هل حقا الروس قادمون؟!

د.إيمان يحيى

الأحد, 17 نوفمبر 2013 22:19
بقلم د.إيمان يحيى

هل حقا الروس قادمون؟!..تلك الحالة الجماعية من البهجة التى انتابت المصريين البسطاء، تذكرنى باستقبال المصريين الأسطورى للرئيس الأمريكى فى عام 1974 !

مضى أربعون عاماً، ومازالت العواطف والانفعالات والأوهام تحركنا. الحقائق تقول أن السياسة بلا قلب، لا تعرف الا لعبة المصالح. لم تجئ الولايات المتحدة بأنهار الخمر والعسل والحياة اللذيذة. ساءت أحوال المصريين، فلم يحظوا من الانفتاح المدعوم أمريكياً إلا بالسفن أب والشيبسى والمعاش المبكر والبطالة وسيارات الاوتوبيس التى لم تعش سوى عامين، تلك السيارات كان مرسوماً عليها يد العام سام ممسكة بيد العم عوضين!
• ظروف مغايرة
بعيدا عن أحاديث العواطف والمبالغات اتى نجيدها كشعوب عربية، لابد من حديث للمكاشفة ولاستكشاف أفاق تطور العلاقات المصرية- الروسية فى مرحلة جديدة. ولنضع بعض الحقائق والمحددات أمامنا:
أولاً  أن الظروف السياسية والاقتصادية والعالمية قد تغيرت بشكل كبير عنها فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى. ليست روسيا، هى الاتحاد السوفيتى الذى يحكمه الحزب الشيوعى. وليست مصر الناصرية هى الموجودة اليوم. لم تعد الأيديولوجيا والعداء للاستعمار يحكمان العلاقة بين البلدين. صحيح ان العلاقات الرسمية بين البلدين ممتدة منذ منتصف القرن الثامن عاشر رغم انقطاعات اعترتها. وصحيح أيضا أن تلك العلاقات انتابتها عواطف الإعجاب والود فى منتصف القرن العشرين، والتى تجسدت بشكل درامى فى استشهاد مقاتلين وجنود سوفييت على الأرض المصرية إبان حرب الاستنزاف، والتى أيضاً اعترتها الاحساس بالخذلان وعدم الوفاء، وتلقى طعنة من الظهر اثناء حكم السادات. إلا أن العلاقات بين الدول تحكمها المصالح المشتركة وليست العواطف.
• حديث المصالح
ثانيا اذا كانت المصالح قاعدة للعلاقات الدولية، فيجب علينا ان نحدد مصالحنا المشتركة مع الروس، وأن نعين مانريده بالضبط من التقارب مع الدولة الروسية، وأن نستوعب فى نفس الوقت المصالح الروسية. تتطلع مصر الان الى علاقات اكثر توازنا فى المجال الدولى، بعد ان اكتشفت خطورة الارتماء بالكامل فى أحضان الولايات المتحدة. وقد يكون طموحا لدى البعض الخروج التدريجى من إسار التبعية السياسية والاقتصادية.
داخل ثنايا الهدف الاستراتيجى المصرى تندرج مهام عديدة منها: البدء فى تنويع مصادر السلاح عبر صفقات لشراء السلاح الروسى، التعاون الاقتصادى فى مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا الحديثة، استعادة السياحة الروسية وهى الأولى من حيث

عدد السياح بالنسبة لمصر، فقد وصلت الى حوالى 2مليون سائح قبل ثورة ياناير بعامين. وهناك مساحة مشتركة كبيرة فى السياسات الدولية والإقليمية للبلدين.
فى نفس الوقت علينا ادراك ان مصالح روسيا فى المنطقة تتمثل فى تعويض مافقدته من تأثير بسقوط أنظمة الحكم فى العراق وليبيا. وان الأسطول السابع الروسى فى البحر المتوسط يحتاج الى تسهيلات بحرية للامداد والتموين والاصلاح ، خاصة وان ميناء طرطوس السورى أصبح غير مأمونا فى ظل تطورات الحرب الأهلية السورية. ولعلى لا أذيع سرا بأن ذلك المطلب كان على مائدة المحادثات بين وزراء دفاع وخارجية البلدين. لا أجد مانعا من وجود تسهيلات للأسطول الروسى الى جانب التسهيلات والتدريبات المشتركة التى تتم بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية. ولعل ذلك يعيد توازنا مفقوداً.
لم تعد روسيا مثلما كانت فى الزمن السعيد. أصبحت تبيع السلاح وتتلقى الثمن نقدا مباشرة. ولم تعد تستخدم تجارة المقايضة "البارتر" على أوسع نطاق، كما كان. فى ظل رأسمالية الدولة الروسية وبراجماتية الحكم فيها، علينا أن نأخذ طريقا لا يعلق الأمانى على المساعدات المجانية ولا على هدايا بابا نويل القادم من بلاد الصقيع! علينا أن نبحث عما نقدمه للروس مقابل ما سوف يقدمونه لنا! وخاصة أن حجم التبادل التجارى بين البلدين قد وصل فى أحد الأعوام (2008) الى مايزيد عن مليارى دولار، كان نصيب الصادرات المصرية مائتى مليون دولار فقط!
• معوقات وعقبات
ثالثا  أن هناك معوقات وعقبات حقيقية أمام ذلك التعاون المقترب. لعل أهمها المقاومة والضغوط الأمريكية الخارجية على مصر، ولعل أخطرها وجود فئات معارضة فى البلدين لاستعادة الدفء للعلاقات بين البلدين. فى روسيا، هناك اللوبى الصهيونى المرتبط بالمصالح الاسرائيلية الذى بدأ فعلاً فى بعض وسائل الاعلام مهاجمة ذلك التطور بحجة وجود "انقلاب" ونظام غير شرعى فى مصر. وفى مصر هناك المتضررون من خروجها من إسار التبعية، وهناك أيضا النائمون
الذين يظنون ان روسيا الرأسمالية مازالت تنشر الشيوعية. ولعلنا نذكر هنا المقاومة للوجود الروسى من قبل البعض أثناء حرب الاستنزاف، والتى وصلت الى تكوين تنظيم سرى لتقويض العلاقة السوفيتية المصرية، والذى تورطت فيه أنذاك قيادة عسكرية كبيرة.
وهناك اشكالية ترتبط بما يتردد من تمويل السعودية وربما دولة خليجية أخرى لصفقة التسليح. إن ذلك يضع إرادة طرف ثالث فى معادلة العلاقة بين البلدين بما يحمله من تعقيدات. ولعلها مناسبة لأن نشير بأن مصادر من الوفد العسكرى الروسى قد صرحت للصحف الروسية بأن صفقة التسليح لم يتم تحديد حجمها بعد، وانها قد تصل الى مليارى دولار فى حالة تمويل طرف ثالث. وفى حالة عدم وجود ممول، فانها قد تبلغ عدة مئات من ملايين الدولارات، وأنه من الممكن زيادة حجمها واعطاء تسهيلات فى السداد فى حالة تقديم تسهيلات بحرية فى أحد الموانئ المصرية (الاسكندرية أو بورسعيد او دمياط او رشيد). وهنا لابد أن نشير الى أن دول سوفياتية سابقة فى أسيا الوسطى قامت بتأجير قواعد عسكرية للأمريكيين والروس فى أن واحد، ودون غضاضة من أحد. بينما يجرى الحديث فى مصر عن تسهيلات بحرية، وربما تدريبات مشتركة كما يحدث مع القوات الأمريكية.
رابعا   أن زيارة بوتين المرتقبة، والتى يتردد داخل الدوائر الروسية أنها قد تكون فى منتصف ديسمبر، ستكون خطوة كبيرة فى طريق تطوير العلاقات بين البلدين. وبغض النظر عن النوايا الحسنة للبعض الذى يريدها بمثابة زفة وفرح كبير شبيه بما حدث مع نيكسون، فإن المزاج الرسمى الروسى يعطى للترتيبات العملية وللوثائق وللمشروعات المدروسة الجيدة الأولوية. ولعل زيارة مرسى السابقة لروسيا، وما اعتراها من اضطراب وتشوش، خير مثال للزيارات الفاشلة. ذهب مرسى وهو يظن أن المحادثات مع الروس لا تحتاج الا لمعسول الكلام والمجاملات والهمبكة، فاستقبله بوتين فى سوتشى بين شوطين لمباراة هوكى وبعث بوزرائه للحديث مع اقرانهم فى موسكو! وكانت فضيحة تحدثت عنها الاوساط الروسية والعربية فى موسكو!
تحتاج الذاكرة الشعبية الروسية الى نسيان ماحدث ابان حكم السادات من نكران للجميل. تلك الطعنة من الخلف التى تتذكرها الأجيال السابقة من الروس عندما أدار السادات ظهره بالكامل لمن حارب معه وأعطاه السلاح، بل وقام بتسليم طائرة الميج 23 الحديثة أنذاك الى الأمريكيين ليعرفوا أسرارها. لا تفهم العقلية الأوروبية مهرجانات احتفالات الاستقبال، ولكنها تفهم الاجراءات العملية، وليس كثيرا علينا ان نكرم الشهداء والمصابين من الروس الذين حاربوا على أرضنا ودافعوا عن سمائنا وماتوا من أجلنا فى حرب الاستنزاف.
تلك بعض محددات ونقاط ارتكاز لتطوير العلاقات بين مصر وروسيا فى المستقبل. الروس عائدون، ولكن ليس بمنطق الماضى.
الروس عائدون، وهم رأسماليون كما نحن وأكثر منا. الروس عائدون بمنطق تبادل المصالح. وليتنا نستغل عودتهم لمصلحة بلادنا فى التخلص من التبعية.