رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إطفاء ملف الأجور المشتعل

د. أحمد سيد مصطفى

الأربعاء, 25 مايو 2011 09:20
بقلم:د. أحمد سيد مصطفي

 

هل يمكن حل قضية الأجور حلاً عاطفيا أو لنقل حلاً سياسياً، أم يتعين التوصل لحل علي أساس موضوعي علمي سليم؟ ما أسهل ان نتعجل حلاً لاطفاء الملف المشتعل، لكن الحريق يمكن أن يشتعل من جديد.

تتباين أجور العاملين في العديد من مؤسسات الدولة وداخل المؤسسة الواحدة والسبب ببساطة غياب نظام موضوعي للأجور، هذا من ناحية ومن ناحية اخري هناك الغزاة الذين هبطوا علي كثير من المؤسسات من خارجها ليتقاضوا مكافآت مقطوعة بالآلاف حتي لو لم يكن الأداء في حاجة لهم، وأدي ذلك مع ثورة يناير وتطلع الناس للعدالة الي اشتعال ملف الاجور، لكن إطفاء الملف بحلول وقتية او متسرعة سيؤدي لاشتعال الملف لاحقا، إن الحل لا يكمن في مجرد اصلاح القوانين واللوائح الخاصة والاجور او بمجرد تحديد حدود قصوي ودنيا، فعلي أي اساس تكون هذه الحدود؟ كما أن توحيد هياكل الاجور في كافة الوزارات الانتاجية والخدمية لا يضمن موضوعية وعدالة الأجر إذ يتجاهل اختلاف طبائع الوظائف داخل نفس الوزارة أو الهيئة أو الجهاز.. الخ وحجم الجهد العقلي أو البدني المبذول ما تتطلبه كل وظيفة من معارف ومهارات وما يكتنف أداءها من مخاطر أو ظروف عمل مميزة، الأمر الذي يبعدنا عن موضوعية وعدالة الاجور.

إن الحل يجب أن يكون علمياً وليس اجتهاديا، إن القضية ببساطة لها شقان، أما الأول فهو أهمية أن يفي دخل الموظف بالحد الأدني من احتياجاته المعيشية اضافة لقدر يسير للادخار لتأمين مستقبله ولخدمة الاقتصاد القومي، وأما الشق الثاني فهو ضرورة ربط الأجر بالأداء، ما فائدة اعتماد كادر خاص لفئة أو أكثر من العاملين بينما مستوي الاداء كما هو؟ لماذا نتجاهل ان يرتبط الأجر بكم وجودة الاداء وهو أمر من أبجديات الادارة؟ هل سيؤدي الكادر الخاص لفئة معينة من موظفي الدولة بالضرورة لرفع مستوي الخدمة الحكومية وجودة الاداء؟

إن تشخيصا موجزا للموقف الحالي للأجور في مصر يوضح ما يلي:

1- جدول الوظائف الحالي لا يساعد الموظف العام علي مقابلة أعباء المعيشة في حدها الأدني، وبرغم مسميات مختلفة لحوافز وبدلات ومكافآت فإن اجمالي الدخل الحقيقي للموظف يجعله غير قادر علي تلبية متطلبات الحياة ناهيك عن الادخار.

2- هناك مجلس قومي للأجور لم يسهم بشيء في تهيئة سياسة واقعية للأجور.

3- لا يوجد بمعظم وحدات الجهاز الحكومي معايير للأداء يمكن علي أساسها إجراء تقييم موضوعي

للاداء يسفر عن تقرير قدر الحافز المستحق بشكل موضوعي، وهكذا فقد الحافز معناه الأصيل باعتباره مكافأة عن أداء متميز - بغض النظر عن مستوي الأداء الفعلي - وأصبح جزءا ملحقاً بالأجر.

4- لا يوجد وصف محدث وموضوعي للوظائف يوضح المهام والمسئوليات وظروف العمل ومن ثم متطلبات شغل الوظيفة من تعليم وتدريب وخبرة وقدرات وسمات شخصية، بما يصلح اساساً لتقييم الوظائف كمدخل لتحديد القيم الأجرية العادلة لكل وظيفة، وبدون ذلك فالأجر الذي سيتحدد هو أجر جزافي.

5- لا يوجد تقييم للوظائف يمكن علي أساسه تحديد درجة الصعوبة أو المخاطر المقترنة بأداء ومتطلبات شغل الوظيفة من تعليم مكتسب وتدريب يتعين تلقيه وجهد ذهني أو جسمي مبذول، وهذا أساس لتحديد قيمة للوظيفة تترجم بالتالي لنقاط، وتترجم النقاط الي قيم مالية أي اجور بشكل موضوعي.

6- يرتبط الأجر في الحكومة - بشكل عام - بالمؤهل والأقدمية وليس بمستوي القدرة (الخبرة * المعرفة * المهارة) ولا توجد سياسة موضوعية للحوافز تربط الأداء "او الانتاجية" بالحافز.

والمطلوب ببساطة تخطيط سياسة عادلة للأجور تقوم علي:

1- في القطاع الخاص، تحديد حد أدني للأجور 600 جنيه لغير حاملي المؤهلات  وعديمي الخبرة وألف جنيه للمؤهل المتوسط و1300 جنيه للمؤهل العالي شهرياً بما يتناسب مع الحد الأدني لمتطلبات المعيشة مع تحديثه دورياً - كل ثلاث سنوات - بما يتناسب ومستويات الأسعار / معدل التضخم.

2- في القطاع الحكومي حيث يعمل حوالي 6.3 مليون موظف يتطلب الأمر وصفاً محدثاً وموضوعياً للوظائف في القطاعات النوعية المختلفة، يبني عليه تقييم لكل وظيفة بترجمة أعباء الوظيفة ومسئولياتها وظروف ومخاطر العمل ومتطلبات شغل الوظيفة الي نقاط، وترجمة النقاط الي قيم أجرية، هذا مع الاسترشاد بمستوي الاسعار واتجاهات التضخم، وبمستوي الاجور السائد في المنظمات متماثلة النشاط إن وجدت.

3- علي أساس تقييم الوظيفة يتحدد أجر أساسي يتعين أن يشمل كافة مكملات الاجر الحالية، يضاف له بدل طبيعة عمل - عند الحاجة - يتناسب مع طبيعة الاداء بالوظيفة ودرجة صعوبته والمخاطر المصاحبة للأداء، وكذا حافز اداء يقوم

علي تقييم موضوعي لمستوي اداء الموظف وانتاجيته، وهكذا يمكن ربط الأجر بالانتاجية، وهنا من المقبول أن تتفاوت الدخول وفقاً لمستوي الانتاجية.

4- تقييم أداء شاغل الوظيفة وفق معايير أداء موضوعية ضمن نظام متكامل للثواب والعقاب، ومن ثم تتقرر المكافآت والحوافز علي أساس موضوعي، كما يتعين تحديد طريقة مثلي لتقييم الاداء غير الطريقة التقليدية العقيمة الممثلة في التقرير السنوي أو "لاسري"، ومن أهم طرق التقييم التي نوصي بها طريقة التقييم 360 درجة حيث يكون تقييم أداء الموظف محصلة كل من تقييمه هو لنفسه وتقييم رئيسه ومرؤوسه وزميله وعينة من الجمهور الذي يخدمه، علي أن تكون نتيجة التقييم علنية وليست سرية ليعرف الموظف ما قد يكون من نقاط ضعف فيتداركها.

5- جعل الحد الأقصي للأجور عشرين ضعف الحد الأدني، باستثناء الحالات التي تشهد ندرة في المعروض من الكفاءات في مجال محدد.

6- مراجعة الأجور الأساسية دورياً للتأكد من تناسبها مع معدل التضخم.

من الجميل أن يتبني مجلس الوزراء هذه السياسة الاجرية الموضوعية فيطفئ نار ملف الأجور بشكل موضوعي، قد يأخذ هذا وقتا يتراوح بين ستة أشهر وسنة، لكن ملف الاجور سيغلق دون مشاكل اذ سيتلقي الموظف ما يتناسب مع قدر الجهد المبذول ومستوي القدرة والمهارة، وطالما كانت هناك معايير موضوعية للاداء وأسس سليمة لتحديد الأجور والحوافز فلن تتظلم فئة او تشكو اخري، أعلم أن تصميم هذه السياسة الأجرية سيتطلب جهداً من الجهاز المركزي للتنظيم والادارة ووزارات التضامن والقوي العاملة والمالية، وكذا إدارات الموارد البشرية في كل وزارة وهيئة وما يماثلها لكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، فإذا أمكن إعداد ذلك نكون قد أرسينا أسسا موضوعية لسياسة الاجور بالدولة، وتتهيأ مستويات أجرية عادلة تتناسب مع خصائص المجموعات النوعية للوظائف وتلبي تطلعات شاغليها، وتنتفي المطالبات والضغوط من آن لآخر بكادر خاص، ونكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد، فطالما ارتبط الاجر والحافز بقدر وجودة الأداء نكون قد هيأنا عدالة دخل الموظف من ناحية وجودة الأداء من ناحية اخري.

أما من حيث تكلفة الهياكل الاجرية الجديدة فستتوزع بين الحكومة التي توظف ما يقارب من 6.2 مليون موظف والقطاع الخاص (الذي لم تتحدد حجم العمالة به علي وجه الدقة حتي الآن) أما الحكومة فيمكنها مقابلة الزيادة في الاجور وكذا المعاشات من اجل إعادة هيكلة الانفاق الحكومي وتدارك ما كان يهدر من ملايين كشفتها تحقيقات الفساد الاخيرة فضلاً عن رفع أسعار تصدير الغاز وفرض ضرائب تصاعدية مدروسة وضرائب علي أرباح بيع الاوراق المالية في البورصة مع خفض الضرائب المخصومة من أجور العاملين، ومن مصادر أخري تحددها وزارة المالية مثل إصدار سندات، وأما عن القطاع الخاص فان ربطه للأجر بالانتاجية يساعد علي تخفيف أثر الزيادة في تكلفة الاجور التي ستزيد ليس فقط بزيادة الأجر بل أيضا بنصيب صاحب العمل من التأمينات، والمطلوب هنا مستوي أجري يحقق توازنا بين مصلحة صاحب العمل والعامل معاً، انها دعوة للفكر.

*أستاذ الادارة - جامعة بنها