رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مشروع المحطة النووية وقول غير المتخصصين

بقلم: دكتور م./إبراهيم علي العسيري

قبل الدخول في الموضوع أسرد عليكم قصة ترجع إلي أكثر من خمسين عاما. القصة هي عن محرك السفينة العملاقة الذي تعطل واستعان أصحاب السفينة بجميع الخبراء الموجودين لكن لم يستطع أحد منهم معرفة كيف يصلح المحرك ، ثم أحضروا رجلا عجوزا ، سمعوا عنه من أهل المنطقة ، يعمل في إصلاح السفن منذ أن كان شابا يافعا وكان يحمل حقيبة أدوات كبيرة معه

. بدء الرجل العجوز فحص المحرك بشكل دقيق ، وكان معه إثنان من أصحاب السفينة يرقبونه علي أمل أن يعرفوا كيف سيصلح المحرك. بعد الإنتهاء من الفحص، ذهب الرجل العجوز إلي حقيبته وأخرج مطرقة صغيرة وبهدوء طرق علي جزء من المحرك وفورا عاد المحرك للعمل. وبعناية أعاد المطرقة إلي مكانها. المحرك تم إصلاحه بمجرد طرقة مطرقة!!!! بعد أسبوع وصل إلي أصحاب السفينة فاتورة الإصلاح من الرجل العجوز وكانت قيمتها عشرة آلاف دولار وتعجب أصحاب السفينة من غلو التكلفة رغم أن الإصلاح لم يتجاوز مجرد طرق بالمطرقة علي جزء من المحرك في أقل من دقيقة. لذلك كتبوا

للرجل العجوز مطالبين بفاتورة مفصلة. .أرسل الرجل الفاتورة تقول الطرق بالمطـرقة تكلف 2 دولار والمعرفة أين تطرق تكلفت 9998 دولار ( أي باقي العشرة آلاف دولار ).

        نستخلص من ذلك أن القيمة الحقيقية هي في المعرفة وفي أن يفتي الشخص (أو يعمل) في تخصصه وليس في تخصص غيره، أما من يفتون ويقولون في غير تخصصهم فإنهم لم ولن يصلوا إلي شىء سوي تضليل وإثارة من يستمع إليهم ممن يتوهمون أنهم يسمعون ويتعلمون من عالم في تخصصه . فالجيولوجي الذي يعتقد أنه متخصص في كل علوم الجيولوجيا ( وهي كما علمت 28 تخصصا ) ويفتي بما لا يعلم عن موقع الضبعة المخصص للمشروع النووي المصري هو تماما مثل المهندس المدني الذي يفتي في ميكانيكا السيارات . وكذلك الطبيبة الذي تفتي في استراتيجيات الطاقة النووية وفي أن التعامل مع النفايات النووية سيؤدي إلي تلوث المياه الجوفية هي
كطبيب الأسنان الذي يفتي في أمراض القلب, والعالم الكيميائي الذي يفتي بأفضلية الطاقة الشمسية كبيديل عن الطاقة النووية هوكعالم الرياضيات الذي يفتي في الجغرافيا. وأعجب لمن يسمع إليهم ويأخذ قولهم كحجة ضد إنشاء المحطات النووية. ألا يذكرون قول الرسول صلي الله عليه وسلم "أنتم أعلم بشئون دنياكم" وهو النبي الملهم ومع ذلك فهولايفتي فيما لاعلم له به.

إن القيمة الحقيقية ليست في مجرد الإسم الذي تحمله أو في الشهرة التي فزت بها. إنما القيمة الحقيقية هي في المعرفة التي تملكها وفي مجال تخصصك. القيمة الحقيقية هي في أن تقول وتعمل وتفتي فيما تعلمه علم اليقين وبما أنت متخصص فيه وفي ألا يتعدي قولك أو فعلك مجال هذه المعرفة التي تملكها او التخصص الذي تملكه وفي ان تترك ما لا تعرفه لمن يعرفونه. وصدق من قال قد أفتي من قال لا أعلم ... ولا أقول ذلك إتهاما للعالم الجيولوجي أو الطبيبة أو العالم الكيميائي وإنما أقوله فقط من باب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقالوا في الأثر أن الناس أربعة أصناف: عالم ويعلم أنه عالم فاتبعوه, وعالم لا يدري أنه عالم فنبهوه, وجاهل ويدري أنه جاهل فعلموه, وجاهل ولا يدري أنه جاهل فاجتنبوه. ونعوذ بالله أن نكون من ذلك الصنف الأخير .

---
كبير مفتشين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية (سابقا)  خبيرالشئون النووية و الطاقة