رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الطاقة النووية والزعم بإمكانية إستبدالها بالطاقة الشمسية

د. ابراهيم العسيري

الجمعة, 14 سبتمبر 2012 09:20
بقلم: دكتور مهندس إستشاري ابراهيم علي العسيري

ناقشنا في المقال الأول الزعم أن العالم يفكك المحطات النووية ويعطي ظهره الآن لاستخدام الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء. وأوضحنا الحقيقة أن العالم يبني المزيد من المحطات النووية ويزيد إعتماده علي الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء .

والآن نناقش زعم العديدين أن من الأفضل الإعتماد علي الطاقة الشمسية لتوفير إحتياجات الكهرباء المتزايدة والإستغناء بذلك عن مشروعات إستخدام محطات الطاقة النووية لتغطية هذه الإحتياجات.
والحقيقة أنه لا يمكن الإعتماد علي الطاقة الشمسية كبديل عن الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء ولكن يعتمد عليها فقط كمصدر طاقة إضافي بجانب الطاقة النووية .وفيما يلي تفاصيل الحقائق المؤدية لهذه النتيجة.
مع كل النواحي الإيجابية والمميزة للطاقة الشمسية فإنه يحكمها جوانب سلبية عديدة تمنع الإعتماد عليها كمصدر أساسي كثيف ومستمر للطاقة الكهربية.
أول هذه الجوانب السلبية وهو ما يطلق عليه كفاءة إستخدام الطاقة الشمسية ويعبر عن هذه الكفاءة عادة إما بالفدان أو الهكتار أو الكيلومتر المربع  لكل ميجاوات وتحسب بقسمة المساحة المستخدمة لمحطة الطاقة الشمسية مقاسة بالفدان او الهكتار او الكيلومتر المربع علي القدرة العظمى ( مقاسة بالميجاوات او بالكيلووات كهربي ).
وبالنظر إلى المشروعات التي تم تنفيذها ، أو الجاري إنشائها، نصل إلى النتيجة الآتية :- في مشروعات إنتاج الكهرباء بإستخدام الطريقة المسماه الفوتوفولتية Photovoltaic فإن كفاءة إستخدام الأرض تتراوح بين 4.5 – 13.5  فدان/ ميجاوات كهربي طبقا لنوع تكنولوجيا المرايا الشمسية المستخدمة وبالمقارنة بمحطات الطاقة الشمسية الحرارية Solar Thermal Power Plants فهذه الكفاءة تتراوح بين 5 إلي 11 فدان/ ميجاوات كهربي. وحيث أن الفدان يعادل حوالي 4000 متر مربع فإن محطات الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء تحتاج لكل 1000 ميجاوات (قيمة عظمى وليس متوسط) مساحة تتراوح بين 18 – 54 كيلو متر مربع. وحيث أن متوسط قدرة محطة الطاقة الشمسية إلى  القيمة العظمى لها تقل عن 25 % فإن المساحة المطلوبة لمحطة طاقة شمسية بمتوسط قدرة 1000 ميجاوات كهربي تتراوح بين 72 إلي 216  كيلو متر مربع.
بهذا القياس نجد أنه في حالة الحاجة إلى إنشاء محطات قوي كهربية بإجمالي 10000 ميجاوات كهربي (وهو الذي يمكن أن يقام في موقع مثل موقع الضبعة علي الساحل الشمالي بمصر والذي يبلغ إجمالي مساحته حوالي 50 كيلومتر مربع) يحتاج مساحة تتراوح بين 720 إلي 2160 كيلومتر مربع.
فإذا عرفنا أن المسافة من ساحل البحر المتوسط (غرب الأسكندرية) إلي بحيرة ناصر تبلغ حوالي 900 كيلو متر، فمعنى ذلك أن توفير  العشرة آلاف ميجاوات يلزمها محطات طاقة شمسية تغطي مساحة بطول المسافة بين ساحل البحر المتوسط غرب الأسكندرية إلى بحيرة ناصر(900 كيلو متر) وبعرض من 0.8 الي 2.4 كيلو متر. فماذا لو إحتجنا المزيد من الطاقة الكهربية, وخاصة أننا نحتاج سنويا من 2000 إلي 3000 ميجاوات كهربي قدرة إضافية لتغطية إحتياجات التنمية الإقتصادية والإجتماعية. وهل يمكن مقارنة ذلك بمحطات الطاقة النووية بذات حجم القدرة والتي يمكن إقامتها بموقع الضبعة وحده والذي  يبلغ طوله الساحلي 15 كيلومتر وعرضه حوالي 3 كيلو متر . إن أكبر عيب في إستخدام الطاقة الشمسية هو أنها ليست طاقة كثيفة، أي تحتاج لمساحة كبيرة جدا  لا تقارن بمحطات الطاقة النووية. المشروع النووي المصري يسمح بإقامة محطات نووية تغطي جميع إحتياجات الطاقة الكهربية المستقبلية اللازمة لمخطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية وبما يوفر من 2000 إلى 3000 ميجاوات كهربي سنويا. وقد تم بالفعل تحديد مناطق إضافية لبناء المزيد من المحطات النووية مستقبلا ولكن لم يتم بعد عمل الدراسات التفصيلية اللازمة لها.
ثاني هذه الجوانب السلبية هو عمليات الصيانة والتأمين. فعمليات الصيانة لمحطات الطاقة الشمسية مكلفة للغاية. ونأخذ دليلا على ذلك أكبر محطة شمسية شغالة حاليا في العالم وهي مجمع الطاقة الشمسية الحرارية لتوليد الكهرباء Solar Energy Generating Systems (SEGS)  بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا المجمع الشمسي إجمالي قدرته الكهربية 354 ميجاوات في حين متوسط القدرة الكهربية  علي مدار العام لا يتعدي 75 ميجاوات كهربي فقط.  ومع ذلك فإن هذا المجمع يشمل حوالي مليون مرايا شمسية لو تم صفها في خط واحد لبلغ طوله 370 كيلومتر. معني ذلك أنه بالقياس فإن

العشرة آلاف ميجاوات كهرباء التي يمكن توفيرها من مشروع المحطات النووية بموقع الضبعة تنتج طاقة كهربائية لو تم إستبدالها بمحطات طاقة شمسية فإنها تحتاج إلى حوالي 133 مليون مرايا شمسية وهذه لو تم صفها في خط واحد ليبلغ طوله 49300 كيلو متر أي أكثر من أربعة وخمسين مرة المسافة من ساحل البحر المتوسط غرب الأسكندرية وحتى بحيرة ناصر ... فهل يمكن تخيل حجم أعمال الصيانة اللازمة لصيانه هذا الكم الهائل من المرايا الشمسية وكم يستغرق من الوقت ومن العمالة؟ وكم نحتاج من وسائل وإمكانيات لتأمينها من أي أعمال تخريب أو شغب؟ وكيف يكون الحال في حالة حدوث رياح قوية أو عواصف رملية، وما أكثرها في صحاري مصر، مع العلم أن وجود الغبار علي المرايا الشمسية يقلل من كفاءة إنتاج الطاقة؟. وقد أثبتت الدراسات أن أكثر من 50% من فاعلية المرايا الشمسية يتم فقدانها في حالة عدم تنظيف المرايا لمدة شهر واحد, فضلا على أن عملية التنظيف يلزم أن تكون علي فترات لا تتجاوز الثلاثة أيام وتختلف طرق التخلص من الغبار على المرايا بإختلاف طبيعة الغبار وطبيعة الطقس في البلد.
ثالث هذه الجوانب السلبية هو إرتفاع تكاليف إنتاج وحدة الطاقة الكهربية ( كيلوات ساعة ) مقارنة بجميع مصادر إنتاج الطاقة الكهربية بما فيها مصادر الطاقة النووية وطاقة الرياح وغيرها. وجميع الدراسات الاقتصادية أثبتت أن تكلفة إنتاج الكيلوات ساعة من الطاقة الشمسية تزيد بأكثر من أربع مرات عن تكلفة إنتاج الكيلوات ساعة من الطاقة النووية, مع الأخذ في الإعتبار تكاليف تكهين المحطة النووية بعد انتهاء عمرتشغيلها الإفتراضي، وتزيد بأكثر من ضعف تلك المنتجة باستخدام طاقة الرياح أو الغاز الطبيعي وبأكثر من ثماني مرات من تلك المنتجة من المساقط المائية.
ورابع هذه الجوانب السلبية هو أنه من الناحية الفنية لا يمكن الإعتماد علي الطاقة الشمسية لتوفير الحمل الأساسي من الكهرباء التي يلزم توفيرها علي مدار العام حيث إن الطاقة الكهربية من محطات الطاقة الشمسية تتغير تغيرا حادا علي مدار اليوم والشهر وهو ما يتعارض مع الحاجة لتوفير طاقة حمل أساسي بصفة شبه منتظمة علي مدار العام كتلك التي يمكن توفيرها من محطات الطاقة النووية (أو محطات الغاز أو البترول أو الفحم أو المساقط المائية) .
خامس هذه الجوانب السلبية هو أن ليس كل المواقع تناسب محطات الطاقة الشمسية بل يلزم مساحات كبيرة شبه مستوية وليست مشغولة بزراعات أو مباني وغير متوقع استغلالها مستقبلا في إنشاء مباني سكنية أوإقامة أنشطة صناعية أوأنشطة زراعية، وخاصة أن حجب الشمس بواسطة المرايا الشمسية عن الأرض لفترات طويلة يسبب تعفن الأرض وفساد أرض الصحراء.
سادس هذه الجوانب السلبية هو عنصر المخاطرة حيث أشارت الدراسات الحالية لتحليل مخاطر إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المختلفة ( الجدول المرفق ) أن معدل  حوادث الوفاة لكل 1000 ميجاوات ساعة من استخدام الطاقة الشمسية تزيد حوالي عشر مرات عن تلك الناتجة من استخدام الطاقة النووية وتزيد بحوالي ثلاث مرات عن تلك الناتجة من استخدام طاقة الرياح وإن كانت تقل حوالي عشر مرات من تلك الناتجة عن استخدام الغاز الطبيعي. وتشير الدراسات أن محطات الطاقة الشمسية أكثر أمانا من المحطات المدارة بالفحم غير أنه من المؤكد أنها أخطر بكثير من محطات الطاقة النووية حتى في عام وقوع حادثة مفاعلات فوكوشيما اليابانية بسبب الزلزال والتسونامي الذين لم يحدث في مثل شدتهما قبل ذلك في تاريخ اليابان.
سابع هذه الجوانب السلبية هو تأثير مصانع إنتاج المرايا الشمسية علي الإنسان والبيئة، حيث تشير الدراسات أن المواد الكيميائية السامة
المستخدمة في تصنيع المرايا الشمسية تشكل عناصر ضارة بصحة الإنسان وخاصة العاملين في مصانع إنتاج هذه المرايا الشمسية وكذلك تاُيراتها الضارة عند التخلص منها في حال تكهين هذه المرايا. وتشير الدراسات أن هناك خمسون مادة كيميائية مختلفة مسببة للسرطانات ومرتبطة بصناعة وتكهين المرايا الشمسية (بعد عمر تشغيل يتراوح بين 15- 25 عام), ومن أمثلتها الكادميوم والزنك، ويستمر ضرر هذه المواد عند تكهين المرايا الشمسية وتخزينها وخاصة مع إحتمالات تسرب هذه المواد السامة إلى الجو الذي نتنفسه أو الماء الذي نشربه أو أنواع الطعام التي نأكلها. وقد أشارت منظمة الصحة العالمية في يونيو عام 2006 أن حوالي ربع الأمراض السرطانية التي يصاب بها الإنسان تنتج بطريقة مباشرة من المواد السامة، وصناعات الطاقة الشمسية هي أحد مصادر هذه المواد السامة. وتشير جمعية سموم وادي السيليكون Silver Valley Toxics Coalition   أن تصنيع المرايا الشمسية ينتج عنها مواد سامة مشابهه لتلك الناتجة عن صناعة أشباه الموصلات ومنها  تيترا كلوريد السيليكون Tetra Chloride Silicon وغازات سادس فلوريد الكبريت  Hexafluoride Sulfur. فمن أضرار تيترا كلوريد السيليكون أنها تسبب فقدان صلاحية الأرض لإنتاج المحاصيل وخاصة  إن كل طن إنتاج من البولي سيليكون Poly Silicon المستخدم في المرايا الشمسية ينتج عنه 4 طن من  تيترا كلوريد السيليكون.
هذه الجوانب السلبية  للطاقة الشمسية تفسر لنا لماذا مساهمة  الطاقة الشمسية بها تبلغ حوالي 0.02% في توفير احتياجات الكهرباء على مستوى العالم ( مقارنة بمساهمة الطاقة النووية التي تبلغ أكثر من 16% ). وتفسر لنا أن الولايات المتحدة الأمريكية رغم توفر سطوع الشمس بها وبمعدلات أعلى من مصر في بعض المواقع، فإنها تأمل أن تصل بنسبة مساهمة الطاقة الشمسية بها إلي 10% بحلول عام 2025. وهنا نشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية بها 104 محطة نووية تساهم بحوالي 20% في تغطية احتياجاتها من الكهرباء( حسب إحصائيات أغسطس 2012). وفي مثال آخر نجد أن اعتماد أسبانيا على الطاقة الشمسية لا يتعدى 2.7% في حين أن مساهمة الطاقة النووية بها تبلغ 17.5% خلال 2011 ، ورغم أن أسبانيا هي أكثر دول أوروبا في سطوع الشمس بها كما أن أسبانيا هي رابع أكبر دول العالم في تكنولوجيا  الطاقة الشمسية. هل يعلم هؤلاء أن الصين، وبها معدلات سطوع الشمس أفضل من مصر وثالث دولة على مستوى العالم في احتياطي الفحم، تبني حاليا 26 محطة نووية في آن واحد؟ هل يعلم هؤلاء أن روسيا، وهي أول دولة على مستوى العالم في احتياطي الغاز الطبيعي، تبني حاليا 10 محطات نووية في آن واحد؟.
إن وزارة الكهرباء تشجع التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة وترمي الخطة الحالية إلي الوصول إلي مساهمة مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 20% من إجمالي الطاقة الكهربية المنتجة في مصر بحلول عام 2020 ولكن ذلك بالإضافة إلي مشروعات الطاقة النووية وليس بديلا عنها.
من هنا أقولها صريحة، نحن في خطر ومقبلون على أزمة طاقة خطيرة ولابد من اتخاذ القرار المناسب بسرعة في البدء في إستراتيجية بعيدة المدى لتنفيذ مشروعات الطاقة النووية مدعومة بجميع مصادر الطاقة المتجددة من طاقة شمسية وطاقة رياح وطاقة الكتلة الحية والحرارة الجوفية وإذا لم يتم البدء في ذلك فورا فستكون المشكلة مستعصية على الحل مستقبلا.
أن أزمة المياه قد يمكن حلها بتحلية مياه البحر وهي تستلزم توفر الطاقة ولكن أزمة الطاقة كيف يمكن حلها لحظة وقوعها وخاصة أن محطة القوى النووية الواحدة يستغرق إنشاؤها حوالي الخمس سنوات بعد أول صبة خرسانية لها وحتى رفع قدرة تشغيلها تدريجيا إلى القدرة التصميمية لها. هل ننتظر حتي نضطر إلي إستيراد الكهرباء من الإمارات, التي بدأت بالفعل في إنشلء المجطات النووية منذ شهرين, كما نستورد القمح حاليا ومع الفارق فإن القمح يمكن توفير مخزون إستراتيجي منه لعدة شهور لتأمين إحتياجات الدولة في حال الأزمات أما استيراد الكهرباء فلا يمكن معه توفير أي مخزون إستراتيجي لتأمين إحتياجات الدولة في حال الأزمات
جدول يوضح حوادث الوفيات من المصادر المختلفة  لإنتاج الطاقة الكهربية لكل تيراوات ساعة
(http://nextbigfuture.com/2011/03/deaths-per-twh-by-energy-source.html)

مصدر الطاقة معدلات الوفاة (حالات الوفاة/التيراوات.ساعة) مصححة
الفحم (الكهرباء، الحرارة، الطهى) - متوسط عالمى 100 (26% من الطاقة العالمية، 50% من الكهرباء)
الفحم الكهرباء – متوسط عالمى 60 (26% من الطاقة العالمية، 50% من الكهرباء)
الفحم (الكهرباء، الحرارة، الطهى) - الصين 170
الفحم الكهرباء – الصين 90
الفحم – الولايات المتحدة الأمريكية 15
البترول 36 (36% من الطاقة العالمية)
الغاز الطبيعى  4 (21% من الطاقة العالمية)
الوقود الحيوى 12
فحم المستنقعات 12
الطاقة الشمسية (فوق الأسطح) 0.44 (0.2% من الطاقة العالمية لكل الطاقة الشمسية)
الرياح 0.15 (1.6% من الطاقة العالمية)
المساقط المائية 0.1 (معدلات الوفاة الأوروبية، 2.2% من الطاقة العالمية)
المساقط المائية – عالمياً متضمنة بانكياو 1.4 (حوالى 2500تيراوات.ساعة/السنة و171000 حالة وفاة فى بانكياو)
الطاقة النووية 0.04 (5.9% من الطاقة العالمية)

خبير الشئون النووية و الطاقة
كبير مفتشين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية (سابقا)
[email protected]

كاتب المقال حاصل علي جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الهندسية عام 1986 وحاصل علي نوط الاستحقاق من الطبقة الاولي عام 1995 وحاصل علي جائزة نوبل عام 2005 ضمن مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية مناصفة مع الدكتور محمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ذلك الوقت.