تغيير المحافظين وتغيير الأفكار

د. حسين الجازوى

الخميس, 06 سبتمبر 2012 09:21
بقلم - د. حسين ياسين الجازوى

يكثر الكلام وينتشر الجدال حول إختيارالمحافظين، ويرى البعض أن معظمهم سيكون من حزب الحرية والعدالة تمهيدا لما يطلقون عليه أخونة الدولة، وينقسم الناس بين مؤيد ومعارض وتضيع الآراء الموضوعية والأفكار الجوهرية فى خضم الخلافات الحزبية والشكلية.

وعلى ضجيج الخلافات والشائعات التى تجتاح معظم المحافظات التى لم يصدر قرار بتعيين محافظين جدد لها حتى الآن إتصل بى أحد أصدقائى الصحفيين يسألنى عن رأيى فى فى بعض الأسماء والأشخاص التى ترشحها الشائعات لتولى منصب محافظ الفيوم.  ومع تقديرى للجهد المشكور وغير المنكور لمحافظ الفيوم الحالى ولأنى لا أحب شخصنة الأمور ولا حزبنتها فقد تحدثت عن الصفات التى أراها جوهرية ومطلوبة فى أى من المحافظين فى هذه الفترة التى يجب أن يكون عنوانها الهيكلة والتطهير والتغيير والتنمية سواء كان ذلك فى الفيوم أو فى غيرها من المحافظات.  وما إن أنهيت محادثتى مع صديقى الصحفى وفكرت فى الأسماء التى ذكرها ومدى التشابه بينها حتى تداعت إلى فكرى كلمة الإقتصادى الأمريكى كلينت ستون الذى قال معلقا على أسباب نجاح الأشخاص أوفشلهم "هناك إختلافات بسيطة واخرى كبيرة بين الناس، فالإختلافات البسيطة هى النظرة تجاه الأشياء أما الإختلافات الكبيرة فهو كونها سلبية أو إيجابية"   والحقيقة أن التاريخ يصدق هذا الكلام والواقع أيضا يؤكده.  وماحدث من نجاح وتحول فى ماليزيا والهند وسنغافورة وتركيا واليابان لم يحدث

إلا حين تولى زمام الأمور مسؤلين لديهم نظرة إيجابية تجاه الواقع وتجاه شعوبهم وثقافتهم وأفكارهم.  ويصدق هذا حتى فى مجال اللعب فلو تفكرنا فى واقع كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى فى مصر سنجد أن حال الأهلى والزمالك محليا وأفريقيا يعبر بصدق عن ماقاله كلينت ستون.  وفى حرب أكتوبر كنا نعلم أننا فى وضع إقتصادى صعب وأمام ممر مائى قد يتحول إلى لهيب مهلك وصرح ترابى قد يكون من المستحيل عبوره ويحتاج لقنبلة نووية لفتح ثغرة فيه وأمامنا عدو مدجج بأحدث أنواع الأسلحة وقد حاول بإعلامه وأبواقه أن يبث اليأس والخوف والهزيمة فى قلوب قادتنا وجنودنا وشعبنا لكن بفضل لله لم تتغير نظرتنا الإيجابية لأنفسنا فقد كنا نثق فى تخطيط قادتنا وعقول شبابنا  وإرادة جنودنا وإيمان شعبنا ونثق أن النصر من عند الله فكانت النتيجة التى أزهلت العالم أجمع.  لكن للأسف ان ما حدث بعد ذلك كان مغايرا تماما لهذه الروح وهذه النظرة فقد إستطاع الأعداء بمعوناتهم وأبواقهم وأزنابهم وحكامنا وإعلامنا أن يبثوا فى روعنا أننا دولة فقيرة وإمكاناتنا قليلة وأرضنا صحراء جرداء وسكاننا فوق ماتحتمله ظروفنا وأن المعونة ضرورة
والإستغناء عنها مستحيل لدرجة أن رئيسنا كان يعايرنا بأنه يتسول ليطعمنا.  وللأسف سادت هذه النظرة السلبية وسكنت بكثرة تكرارها وجداننا وعقولنا لدرحة أنه مع كل هذا الجمال الذى حاباه الله لأرض الكنانة وهذا التاريخ وهذه الحضارة وهذه الكنوز الجيولوجية والبيئية والطبيعية التى يتحدث عنها العلماء والباحثين فى الحالة المصرية كان المسؤلين يديرون مصر بمنطق المثل العامى "أيه تعمل الماشطة فى الوجه العكر"  فحولوا حيتنا بنظرتهم السلبية لأنفسهم ووطنهم إلى قبح ومهانة ومزلة.  وبما أن التغيير هو بداية النمو والإدراك هو بداية التغيير.  فنحن بحاجة أولا لمسؤلين يدركون أن مصر ليست بلد فقيرة وأنها أغنى كثيرا من كثير من البلدان التى تقدمت وسبقتنا وأن الإنسان المصرى إنسان يستحق كل التقدير وهو ليس عبىء بل هو كنز وثروة حقيقية وقادر أن يحرز السبق وأن ينتصر فى ميدان التنمية بماحباه الله من عزيمة وقدرة وفهم وزكاء.  وبحاجة ثانيا أن يكون هؤلاء المسؤلين على علم أن الإدراك يؤتى ثماره بالتغيير الذى يبدأ أولا فى الأفكار.  فعندما تقرأ كمثال عن محافظة الفيوم وموقعها وطبيعتها ووديانها ومحمياتها الطبيعية وصحرائها ونباتاتها وكنوزها وتكويناتها الجيولوجية وتاريخها وآثارها التى تبدأ بحفريات ماقبل الإنسان وقبل التاريخ ثم الفرعونية واليونانية والرومانية وأن محافظة الفيوم واحة مصرية وصورة مصغرة من مصر الأم  حيث يمثل بحر يوسف نيلها ودلتاها وتمثل بحيرة قارون شمالها الساحلى فعندما تقرأ كل ذلك وأكثر ثم ترى البؤس على وجوه الناس والفقر الذى يسكن فى قعر البيوت والحاجة التى يئن تحت وطأتها الرجال والنساء والبطالة تطارد الشباب فى كل شارع وحارة وبيت فلن تكون إلا على يقين أن نظرتنا السلبية وأفكارنا الإنهزامية هى التى أوصلتنا إلى مانحن فيه الآن.