رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الفشل في معالجة الأزمة.. مصر للطيران نموذجا

د. أحمد سيد مصطفى

السبت, 15 سبتمبر 2012 06:27
بقلم: د. أحمد سيد مصطفى

أضربت طواقم الضيافة الجوية في مصر للطيران فكان ما كان من شلل حركة السفر بمطار القاهرة الدولي وتأجيل حوالي 50 رحلة خارجية وتكدس أكثر من خمسة عشر ألف راكب منهم رجال أعمال وقتهم ثمين وتكلفة تأخرهم كبيرة ماليا وأدبيا، وسائحون نبذل قصارى جهدنا لجذبهم في هذه الأيام الصعبة، ومصريون يعملون بالخارج لديهم توقيتات عودة محددة لمباشرة أعمالهم وآخرون متوجهون لمؤتمرات أو زيارات عمل تُحسب توقيتاتها بالساعة والدقيقة. هذا فضلا عن خسائر قدرت بحوالي خمسين مليونا من الجنيهات. والأخطر من ذلك الآثار السيئة التي لحقت ليس فقط بالركاب ومصالحهم بل بسمعة الشركة وقدرتها التنافسية في صناعة النقل الجوي العالمية وبموقفها المالي، وأيضا بحركة السياحة العالمية إلى مصر.

دائما ما نقول في موضوع إدارة الأزمة إن منع وقوع الأزمة هو من أساسيات ومهارات إدارتها. والسبيل إلى ذلك أن أي وزارة أو هيئة أو شركة يجب أن يكون لديها على الأقل فريق مدرب على إدارة الأزمات، إن لم يكن إدارة للتخطيط الاستراتيجي تتضمن اختصاصاتها التنبؤ بجُل ما يمكن أن يكون من مخاطر على المدى القريب والمتوسط ضمن مسح البيئة المحلية والعالمية التي تعمل بها الشركة. وتشمل اختصاصات فريق الأزمات أو الإدارة سالفة الذكر تحديث التنبؤات بالمخاطر المتوقعة وإعداد وتحديث السيناريوهات البديلة لمواجهتها. والهدف من ذلك هو استباق الخطر ومحاولة منع وقوعه، ثم إدارة الموقف برشاقة إن وقع هذا الخطر. لكن المؤسف أننا نتحرك كرد فعل للمفاجأة رغم أنه كان يمكن – في حالات كثيرة - استباق الخطر.
عادة ما تتطلب الإدارة الفاعلة للأزمة وقتا للتخطيط يفوق الوقت المستغرق في معالجتها. ويترتب على الإخفاق في معالجة الأزمة

نتائج وخيمة قد تفوق حجم الأزمة نفسها. إذ قد تولّد أزمة أخرى. وتحتاج معالجة الأزمات لنظام فاعل لصنع القرارات يقوم على مهارات شخصية للمديرين وتكنولوجيا للمعلومات تهيئ معلومات وافية ودعما لعمليات صنع قرارات معالجة الأزمة.
في حالة مصر للطيران أزعم أنه كان ممكنا منع وقوع الأزمة دون تكبد هذه النتائج السيئة. فقد كان هناك ما يساعد أي مبتدئ في الإدارة - وليس مجرد إدارة الأزمات - أن يتوقع إضراب أطقم الضيافة الذي لاحت بوادره منذ الماضي المتوسط والقريب (قبل الاضراب الفعلي بشهور وكذا بأيام قليلة). كان ذلك ممكنا بإدراك او استشراف الخطر وبدء التفاوض مبكرا مع المضربين، أو بتحسين تدريجي لظروف العمل وبشكل مبكر للحد من حماس العاملين للإضراب.
لماذا أزعم أنه كان يمكن استباق الأزمة ومنع وقوعها؟ من الثابت أن المضربين طالبوا أكثر من مرة منذ منتصف التسعينيات بمطالب عديدة ووفق عليها بعد وقوع الأزمة والاكتواء بآثارها السلبية باستثناء المطالب المالية التي رآها فريق المفاوضين معهم أنها مشروعة واتُفق على تأجيلها لحين تحسن الأوضاع المالية للشركة. سبق أن طالبوا بإنشاء قطاع خاص للضيافة الجوية وبسد العجز الدائم في أطقم الضيافة وزيادة عدد العاملين على الرحلات الطويلة من 7 إلى 14 أسوة بنظام العمل على شركات الطيران العالمية لتخفيف عبأ العمل الزائد عليهم وما يرتبه من زيادة ضغوط العمل. والسماح للمضيفات المحجبات بالطيران وتحسين الخدمة الطبية، ورفع نسبة التأمين ضد
مخاطر الطيران، وتعديل اللائحة المالية للأجور. لقد كانت هذه المطالب حصيلة أخطاء متراكمة من إدارات سابقة، ومن ثم كان من السهل على أي إدارة جديدة واجهت هذه المطالب - ولم تفاجأ بها - أن ترى هذا الكم من المشكلات لتعالجه. كنا نتمنى أن تكون القيادة في هذا المجال من نمط الإدارة التحويلية التي تسعى لتحويل عاملين من محبطين إلى راضين، وشركة من فشل إلى نجاح ومن خسارة إلى تعادل أو ربح، وعموما من مشكلات تراكمت إلى تخفيف حدتها أو معالجتها.
وإذا قال قائل أن هذه الشركة باعتبارها شركة طيران لابد وأن لديها سيناريوهات بديلة لمعالجة مثل هذه الأزمة سنقول أين هي البدائل التي صممت لمعالجتها؟ هل تم تدبير بعض أطقم الضيافة البديلة لتستخدم في مواجهة هذا الخطر أو التخفيف من حدته، وهل جرى التخطيط المسبق للاستعانة بأطقم ضيافة بديلة من شركات طيران أخرى؟ وهل تم تحديد هذه الشركات، وهل عقدت معها اتفاقات مسبقة لتأمين الحاجة الفورية لأطقم ضيافة بديلة.
ربما يشفع للمسئولين عن هذه الأزمة تعدد وتغير القيادات من رئيس الوزراء إلى وزير الطيران المدني إلى رئيس الشركة القابضة لمصر للطيران إلى الشركة التابعة، وهي مصر الطيران للخطوط عبر فترة قصيرة من الزمن. وأن كل من هؤلاء قد ورث مثل هذه المشكلات. لكن أي شركة طيران يُفترض أن يكون لديها تخطيط يتضمن إدارة فاعلة للأزمات وإلا خرجت من المنافسة العالمية الحامية التي لا ولن ترحم من لا يكون على مستوى هذه المنافسة.
لقد تطورت مطالب أطقم الضيافة التي تكررت من مشكلة إلى أزمة رتبت بدورها هذه النتائج الخطيرة التي تواجه شركة تتنافس في صناعة النقل الجوي. لكن المهم أن تكون في هذه الأزمة فرصة للتعلم وتحسين الأداء الإداري. إن إدارة الأزمة أصبحت علما له شأنه. وحريُّ بكل المديرين اليوم أن يتسلحوا بهذا العلم قراءة وتدريبا وأن يشكلوا فرقا مؤهلة لإدارة الأزمات للحيلولة دون وقوعها بقرارات فاعلة لمنع وقوع الأزمة، وأخرى رشيقة للمعالجة الفورية تحت ضغوط الوقت إن وقعت. فالوقاية كما يقولون خير من العلاج. 

أستاذ الإدارة – جامعة بنها

[email protected]