاعته له، فهو يحميه من رؤسائه ويحميه من المساوين له، ويحميه أيضا من نفسه..! ولكن كيف يحميه من نفسه..؟ يحدث ذلك عندما يمنعه من تناول المخدرات بكل أشكالها، ومن ضحيته لبنات الهوى (المومس)، وكل الأشياء الممنوعة التى اخترعتها الديمقراطية لهذه المهمة، والديمقراطية ذاتها وهم وخدعة كبرى اخترعتها الساسة وأصحاب المصالح الكبرى كنظام بديل لأنظمة سابقة لكى تجهز بها على النظام الديكتاتورى والملكى والإقطاعي، وتخليص العبيد من استعباد النبلاء والأسياد لهم، وأيضا تخليص طبقة البلوتاريا والبرجوازية من الفقر والجهل والمرض والارتقاء بهم الى سلم الحياة بالعدل والمساواة، ولكى تهدم الشعار السائد (الدين أفيون الشعوب) وذلك لتحد من سلطة العقيدة سواء كانت مسيحية أو اسلامية، ولتحرير الشعوب من طغيان الأباطرة والطغاة والحكام الذين استغلوا الديمقراطية لصالحهم ظل ذلك الفكر سائدا منذ القرن 17 وحتى نهاية القرن 19 إلى أن تجسدت فكرة الديمقراطية وتحققت المزيد من الثورات الأوروبية والعربية المتتالية بعد ثورة يوليو 1952، كل هذا من أجل تحقيق الحرية والعدل والمساواة، فهل تحقق ذلك بالفعل لشعوب أمتنا العربية والإسلامية..!!؟
فهل أصاب (نيتشة ) عندما قال أن الحرية شديدة البرودة، وتضر النخاع الشوكى للإنسان الدارج، والأسوأ من ذلك أنه يراها سلاحاً موجهاً ضده لو وقع فى أيدى أعدائه، وأنها تهدف الى قص أجنحة جميع أصحاب الأرواح الحرة، وتلجمهم بلجام عام محاولة تفريغ باقى جعبتهم من احترام الذات، وتحويل المتمردين (المفكرين والمبدعين) الى أناس مستأنسين وطبيعيين (ولقد نجحت كثير من الأنظمة العربية إلى شراء واستئناس الكثيرين من هؤلاء المتمردين فى الربعين سنة الماضية) وتقاس درجة نجاح الديمقراطية فى هذه السبيل، بمقدار نجاحها فى كسر أنوف هذا الصنف من الناس، وتحويلهم إلى دارجين ومستأنسين، أما مقياس التحضر، فهو مدى مقاومة هذا الفقر لما يراد لهم، وبذلك يكون نوع الحرية الذى يعد حقيقيا فى ظل الديمقراطية، هو حرية المعدومين فى تحطيم حرية الذوات..!
وهاهم أصحاب المليارات من أمثال (حكام الدول العربية المخلوعين وعوائلهم وحاشيتهم) هؤلاء من أعادوا الرشوة والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص مع هذه الأنظمة التى استبدلت الديمقراطية بالبلوطقراطية، هاهم زعماء الديمقراطية الذين يثيرون الشعور بالأسى الذى يشعر به الإنسان، والذى لا يجد فى أذياله غير التعاسة، لأن السحر الحقيقى للديمقراطية، لا يشعر به الديمقراطى، إنما يشعر به المتفرج، فمن حظ المتفرج أنه يتفرج على عرض رائع يعبر عن بطولة مثيرة للسخرية..!
فهى لا تعدو عن أنها ادعاءات هزلية زائفة، واستعراض للحماقات، وطريق متدفق من الغش والخداع، فلو أنك نظرت من حولك لما يحدث من جراء الديمقراطية فى كل من العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين والسودان، وما حدث فى الوقت الراهن فى مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين لزادت دهشتك من الذين يفخرون بأنهم ديمقراطيون، وهم فى حقيقة الأمر أفاكون..!!
[email protected]