رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الجزء الثالث

ليس إدمانا للمفاعلات النووية ولكنه ضرورة قومية

بقلم- د.م ابراهيم علي العسيري

تناولنا فى المقالين السابقين, في معرض التعقيب على ما نشر بعنوان "إدمان المفاعلات النووية " فى الأهرام بتاريخ 24 مايو بقلم الطبيبة سهير منصور, تحليلا لمدى أمان مشروع المحطة النووية  بالضبعة ولعدم صحة الإدعاء بأن المفاعل النووي سينتج على أقل تقدير 5000 طن نفايات نووية وأن هذه النفايات ستظل تلوث الأرض والمياه الجوفية لألاف السنين وتهدد أطفالنا وتهدد الأجيال القادمة بالمرض.

ونتناول الآن النقطة الثالثة من قول الكاتبة التى تقول فيها:

"المفاعل النووي على المستوى القومى سيحتاج حماية عسكرية وتجهيزات ومضادات صواريخ ومضادات طيارات لحمايته شأنه شأن كل المفاعلات فى مناطق الصراعات، وهذا سيرهق ويستنزف جهد قواتنا المسلحة الباسلة ويستهدف طاقاتها فى حماية منشأة داخلية بعيدا عن مواجهات حدودية، وهذا هدف ومطلب للعدو ويجعلنا فى حالة طوارئ مستمرة لمدة خمسين سنة "

ونعقب بالأتي:-

أولا : أى مفاعل نووى بعد تشغيله لا تستطيع أى دولة فى العالم تعريضه للخطر بالقصف العسكرى أو خلافه لأنها ستكون أيضا أول الدول المتضررة بذلك بالإضافة الى دول منطقة الشرق الأوسط ودول أوروبا. ومع ذلك فإن المفاعل النووي شأنه كشأن أى منشأة أخرى حيوية فى مصر سواء محطات كهرباء تقليدية أو محطات طاقة شمسية أو أى منشآت أخرى حيوية تخضع لوسائل الحماية والتأمين التى هى من أعمال القوات المسلحة...

ثانيا : أن محطات الطاقة الشمسية اذا سلمنا بمبدأ مناطق الصراعات – تكون هدفا أكثر إغراءا للقصف الجوى لسببين أولهما أنها تشغل مساحات مكشوفة وثانيهما أنه لا يتولد من قصفها أى أضرار عكسية سواء على الدول المعنية أو دول الشرق الأوسط أو دول أوروبا.

ثالثا: لو أخذ بهذا الرأي بأن موقع الضبعة غير مناسب للمحطة النووية من حيث أنه سيكون هدفا عسكريا سهلا للقصف  من جانب اسرائيل ، فماذا نفعل بالسد العالى ...اليس أيضا- بهذا المنطق - هدفا سهلا بل أسهل من قصف المحطة النووية... حيث أنه إذا كان هناك محاذيرمن قصف محطة نووية شغالة لإضرارها بدول عديدة فى محيط التأثير المباشر, مثل اسرائيل والاردن وجنوب البحر المتوسط وليبيا والسودان ودول الخليج والمملكة العربية السعودية, إلا أن قصف السد العالي لن تضار منه سوى مصر...

أما النقطة الرابعة التى وردت فى المقال على لسان الطبيبة فتقول فيها "الاستثمارات الضخمة التى تحتاجها المفاعلات حتى لو كانت قروضا, من الممكن أن تستخدم فى مشروعات الطاقة المتجددة لتوفير فرص عمل أكثرو تولد كهرباء بدون مخاطر كما فى مشروعات الطاقة الشمسية يقينية الجدوي بصعيد مصر..."

نعقب بالأتى:

اولا: الإستثمارات الضخمة فى المفاعلات النووية, التى تشير إليها الطبيبه, معظمها عروضا تمويلية من الدول المتقدمة بعطاءات المشروع وتسدد من الوفر فى تكلفة استخدام الغاز والبترول عن الوقود النووية.

ثانيا : أن المحطة النووية الواحدة تغطى تكاليفها فى فترة خمس أو ست سنوات على الأكثر فقط من فرق تكلفة الكيلو وات ساعة للمحطات النووية عن تكلفة الكيلووات ساعة من أى نوع من أنواع إ نتاج الكهرباء الأخرى سواء غاز أو بترول أو فحم أو شمسية أو رياح.

ثالثا: أن الطاقة الشمسية وكذلك طاقة الرياح وحتى مع توفير  قروض تمويلها لا يمكن استخدامها كبديل عن الطاقة النووية وخاصة أن معدلات استهلاك الكهرباء ترتفع بأكثر من 7% سنويا لتغطية احتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية مما يلزم معه توفير المزيد من

محطات توليد الكهرباء مع الحد من  مزيد الاعتماد على الغاز والبترول. فبينما يبلغ إجمالي القدرة الكهربية الحالية حوالى 25000 ميجاوات كهرباء فإنه يلزم إضافة على الأقل 40000 ميجاوات كهرباء خلال الخمسة عشرعاما القادمة. والسؤال كيف يمكن توفير هذه الإحتياجات المستقبلية من الكهرباء؟ الإجابة القاطعة هي أنه لا يمكن الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحدهما فى توفير احتياجات الطاقة الكهربية المستقبلية بل من الضروري الاعتماد على الطاقة النووية ( للحد من مزيد الاعتماد على الغاز والبترول) فى توفير الجانب الأعظم من هذه الاحتياجات الكهربية مدعومة  باستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما تسير عليه جميع دول العالم المتقدم والنامى ومن لديه خطط طموحة لتوفير الطاقة. ومن يقول أنه لدينا الشمس الساطعة والرياح وهما كافيتان لتوفير هذه الاحتياجات هو كمن يدفن رأسه فى الرمال أو يصم أذنيه أو يغمض عينيه عن حقائق كثيرة لا يمكن معها الاعتماد على الشمس والرياح وحدهما لتوفير هذه الاحتياجات الطموحة من الطاقة الكهربية. وأول هذه الحقائق هي أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ليست بالطاقة الكثيفة والمعول عليها فى أى بلد من بلاد العالم بمعنى أنها لا يمكن الاعتماد عليها فى توفير الجانب الأساسي من الاحتياجات الكهربية بغض النظر عن مستوى سطوع الشمس أو توفر الرياح بالسرعة المناسبة. ويرجع ذلك الى كبر المساحة اللازمة لتوليد كل ميجاوات كهرباء كما يرجع الى انخفاض معامل الاستخدام الى اقل من 25% . فعلى سبيل المثال، فقد تم إنشاء مجمع طاقة شمسية حرارية

Energy Generating Systems ( SEGS)  Solar

لتوليد الكهرباء فى  ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي أكثر بقاع الأرض فى مستوى سطوع الشمس وبما يفوق أى موقع آخر بدول أخرى مثل مصر أو اليابان أو اسبانيا أو غيرها. وهذا المجمع هو أكبر مجمع شمسي على وجه الأرض حاليا ومع ذلك فإنه يتكون من 9 مجمعات شمسية  إجمالي قدرتها الكهربية فقط 354 ميجاوات كهرباء فى حين أن متوسط القدرة الإجمالية للتشغيل لا تتعدى 75 ميجاوات كهربـــــاء

( اى معامل التشغيل يعادل 21% فقط ) وفى حالة غياب الشمس فانه يتم تشغيل تربينات غازية تعمل بالغاز الطبيعى. ويغطى هذا المجمع مساحة 6.5 كيلو متر مربع ويشمل حوالى مليون مرايا عاكسة لو تم صفها فى خط واحد لبلغ طوله 370 كيلو متر. وهناك نوع آخر من محطات الطاقة الشمسية والمسمى بالمحطات الكهروضوئية photovoltaic وأكبر محطة حاليا من هذا النوع على مستوى العالم تبلغ قدرتها 80 ميجاوات كهرباء وهى محطة سارنيا الكهروضوئية لتوليد الكهرباء والمقامة فى أونتاريو بكندا، وتغطى هذه المحطة حوالى 4 كيلو متر مربع ويتوقع منها طاقة كهربية سنوية مقدارها 120000 ميجاوات ساعة  فى العام مما يعادل ما تولده محطة نووية بذات القدرة (80 ميجاوات كهرباء) في شهرين فقط.

فإذا نظرنا الى موقع الضبعة والمخطط إقامة

من 4-6  محطات قوى نووية بها بإجمالي قدرة كهربية يمكن أن تصل الى 10000 ميجاوات كهرباء  وبمعامل تشغيل حوالى 90% وتوفر طاقة مقدارها حوالى 80 مليار كيلو وات ساعة فى السنة الواحدة، فهل تعلم لو تقرر استبدالها بمحطات طاقة شمسية حرارية وبمعامل تشغيل حوالى 20% فإننا نحتاج الى توفير محطات طاقة شمسية حرارية تشغل مساحة لا تقل عن حوالى 700 كيلو متر مربع أى ما يعادل المسافة من الإسكندرية الى الضبعة بمحاذاة البحر وبعمق حوالى خمسة كيلو مترات ... هل يمكن تخيل ضخامة هذه المساحة وهذا فقط لإحلال محطات الطاقة النووية بموقع الضبعة  بمحطات طاقة شمسية فما بالك بالمساحات المطلوبة فى حالة الاحتياج الى قدرات كهربية إضافية، كما تحتاج هذه المحطات الشمسية الى أكثر من  100 مليون مرايا عاكسة يبلغ طولها لو صفت فى خط واحد حوالى 40000 كيلو متر أى حوالى أربعون مرة المسافة من الإسكندرية الى أسوان.وهل تعلم حجم أعمال الصيانة لهذا العدد الضخم من المرايا وما تحتاجه من عمالة ووقت وتكاليف ؟ وهل تعلم مدى الخسارة التى قد تنجم عن هبوب أى عواصف رملية أو ترابية أو رياح شديدة. هذا يوضح لنا لماذا مساهمة الطاقة الشمسية تبلغ فقط حوالى  0.02 %  فى توفير احتياجات الكهرباء على مستوى العالم ( مقارنة بمساهمة الطاقة النووية والتي تبلغ أكثر من  16% ).  ويوضح لنا أن الولايات المتحدة الأمريكية رغم توفر سطوع الشمس بها فإنها تأمل أن تصل بنسبة مساهمة الطاقة الشمسية بها الى 10% بحلول عام 2025. وهنا نشير الى أن الولايات المتحدة الأمريكية بها 104 محطة نووية تساهم بمقدار 20.02% فى تغطية احتياجاتها من الكهرباء( حسب إحصائيات إبريل 2011). وكمثال آخر نجد أن اعتماد اسبانيا على الطاقة الشمسية لا يتعدى 2.7% فى حين أن مساهمة الطاقة النووية بها تبلغ  17.5 %  خلال 2010 ورغم أن أسبانيا هي أكثر دول أوروبا فى سطوع الشمس بها كما أن أسبانيا هي رابع أكبر دول العالم فى تكنولوجيا الطاقة الشمسية. وهذه ألمانيا نجد أن اعتمادها على الطاقة الشمسية يبلغ حوالى 2% فقط من إجمالى الكهرباء المولدة بها فى حين أن الطاقة النووية بها تبلغ مساهمتها 26.1%. وقد أعلنت ألمانيا أنها ستحتاج إلي إضافة

محطات أحفورية (غاز أو بترول أو فحم), وليست محطات شمسية, عند الإستغناء عن المحطات النووية.

أما طاقة الرياح فلا يمكن الاعتماد عليها وحدها فى توفير الاحتياجات الأساسية من الطاقة الكهربية بسبب محدودية المواقع المناسبة والتي يلزم أن يتوفر بها سرعة الرياح المناسبة ويلزم ألا تحدها موانع من منشآت أو مباني بالإضافة الى أن محطات الرياح تحتاج الى مساحات واسعة لضرورة توفير حد أدنى من المسافات بين مراوح الرياح وبالإضافة الى عامل عدم ثبوت سرعة الرياح على مدار اليوم وعلى مدار العام.

أضف الى ذلك أن تكاليف تشغيل وصيانة محطات الطاقة الشمسية والرياح  تؤدى الى سعر كيلو وات ساعة  من الكهرباء أعلى بكثير من سعر الكيلووات ساعة من محطات الطاقة النووية.

ومع فإن خطة وزارة الكهرباء والطاقة تهدف الى رفع نسبة مساهمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الى 20% من إجمالى مصادر توليد الطاقة الكهربية بحلول عام 2020

من هنا أقولها صريحة، نحن فى خطر ومقبلون على أزمة طاقة خطيرة وإن لم يتخذ القرار بسرعة البدء فى إستراتيجية بعيدة المدى لتنفيذ مشروعات الطاقة النووية فستكون المشكلة مستعصية على الحل مستقبلا. إن أزمة المياه قد يمكن حلها بتحليه مياه البحر ولكن أزمة الطاقة كيف يمكن حلها لحظة وقوعها وخاصة أن محطة القوى النووية الواحدة سيستغرق إنشاؤها على الأقل خمس سنوات.

والى الجزء الرابع والأخير من هذا المقال نرد فيه بمشيئة الله على بقية ما ورد من نقاط فى مقال الطبيبة واضعين الحقائق العلمية المجردة أمام القارئ  والله المستعان.

______________________________________________________

كاتب المقال حاصل علي جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الهندسية عام 1986 وحاصل علي نوط الاستحقاق من الطبقة الاولي عام 1995 وحاصل علي جائزة نوبل عام 2005 ضمن مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية مناصفة مع الدكتور محمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ذلك الوقت.

.