شرف يحكم المدينة

د. أحمد جمعة

الأربعاء, 02 نوفمبر 2011 10:44
بقلم : د.احمد جمعه

ذهبت بالأمس فى زيارة خاطفة إلى القاهرة التي لم أزرها منذ شهور ، ولم أصدق ما وصل إليه حال المدينة ،  فقد شاء حظي العاثر أن أجوب المدينة من أقصاها إلى أقصاها فى زحام شديد لم تره عيناى فى القاهرة من  قبل ،

وأخذت أفكر طويلا ، بطول الساعات التي انتظرتها بإشارات المرور ، متابعا عن كتب عنفا شديدا لم أراه بين الناس بتلك الحدة من قبل ، وعصبية مفرطة فى التعامل بين قائدي السيارات ، وسيارات سرفيس تقف مباشرة أمام مداخل ومخارج مؤسسات حيوية جدا كالجامعة مثلا،  مغلقة أبوابها تماما، ولا يجرؤ احد على أن ينبس معهم ببنت شفه،  وسيارات تقف صف ثاني وثالث فى كثير من ضواحي المدينة ، والكل يقود سيارتة بالطريقة التي يراها صالحة ليخرج من ذلك الزحام ،  والمشاة يعبرون الشوارع أمام السيارات وكأننا نعيش فى غابة لا يحكمها اى قانون ، وسط غياب أمنى واضح للعيان وأخذت أتساءل ماذا حدث للمدينة فى شهور قليلة؟  ولماذا غاب القانون المروري إلى هذا الحد ، وعمت الفوضى بهذا الشكل ، هل تضاعفت ملايين البشر التي تقطن القاهرة فجأة ، أم نزح إليها سكان الأقاليم ؟
وخلصت انه لا هذا ولا ذاك ، انه شرف يحكم المدينة ، وتذكرت ما حدث بعد  أحداث ماسبيرو ، وكيف خرج علينا هذا الرجل الطيب بكلمة انتظرها المصريون جميعا ليطمئنوا على وحدة بلادهم ومستقبل أبنائهم ،  ورأيت كيف خرج علينا مذعورا ، متحدثا بصوت متردد خفيض ، تحمل قسمات وجهه كل علامات الخوف والذعر ، التي كانت

كافية لأن يدرك كل البلطجية والخارجين على القانون أن دولتهم قادمة لا محالة ، وأنه لا حائل بينهم وبين الناس حتى وان ساموهم سوء العذاب ، فانطلقوا يعيثون فى الأرض فسادا ، فمن خطف رجال أعمال وطلب فدية بالملايين ، ثم قتل أحدهم وإلقائه فى النهر لتأخر أهله عن دفع الفدية ،إلى خطف الأطفال فى سمالوط ، إلى الحمبولى وعصابته التي روعت الصعيد بل وقتلت رجال الأمن ،إلى الهجوم على كمائن الشرطة وقتل الضباط والجنود ، إلى الفوضى المرورية التي جعلتنا أضحوكة بين الأمم ،
ولا أعرف لماذا تذكرت الحجاج بن يوسف الثقفي عندما ولى على حكم العراق ، وكان أهل العراق قد شطوا ،  والعنف على أشده ولا يأمن أحد على ماله أو حياته ، فما كان من الحجاج إلا أن دخل عليهم المسجد ، فبادره الخارجين منهم بسبه وشتمه ، وقال أحدهم لعن الله بنى أمية إذ ولوا علينا مثل هذا ، فاعتلى المنبر وصمت طويلا ثم  قال كلماته الشهيرة ، انى أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ، ويا أهل العراق إن أمير المؤمنين قد رأانى عودا صلبا فرماكم بي ، لأنكم أثرتم الفتنة واضطجعتم فى مراقد الضلال ، ف والله لأنكلن بكم فى البلاد،  ولأجعلنكم مثلا فى كل واد ، ويا أهل العراق إنما أنتم أهل قرية أمنة
مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان،  فكفرت بأنعم الله،  فأتاها وعيد القرى من حولها، فاستوثقوا واستقيموا ، واعملوا ولا تميلوا واستمعوا وأطيعوا ، ثم لن يمر هذا الشتاء إلا ويذل الله على يدي صعبكم ويقيم بسيفي أودكم،  وأنى وجدت الصدق مع البر ، ووجدت البر فى الجنة ، ووجدت الفجور فى النار ، وأنى لأقسم بالله لا أجد رجلا منك يتخلف بعد أخذ عطائه إلا وضربت عنقه ، ووالله لأؤبنكم أدبا غير الأدب ، فارتعدت فرائسهم جميعا ، وقام أحدهم مرتعدا قائلا أيها الأمير أنى على الضعف كما ترى ، ولى ولد أقوى منى على الأسفار، أتقبله عنى بديلا، فقال نقبله أيها الشيخ ، فسأل من هذا؟ فقالوا انه عمير أيها الأمير ، فقال أأنت من دخلت على أمير المؤمنين عثمان وهو مقتول ، فوطئت فى بطنه فكسرت ضلعه، إن فى قتلك أيها الشيخ إصلاح للناس وأمر به فضرب عنقه ، فارتعد أهل المدينة أجمعين، واختفى كل البلطجية واللصوص والمجرمين والخارجين عن القانون ، خوفا من أن تضرب أعناقهم .
وبعد أيها القارئ الكريم ، ألم تكن تتمنى أن يخرج علينا حاكم البلاد بكلمات كتلك بعد فتنة ماسبيرو وغيرها من أحداث جسام مرت بها البلاد ، بدلا من الطبطبه والرتب على الأكتاف ، ألا يستحق المصريون من أبناء هذا الشعب الطيبين المسالمين رجلا كهذا الحجاج ، نحن بالطبع لا نبحث عن سفاح (إن كان الرجل كذلك) ولكننا نبحث عن رجل مهاب إذا تكلم إلى الناس استمعوا وإذا أمر بما يرضى الله والوطن أطاعوا ، رجل  يأخذ بأيديهم إلى الأمان، ويحمى عليهم أموالهم وأعراضهم ، ومن قبلها حياتهم ، فيتوجهوا للعمل والإنتاج بدلا من الأضرابات والأعتصامات ، كمفردات لغوية بديلة عن الكسل والرغبة فى عدم العمل ، فلتدعوا الله أن يرسل لنا فى هذه الأيام مثل هذا الرجل ليخرجنا مما نحن فيه ، وآلا فلتلزموا أيها المصريون دوركم ذلا مساكينا.

----------
استشارى طب الأطفال
الأمين العام المساعد لحزب الوسط بالفيوم
[email protected]