ظاهرة أولاد الشوارع

د.حمدي حمودة

الاثنين, 24 يناير 2011 09:36
بقلم - د. حمدي حمودة

فى قفزة نوعية غير معهودة وباحساس ومشاعر ممـلوءة بالمسئولية الوطنية من بعض رجال الشرطة الأفذاذ أمثال اللواء محسن حفظى مساعد أول وزير الداخلية ومدير ادارة أمن محافظة الجيزة واللواء محمد الجابرى مدير الادارة العامة لمباحث رعاية الأحداث اللذين تمكنا من القبض على عصابتين فى شهر اكتوبر2010 حيث يقوم زعيم العصابة باختطاف الاولاد القصر وإرهابهم تحت وطأة السلاح الابيض ثم اغتصابهم وتشويه اجسادهم وذلك لاستغلالهم فى كل الاعمال غير المشروعة وقد تمكنا من القبـض عليهم فى كل من حى العجوزة والازبكية ومنطقة مشعل بالهرم.

 

لذلك نحن أمام ظاهرة خطيرة ربما تكون عالمية، ولكنها متفشية فى بلدان العالم الثالث وبعض البلدان النامية وهى ظاهرة (أولاد الشوارع) وعندما نذكر أولاد الشوارع يتبادر للذهن السؤال الآتى:

من هم هؤلاء؟ ومن أين أتوا؟ وإذا ماأردنا الاجابة عن هذين السؤالين باختصار شديد سنقول الآتى:

أولا: الجزء الاكبر منهم هم المتسربون من التعليم الالزامى لعدم قدرة أولياء الامور على إعالتهم  وتربيتهم وفي ذلك البند يلزمنا كثير من الوقت والشرح الوافى لكى نضع الامور فى نصابها.

ثانيا: هم أبناء لمواطنين يعيشون على الأرصفة وفى المقابر والكهوف، الرجل يتزوج بأكثر من امرأة وعليه أن ينجب عدداً وافراً من الأبناء، فتصبح الزوجات والأبناء ثروته الحقيقية، ويصبح على عاتقهم جلب المال بكل الطرق غير المشروعة (تسول - تجارة مخدرات ـ جنس ودعارة) ومن هنا كان بالضرورة أن تكون الأمية متفشية بينهم، مما أدى الى ارتفاع نسبة الأمية فى هذه البلاد.

ثالثا: أيضا من بين تكوينات هذه المؤسسة نسبة من أولاد "البغاء" الذين لاحول لهم ولا قوة، وعن طريق المصادفة يلتقطهم رؤساء هذه المؤسسة، وتتم اعالتهم حتى سن الخامسة ثم يبدأ تدريبهم على النشل والتسول بعد إحداث بعض التشوهات فى أجسادهم .

رابعا: أما العامل الاقتصادى المتردى فى هذه البلدان فهو يعتبر من أهم العوامل المسببة لهذه الظاهرة، وعاملا أساسيا فى ضخ أناس كثيرين تحت خط الفقر، وهذه النسبة لاتقل عن خمسين

فى المائة من نسبة السكان الأصليين، أما الخمسون فى المائة الأخيرة فمنهم عشرون فى المائة يمتلكون كل شيء والثلاثون الباقون هم ذوو الدخل المتوسط.

من هنا نستطيع القول إن ظاهرة أولادالشوارع قد استفحلت وتفشت فى الوقت الحالى حيث وصل تعدادهم اليوم لأكثر من مليون مقياسا بسنة 1975 حيث كان تعدادهم لايزيد علي ثلاثين ألفا، وذلك نتيجة التدهـور الاقتصادى الذى رفع نسبة الفقر فى مصر بصفة خاصة الى أكثر من ستين فى المائة، وكذلك زياد عدد السكان الذين بلغوا أكثر من خمسة وسبعين مليونا ومن هنا ارتفعت نسبة الأمية فى مصــرمن خمسة وثلاثين فى المائة سنة 1975 الى أكثر من ستين فى المائة، الأمر الذى جعلنا نقف أمام تحديات كبيرة مثلنا مثل الهند وباكستان وبنجلاديش وأفغانستان (مع الفارق فى عـدد السكان) أما العراق الذى لم يكن فيه أمي واحد قبل الغزو، فأصبح فيه مليونين بعد الغزو علما بأن عـدد السكان وقتها كان لايزيد على سبعــة وعشرين مليونا أثناء الغزو.

إذن كيف يمكننا القضاء على هذه الظاهرة ولو جزئياً؟

أولا: من المهم جدا أن نعرف أن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الدولة أولا وأخيرا، فمن الضــــرورى أن نعتنى بهؤلاء الأطفال من وقت وضع يدها عليهم حتى لو كان ذلك من عمر الرضاعة.

ثانيا: من الممكن أن تقوم الدولة بتجهيز مدن فى شكل قرى سكنية مجهزة لأن تكون صالحة للمعيشـة وأكثر تطورا من شكل الملاجئ الموروثة فى أذهاننا وملحق بها مدارس تشمل كل مراحل التعليـم.

ثالثا: يمكن للدولة تقسيم هذه القرى الى ورش صناعية (شاملة لكل أنواع الحرف اليدوية) بعد محو أمية هؤلاء الأطفال وكذلك بعد عمل الفحوصات الطبية وفحوصات مستويات الذكاء ومدى الإدراك

لدى كل منهم، وبناء عليه يمكن تخصيص كل مجموعة منهم في المجال الذى يمكن له النبوغ فيه كل فى مجاله (صناعة، زراعة، مواصلة التعليم الثانوى والجامعى للمتفوقين منهم) هؤلاء الجامعيون الذين خضعوا لمقاييس الذكاء، يتمتعون بنسبة ذكاء وادراك تصل الى ثمانين فى المائة ثم تأتى طبقة الصناع التى تتمتع بستين فى المائة وبعدها طبقة الزراع التى تتراوح النسبة بينهم ما بين ثلاثين الى خمسين فى المائة.

أما الطبقة التى مادون ذلك فيمكن أن يعملوا فى الأعمال الدنيا مثل أعمال النظافة والمجارى وملحقاتها وهناك طبقة يصل مستوى الذكاء لديها مابين الستين والسبعين فى المائة، تتمتع بصحة جيدة وأجسام قوية يمكن انتسابها الى القوات المسلحة يتم تدريبهم على كل فنون القتال بدلا من فئـة المتطـوعين الاعدادية والثانوية العامة ومثيلتها وراسبيها.

من هنا نستطيع القول بأن هذا البرنامج ستكون تكلفته كبيرة على نفقة الدولة، لكنه يعتبر أكثـــــر أمنـا فى القضاء على هذه الظاهرة التى تعانى منها كثير من دول العالم الثالث والنامى، ولأن مصر تعتبــر من الدول السياحية الكبرى، فإن من الضرورى أن يختفى من الصورة الجمالية التى تشكل الاطـار العام لمظهر الدولة هؤلاء المتسولون والمنبطحون على قارعة الشوارع والأرصفة وتحت الكبارى وعند اشارات المرور، حتى تنعم مصر بشكلها الحضارى والجمالى كما كانت عليه من قبل.

ربما يظن البعض أننى كثير التفاؤل، فيتساءل بينه وبين نفسه، متى يمكن لنا تحقيق هذا الحلم؟ متى يعود لمصر هدوؤها ورونقها؟ متى نرى مصر خالية من أطفال الشوارع والعربات الكارو، وبائعى الروبابيكيا ذوى الميكروفونات المصمة للآذان.

أنا أرى أن هذا ليس بعيد المنال، وتحقيقه يسير جدا لو أن الدولة أخذت على عاتقها الإصرار على التخلص من تلك الظاهرة التى سبقتنا فى التخلص منها العديد من الدول المتقدمة، لقد حدث ذلك فى الاتحاد السوفيتى سابقا وفى روسيا حاليا، وحدث ذلك فى ألمانيا، ويحدث ذلك فى اسرائيل حيث تقوم بتبنى المئات من أبنائها منذ نعومة أظافرهم ليصبحوا خبراء فى شتى المجالات خاصة النووى منهـا.

ان هؤلاء الأطفال يعتبرون فى أى دولة بمثابة ثروة قومية، فلا يحق للدولة أن تغفل وتغمض العيـن عنهم، فهم أولا وأخيرا أبناء الشعب الذين هم (تحت خط الفقر) وهم الذين وجب على الدولة رعايتهم واحتضانهم حتى يمكن لها امكانية توظيفهم فى القطاعات التى سبق الاشارة لها، وبذلك تكون قضـت على الأمية أولا وعلى التشرد والتسول ثانيا وأحدثت زيادة فى الانتاج، وسرعة التنمية فى الكثير من المجالات الصناعية والزراعية والعلمية.

[email protected]