الثورة الثانية

بقلم - د. حسين ياسين الجازوى

من عادة الشعب المصرى أن يهب ويتحرك ويتكاتف عندما يحس بإقتراب الخطر وقد يتباطأ ويهمل ويصيبه الملل سريعا عندما تتكرر الأحداث ويتصور أنه ليس هناك جديد ولايوجد تهديد، وماحدث فى المليونيات بعد الثورة وإنتخابات الرئاسة الأخيرة ليس إلا تطبيقا لهذا السلوك وتعبيرا عن هذه الطبيعة.  فعندما كان يستشعر الشعب الخطر على ثورته كانت تخرج المليونيات بكثافة ويشارك الشعب بقوة، وعندما كانت تتكرر المليونيات

ويدرك الشعب أنها ليست إلا نوعا من الحشد أو الإستعراض وليس هناك خطر حقيقى يهدد مكتسبات الثورة كانت تتحول الدعوة للمليونيات إلى نداء فى الفراغ وتتحول المشاركة إلى إعراض.  وهذا أيضا ما حدث فى إنتخابات الرئاسة الأخيرة التى جاءت بعد إنتخابات الشعب والشورى ولم يتوقع الجميع أى تهديد للثورة وظن الجميع أن الخلاف حول كرسى الرئاسة ليس إلا خلافا شكليا بين قوى ثورية ورؤى وطنية، حيث يتشابه الخطاب السياسى والرؤى المطروحة للتعامل مع القضايا الملحة ولا يوجد فيما يطرحة المرشحون من برامج للتعامل مع هذه القضايا الحيوية كالأمن والبطالة والتنمية والصحة والتعليم إختلاف واضح بل يتشابه إلى حد كبير الخطاب السياسى وما يقوله مرسى أو صباحى أو أبو الفتوح أو حتى عمرو موسى الذى كان يعتبره البعض غير محسوب على النظام القديم.  وقد كان هذا التشابه والتقارب بين المرشحين واضحا فى مطالبة البعض أن يتنازل أبو الفتوح لحمدين ويكون نائبا له أو

يتنازل حمدين ويكون نائب لأبو الفتوح كما كان واضحا فى رفض الكثيرين فكرة نزول مرشح للإخوان على أساس أنهم كانوا يعتبرون أن الدكتور أبو الفتوح يمثل نفس التوجه وأن الأولى الإلتزام بما أعلنه الإخوان فى بداية الثورة بأن لا يكون لهم مرشح للرئاسة إثباتا للمصداقية وحرصا على الإصطفاف الوطنى وتأكيدا لشعار المشاركة وتفنيدا لإتهام التكويش ومنعا لتفتيت الأصوات.   وقد جاءت الصورة العامة للمشاركة فى الإنتخابات معبرة عن هذا المزاج العام الذى أصابه الملل من تكرار الإنتخابات ومل الخلافات مع عدم وجود فوارق أو إختلاف واضح بين المرشحين الثوريين وبرامجهم، كما لم يجد الشعب المصرى فى ما يجرى تهديدا للثورة أو خطرا يهدد مكاسبها، فغاب الإستنفار وقلت المشاركة وسادت حالة من عدم الإكتراث وكانت النتيجه معبرة عن الموقف فتقاسم الأصوات بصورة متقاربة مرسى وحمدين وأبو الفتوح.  وحصل أحمد شفيق على 5 مليون صوت إعتبرها البعض مفاجأة ونتيجة غير متوقعة ، مع أن التفكير المنطقى والحسابات الصحيحة تبين أنه لا يوجد فى ما حدث أى مفاجأة أو صدمة، فقد حصل شفيق على هذه النتيجة بدعم المسيحيين الذين وجدوا فى تصريحاته طمأنه لبعض مخاوفهم التى أثارتها بعض التصريحات
غير المسؤلة التى أعلنها بعض المحسوبين على التيار الإسلامى، وبتأييد الفلول الذى تبناه ورعاه بقوة أعضاء لجنة السياسات والأعضاء البارزين فى الحزب الوطنى المنحل الذين عقدوا أكثر من إجتماع فى الأسبوع الأخير قبل الإنتخابات لوضع خطة التمويل والحشد، وكذلك بدعم الذين دغدغت مشاعرهم أحاديث شفيق عن إستعادة الأمن خلال 24 ساعة والقضاء على الفوضى، ومع كل هذا الإستنفار والدعم ودغدغة المشاعر لم يحصل شفيق إلا على5 مليون صوت فأين المفاجأة؟.  ولكن ما جعل لهذه النتجة صدمة المفاجأة هو أن شفيق جاء ترتيبه رقم 2 ويدخل الإعادة مع الدكتور محمد مرسى والحقيقة أن ذلك لم يكن بسبب ما حصل عليه شفيق من أصوات ولكن بسبب الملل الشعبى وعدم المشاركة بكثافة وتفتيت الأصوات بين رموز الثورة مما جعل لهذه النتيجة هذا التأثير.  ولكن بناء على نفس الأسباب وإستنادا إلى طبيعة الشعب المصرى الذى يهب عندما يحس بالتهديد ويتكاتف عندما يتوقع الخطر، من المتوقع أن يجعل الشعب المصرى إنتخابات الإعادة هى الثورة الثانية وسيخرج الشعب المصرى بالملايين للدفاع عن ثورته وسيثبت أن الثورة مستمرة وأنه لا مكان فى الحكم لمن شارك فى الفساد أو سانده وأنه مهما كان الإختلاف مع الإخوان إلا أنهم شركاء فى الثورة، ولكن على الإخوان أن يدركوا أن الكرة الآن فى ملعبهم وأن القوى الوطنيه تقف مصطفة معهم لأن الأمر لايحتمل رفاهية الخلاف ولايقبل التشتت وأن هذه فرصتهم ليبادروا بمد أيديهم ويفتحوا صفحة جديدة للتعاون وتحقيق شعار المشاركة وحماية الثورة وتحقيق الأهداف الوطنية.   ومن حسن الأداء وذكاء التصرف وصدق التعاون أن يقدموا ما يجعل هذه القوى تأتى للتعاون راغبة وليست مرغمة، ولا أظن أن هذا كثير على من ينصر الثورة ويقدم مصلحة الوطن.                                                                                                                   
------------
أمين عام حزب الوسط بالفيوم