رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكم العواجيز

د.إيمان يحيى

الثلاثاء, 17 ديسمبر 2013 10:49
بقلم د.إيمان يحيى

ما أكثر كتب المذكرات التى يدبجها الزعماء والسياسيون! وما أكذب الكُتاب المحترفين، عندما يكتبون عن رؤساء حاليين أم سابقين!
وما أقل المذكرات التى يكتبها أناس عاديون، وضعتهم الظروف بالقرب من أحداث وشخصيات هامة، غيرت من مصير شعوب ودول وعالم بأكمله! وما أصدقها!

"حكم العواجيز" كتاب من هذا النوع الأخير، يحتوى على ذكريات كبير الحراس الشخصيين لحكام الكريملين. "ديميترى مدفيديف" المؤلف، ليس "بودى جارد" عادى، ولكنه الحارس الشخصى للزعماء السوفييت بدءا ببريجنيف ومرورا بأندروبوف وتشرنينكو وجورباتشوف. الكتاب صدر عن دار "الثقافة الجديدة" منذ أيام، وترجمه من الروسية الدكتور نبيل رشوان.
من خلال عينى "البودى جارد" مدفيدييف نرى حكام الكريملين المسنين، وتفاصيل حيواتهم السياسية والشخصية بلا رتوش. جانب نفتقده فى ثقافتنا العربية، فمنذ سقوط مبارك – مثلاًً- امتلأت الأسواق بركام كتب السياسيين والصحفيين عنه. لم نجد كتاباً واحداً ألفه أحد من العاملين فى قصره. ما المانع أن يحكى الحارس الشخصى أو الطباخ أو السفرجى أو المصور عن الرئيس؟؟! لا شك أن عين وشهادة غير

السياسى، تفتح زاوية جديدة للرؤية التاريخية قد تكمل رؤية السياسى. ولعل ذلك أحد ما ينقص ثقافتنا ومكتبتنا العربية. قبل مذكرات "مدفيدييف"، قرأنا مذكرات كبير اطباء الكريملين يفجينى شازوف، واكتشفنا معها أسرار رؤساء عرب مثل عبد الناصر، وبومدين. أسرار لم نعرفها من قبل! ومعها أسرار أمراض زعماء عالميين وسوفييت!
نكتشف فى كتاب "حكم العواجيز"، كيف انتهى حكم الحزب الشيوعى السوفيتى الى حكم لأقلية انفصلت عن شعبها، وكونت طبقة نخبوية. ذلك الولع الرهيب باقتناء السيارات الحديثة الغربية الذى تملك عقل بريجنيف، والخرف الذى اصابه فى آخر ايامه، وادمانه المهدئات والكحول..كل ذلك رتوش فى صورة الزعيم، الذى انهدت صحته، فاصبح محروما من التدخين واصبحت مهمة حراسه التدخين بدلا منه ونفخ الدخان فى وجهه فى منتصف الليالى كى ينام!
كنت فى تلك الأيام فى الاتحاد السوفيتى فى بعثة دراسية، كانت صور أعضاء المكتب
السياسى تزين جدران الشوارع وحوائط المعاهد والسكن الطلابى. وجوه طاعنة فى السن. كان المبرر وقتها أن العجائز قد زهدوا فى الدنيا، ولم يعد التكالب على مباهجها يدفعهم الى احتمالية الانحراف أو التورط فى الفساد! لكن الحقائق التى تكشفت فيما بعد، أثبتت أن الشيخوخة تجعل الزعماء ضعفاءاً أمام أقاربهم وأصدقائهم بدرجة كبيرة، فيبدأون فى العطايا ويصبحون لينى العراك أمام الآخرين الأقوياء. فى تلك الأيام، كنا نتندر: كيف يتأتى لمكتب سياسى أن يتخذ قراراً صحيحاً، وكل أعضائه بحلمون بانتهاء اجتماعهم ليفرغوا مثاناتهم التى أرهقتها البروستاتا؟!!

لاشك أن العوامل الشخصية تلعب دورا فى تاريخ الشعوب والدول. عن تلك العوامل يتحدث "البودى جارد"، فيحكى عن جورباتشوف وزوجته رئيسة وتطلعاتهم "البرجوازية" الشبقة. يتحدث عن القصور والاستراحات والأزياء والطعام. ويكتب عن الطبائع الشخصية وحب الظهور والشهرة. اسم الكتاب الحقيقى بالروسية هو "رجل فى الظهر". ذلك الرجل الذى نراه على الشاشات دائما وراء الزعماء، يبدو غير ملحوظ ولكنه على استعداد للقفز أمام الزعيم ليحميه ويتلقى الرصاصات بدلا منه. عيناه دائما تدور فى كل الأرجاء كالرادار يرصد أى أخطار محتملة، لكننا نكتشف أن تلك العينين لم تغفلا عن ملاحظة الزعيم وتصرفاته ونقاط ضعفه الانسانية وتسجلها!
تُرى، كم من وقت سيمر قبل أن نرى كتاباً لأحد حراس "مبارك" أو "مرسى"؟!