رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

إتقان العمل واجب شرعي

بقلم -دكتور أحمد عرفات القاضي

إن الاحتفال بمرور عام على الثورة المصرية التي قامت في 25 يناير الماضي تستوجب علينا جميعا كمصريين من جميع الاتجاهات والتيارات الفكرية والدينية أن نتكاتف من اجل إعادة البناء في هذه المرحلة الحرجة من عمر الثورة المصرية ويعد هذا ضرورة ملحة وليس من قبيل المبالغة في شيء إذا قلنا أنها ضرورة إنسانية تحتمها ظروف المجتمع وتحديات الواقع

التي تهدد الثورة في أهدافها وعلى رأسها التخلص من ربقة الاستبداد والوقوع في براثن الفوضى التي تسعى قوى كثيرة داخلية وخارجية لافتعالها من أجل إفشال الثورة وعدم بلوغها لأهدافها ومثلها التي رفعها الثوار ممثلة في تحقيق الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة كقيم إنسانية ودينية قامت الثورة أساسا من أجلها بعد أن تلاشت في ظل الأنظمة القمعية التي سيطرت على حياتنا قرابة ستة عقود وهذه الضرورة تؤكدها الأديان السماوية جميعا بالحض على العمل والتسامح وحب الخير للناس جميعا ففي المسيحية التي شعارها المحبة وتؤكد على محبة الأعداء كما في الإنجيل أحبوا أعداءكم وفي الإسلام يقول الرسول صلى اله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق هذه القيم تؤكد على الحب والتراحم والتسامح والتلاحم من أجل تحقيق الهدف وهدفنا حاليا هو رقي مجتمعنا والنهوض به لآفاق أرحب نحو التنمية والتقدم والازدهار ولن يتم ذلك إلا بالعمل الجاد والمتواصل.  
فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان واستخلفه في الأرض من أجل تحقيق رسالة سامية وهي استعمار هذه الأرض بالحق كما أشار إلى ذلك القران الكريم في العديد من السور والآيات كقوله تعالى في سورة هود " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " والخلافة في الأرض واستعمارها لا يكون إلا بالعمل الجاد الشاق الذي يقوم على الإتقان والعمل الصالح الذي يحقق المصلحة العامة للمجتمع الإنساني والإتقان يتحدث عنه العالم اليوم شرقا وغربا باسم الجودة والتنافسية وقد أكد الإسلام على الإتقان في العمل والإخلاص فيه في العديد من الآيات القرآنية كما في قوله تعالى في سورة التوبة " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " فعمل الإنسان ونيته فيه أمر يعلمه الله ويحاسبه عليه وهو أمر أكد عليه القرآن بأن الله تعالى يراقب عمل الإنسان كما في قوله تعالى في سورة آل عمران  " والله بما تعملون بصير" وقوله تعالى في سورة التغابن" والله بما تعملون خبير" والعمل ليس مقصورا في الإسلام على أعمال القلوب والنوايا ولكن يتخطاه إلى الجد والاجتهاد في السعي في عمارة الأرض بإتقان كما في الحديث الشريف إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " فإتقان العمل في الإسلام شرط لقبوله وشرط لتنال عليه جزاء الدنيا والآخرة فجزاء الدنيا هو الأجر المادي وتحصيل ثمرة عملك وجزاء الآخرة هي رضوان الله وإتقان العمل الذي هو ضرورة إسلامية هو أساس تقدم الأمم والشعوب وشرط لنهضتها ورقيها وسنة من سنن الله في الكون وحينما أدرك المسلمون الأوائل ذلك سادوا الأمم والشعوب وأسسوا حضارة استمرت هي الأولى والوحيدة عالميا في جميع مجالات العلوم والمعرفة لمدة ثمانية قرون بشهادة المنصفين من علماء الحضارة وفلاسفة التاريخ وعلوم الأديان في الغرب .
والإسلام يعلمنا كيف نحول الطاقات المعطلة إلى طاقات منتجة ومن عبء على المجتمع إلى أداة لتطويره وتنميته وبالتالي من عبء على ميزانية الدولة إلى قوة إنتاجية تضاف إلى رصيدها وخير دليل على ذلك قصة صاحب الحلس الذي جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله حاجة لكن الرسول يوجهه للعمل والاعتماد على النفس بدلا من سؤال الناس الذي يعوده التواكل والكسل ويصبح طاقة معطلة وعبئا على مجتمعه فيسأله الرسول هل لديك من شيء فيقول بلى يا رسول الله حلس نلبس بعضه ونفترش بعضه وإناء نشرب فيه الماء وواضح أنه إنسان معدم لا يمتلك من حطام الدنيا شيء وهو بكل تأكيد يحتاج للصدقة والمساعدة لكن الرسول يضع قاعدة أساسية يعلمنا من خلالها أن الإنسان مادام قادرا على العمل فلا يعتمد على المساعدة وعليه أن يجد ويتعب ويثق في عون الله ولهذا أقام الرسول مزادا في المسجد لبيع حلس الرجل وإناءه فيقول من

يشتري هذا الحلس وهذا الإناء فقال أحد الصحابة أنا أخذهما بدرهم فقال الرسول من يزيد على الدرهم وكررها مرتين فقال آخر أنا أخذهما بدرهمين فأعطاهما له الرسول وأعطى الرجل الدرهمين وقال له اشتري بأحدهما لأهلك طعام واشترى بالآخر فأسا وأتن به فذهب الرجل واشترى الفأس وجاء به للرسول فشد به في الأرض ليباركه وقال للرجل اذهب واحتطب وبع ولا أراك إلا بعد خمسة عشرة يوما فذهب الرجل وعاد وقد أصاب عشرة دراهم فقال له الرسول هذا خير من أن تأتي يوم القيامة وفي وجهك نكتة أي علامة على التسول والاعتماد على الصدقة وسؤال الناس بدلا من أن يكون قوة إنتاجية وطاقة مفيدة لأهله ومجتمعه وأمته وهذا الحديث يذكرنا بالمثل الصيني الذي يردده الكثيرون منا لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف اصطاد السمكة وهو مثل في نفس الاتجاه يحض على العمل والسعي لكسبه بدلا من الاعتماد على الآخرين.
فرؤية الإسلام لإتقان العمل والسعي من أجل عمارة الأرض وقراءة كتاب الله المفتوح في صفحة الكون وآياته المبثوثة في الأنفس والآفاق أمر مهم في نهضتنا المنشودة في هذه المرحلة الهامة في إعادة بناء مجتمعنا المصري على أسس صحيحة تقوم على تكافئ الفرص أمام الجميع من أبناء المجتمع دون إقصاء لطرف من الأطراف حتى نستوعب جميع الطاقات ونعيد تأهيل الشباب العاطل ونحولهم لقوة إنتاجية تدفع عجلة التقدم في المجتمع بدلا من التسكع في الطرقات وتركهم فريسة للإدمان والبلطجة والمخربين فيتحولون لعناصر فاسدة ومعاول هدم توقف مسيرة النهضة كما يجب الاستفادة من خبرة الكفاءات المصرية العاملة في الخارج وهي بحمد الله كفيلة بإحداث طفرة علمية وتكنولوجية فمصر تمتلك خبرة هائلة من خيرة العلماء يعملون في أفضل جامعات العالم في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا يمكنهم المساعدة في تطوير التعليم والبحث العلمي حتى يواكب أحدث التطورات في العالم ويصبح وسيلة لربط العلم بالعمل والصناعة في جميع المجالات الصناعية والإنتاجية ويستوعب العمالة الزائدة من الشباب العاطل عن العمل من خريجي الجامعات والمعاهد لكنهم لم يجدوا من يحتويهم ويستفيد بهم في مشروع قومي مفيد لهم ولمجتمعهم .
نحن نريد أن نستلهم تجربة محمد على في تحديث مصر والنهوض بها في ظل مشروع وطني متكامل تتكاتف فيه الجهود في جميع مجالات التنمية الاجتماعية وفي زراعة الأرض وتعمير الصحراء في سيناء التي تمثل ثلث مساحة مصر ولا يسكنها سوى أقلية صغيرة ويمكن لها أن تستوعب ثلث سكان مصر وكذلك في الوادي الجديد والصحراء الغربية عبر مشاريع تنموية وصناعية تحقق طموح الشباب واهداف الثورة بعيدا عن الانقسامات والخلافات التي تؤدي إلى انشقاق الصفوف وتعطل الأمة عن مسيرتها في تحقيق نهضة حقيقية لا يستفيد منها سوى أعدائنا.

---------

رئيس قسم الفلسفة الإسلامية
كلية دار العلوم/ جامعة الفيوم
[email protected]