رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قراءة قانونية تاريخية في مفهوم العصيان المدني :

د.أيمن سلامة

الاثنين, 13 فبراير 2012 09:16
بقلم : أ.د/ أيمن سلامة

ثارت  في  الاونة  الاخيرة  تعبيرات و  مصطلحات  سياسية  و  قانونية  ,  اكتنفت  المشهد  الثوري  في  مصر  بعد  ثورة  25 يناير  المجيدة  ,  و اقصاء  النظام الفاسد  البائد  للمتهم  محمد  حسني  مبارك , و  ساد مصطلح العصيان المدني المشهد السياسي في البلاد  ,  و  بلا  منازع ,  و  حاول البعض  ممارسة  ذلك  النهج  من  أشكال  الرفض  و العصيان  للسلطة  الحاكمة  في  البلاد  ,  من  أجل  تحقيق  استحقاقات  ثورية  معينة  , لم  يحصل  عليها  الثوار  حتي  الان  بعد  مرور  عام  من  الثورة  المجيدة  .

و  العصيان  المدني  , يعني رفض  الامتثال  و  تنفيذ  التشريعات  و القوانين  و  اللوائح  ,  للسلطة  الحاكمة  في  البلاد  , أو  سلطات  الاحتلال ,  و  ذلك  للضغط  علي  السلطات  المشار  اليها  لاثنائها  عن  القوانين  الجائرة  ,  من  وجهة  نظر  الرافضين  , أو  لرفض  سياسات و  ممارسات  و  اجراءات  معينة ,  و  قد  يلجأ  للعصيان  المدني للضغط  لنيل  الاستقلال   في  الأقاليم  و  الدول  التي  ترزح  تحت  نير  الاستعمار  أو  الاحتلال .

و  خلافا للحق في  الاضراب  ,  فان  المواثيق  الدولية  و التشريعات الوطنية  , لم    تعترف بان  اللجوء

للعصيان  المدني – بشكل مطلق – يعد  غاية سياسية  مشروعة    , كحجة  لانتهاك  التشريعات  و القوانين  و اللوائح  , التي سنتها  حكومة  شرعية  منتخبة   تحقيقا  للعدالة  ,  و صيانة  للنظام  العام  ,  و  تجسيدا لمبدأ  الشرعية ,و يبين  الاستثناء  في  شرعية  اللجوء للعصيان  المدني  و  غيره  من  أشكال  الرفض ,  في  حالة  الاحتلال  ,  حيث دأبت  المواثيق و  الاعلانات  الدولية الصدارة  عن منظمة  الامم  المتحدة  ,  و  غيرها  من  منظمات  دولية  اقليمية ,  علي  كفالة   اللجوء  لكافة الاساليب  و  الادوات  لنيل  الاستقلال  و  حق  تقرير  المصيربما في ذلك   القوة  المسلحة .

لقد  لجأت   العديد  من  الشعوب التي  رزحت  تحت  نير  الاستعمار  و  الاحتلال   الي   العصيان المدني   ,  و ذلك  لاجل  نيل  الاستقلال و استئصال  شأفة   الاستعمار , و  المثير  في معرض  الحديث  عن  التأصيل القانوني  لمعني العصيان المدني ,  أن  مصر  في  العام  1919 كانت  من  أوائل  دول العالم  في  التاريخ الحديث ,  التي  انتهجت  هذه 

النهج  لاجل  الحصول  علي الاستقلال  التام  ,  أو  الموت الزؤام  , كما  كان  يردد  المتظاهرون  المصريون , حيث  أجمعت جموع  الشعب  المصري في  ذلك الوقت  , بعد  نفي  الزعيم  المصري  سعد  زغلول و رفاقه  خاج  مصر ,   الي  اللجوء الي   العصيان المدني ,  للضغط  علي  المحتل  البريطاني  كي   يمنح  البلاد  الاستقلال   و  الحرية  التي  كانت  تتطلع  اليهما  منذ  عام  1882 ,  فشمل  العصيان المدني  سائر  أنحاء  البلاد  ,  و شارك  فيه  كل  العباد  من طلبة  المدارس  و  الجامعات  و  عمال  البريد  و  البرق و الترام  و  السكك  الحديدية  و  المحامين ,  و  ضم  الاضراب  في  النهاية  سائر  الموظفين  الوطنيين  العاملين  في  دواوين الحكومة  ,   حتي  انتهي  العصيان العام  و  أتي  ثمرته  غير  الناضجة  بمنح بريطانيا  لمصر   صك  الاستقلال  غير  القابل  للصرف في  فبراير  من  عام  1922 .

أما  في  غزة و القطاع  المحتلين  ,  فقد  لجا  الاشقاء  الفسلطينيون  أيضا  لهذه  الوسيلة  للرفض  و الضغط  ,  علي  السلطات  الاسرائيلية  لنيل  استقلالهم  المروم ,  حيث شملت  الانتفاضة  الفلسطينية   الاولي  المسماة  بانتفاضة  الحجارة   في  ديسمبر  1987   العصيان العام  التام    ,  و لم  يتوقف  العصيان  المدني الفلسطيني  الا  في  عام  1993  بعد  توقيع  اتفاقية  أوسلو  مع  الاسرائيلين .


ان  النظرة الفاحصة  للعديد  من    المواثيق  و  الاعلانات   الدولية  الصادرة  عن  منظمة  الامم  المتحدة  تكشف  عن  حق  الافراد  في  اللجوء للاضراب  فضلا  عن    التجمعات  السلمية -  المظاهرات -  لا  العصيان المدني ,  و ذلك  بحسبانهما حقين   اساسيين  من  حقوق  الانسان , و يأتي  الاعلان  العالمي  لحقوق  الانسان  الصادر  عن  المنظمة  في  عام  1948 ,  و  العهد  الدولي  للحقوق  الاقتصادية  و الثقافية  و الاجتماعية  الصادر  أيضا  عن  المنظمة  الاممية  في  عام 1966    علي رأس  المواثيق  الدولية  التي ترسخ  الحق  في  الاضراب  و التجمع  السلمي . فحين قضي   القضاء  المصري
ببراءة كافة  المضربين  من   عمال  سكك  حديد  مصر  في  الواقعة  الشهيرة عام  1986 ,  فقد  أسس  الحكم  حيثياته  علي  انضمام  مصر  للعهد الدولي  المشار  اليه  سالفا  و  الذي  يكفل  للعمال  الاضراب ,  و  هنا  تثرينا  الحالة  المصرية  بمدد مهم في سياق  الممايزة  بين  مفهوم  الاضراب  و  مفهوم  العصيان المدني  العام .

و لم  تخرج  التشريعات الوطنية  عن  المواثيق  الدولية  في  ذات  الاطار ,  حيث لم  تقر  هذه  التشريعات الوطنية  في  معظم  دول  العالم  ,  اللجوء  الي  العصيان  المدني كحق  من  الحقوق  الاساسية  للانسان , باعتبار  أن  هذه  الفعل  يعد  خروجا  عن النظام العام  ,  و  انتهاكا  للشرعية  التي  تجسدها  التشريعات  و القوانين  ذاتها .


,  و ذلك  بالنظر الي  أن  العصيان  المدني في  مجمله  اعتراضا  و  عصيانا  لتنفيذ  التشريعات  و القوانين  السارية  ,  بغض  النظر  عن  الغايات  و  الاهداف  السياسية  ,  و  الاقتصادية  ,  و الاجتماعية  و  غيرها  من  مطالب  أخري  قد  يسعي  المشتركين  في  الاعتصام  المدني  لتحقيقها .

فاذا  كان  النظام  العام يعد  صورة  مادية  ملموسة  مجسدة  لحالة  النظام المناهض  للفوضي , و  أنه يعد  ايضا  ,  مجموع الشروط  اللازمة  للامن  و  الاداب  و  النظام  و  الصحة   التي  لا  غني  عنها  لقيام  علاقات  مستقرة  بين  سائر  أنحاء  المجتمع  في  دولة  معينة  و  في  حقبة  زمنية معينة , فانه  ما  من  شك  أن  العصيان  المدني في  هذه  الحالة  يقوض  اسس  النظام  العام  للدولة ,  و  من  ثم  فان  المصالح  القصوي  للمجتمع  ,  تتطلب  تدخلا  من  الدولة  في  هذه  الحالات  و  ذلك  من  أجل  اعادة   النظام  العام  للحالة  العادية  الطبيعية  ,  بعد  أن  حاقت  به  الاخطار  ,  و تبدد  الخوف  و  الروع  و  الهلع  من  جانب  المواطنين ,  الذين  اعتديت  علي  حقوقهم  الخاصة  في  الامن  و السكينة  و   الحرية  .

ان  حريات الافراد  و  حقوقهم  يقابلها  حق  الدولة , لذلك  فلضمان  استقرار  , بل  دوام  الدولة  و  بقائها ,  لابد  لها  من  النظام ,  و  عليها  أن  تدرء كافة  الظروف و  الملابسات  و  التي  قد  تحيق  خطرا  بهذه  الدولة ,  و  هنا  فالدولة  ليست  هدفا  بحد  ذاتها  للدولة ,  لكن  الافراد  - عناصر  هذه  الدولة  -  الذين من  دونهم  ما قامت  الدولة   هم  الهدف  الاساسي  لتدخل  الدولة  لحفظ  النظام  العام . فحريات الافراد  ليست  مطلقة  ,  كما  أن  النظام  العام  أيضا  يجب  ألا يكون  مطلقا ,  حيث يكون  النظام  العام  ديمقراطيا  حينما  يكون  نسبيا  لا  مطلقا , فلابد  من  قيود  لاتقاء  الفوضي و  عدم  الاستقرار , لكن  من  الحمق أيضا  وضع  القيود  ما  لم  تكن  في سبيل  المصلحة العامة  و  خاضعة  لرقابة  القضاء .

----------------

أستاذ القانون الدولي العام