رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

«الإسلامُ والآخر..» تاريخ من التسامح الفريد

أ. د محمد داود
أ. د محمد داود

يكاد التسامُح أن يكون خصيصةً إسلامية، فعلى مستوى المرجعية، تُوجِبُ العقيدةُ الإسلاميةُ على المسلمين الإيمانَ برسل الله السابقين على محمد صلى الله عليه وسلم، والاعترافَ بكتبهم وشرائعهم، فى أصلها السماوى الصحيح، قال تعالى:

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} «البقرة: 285».

ويشهدُ تاريخُ المسلمين لهم أنهم حين يمتلكون القوةَ، فإنهم يكونون أكثرَ تسامحًا وأعظم نبلًا وأرقى إنسانيةً تجاه الآخر، فى مقابل استبداد وغطرسة وقسوة وعدوانية هذا الآخر تجاههم، حين يمتلك أسبابَ القوة، وتنقلبُ الحالُ لصالحه.

 

وعلى أرض الواقع، وُضِعَتْ اللبِنات الأولى فى صرح التسامح الإسلامى، من خلال ممارسات صاحبِ الرسالة صلى الله عليه وسلم، كما فى موقفه من مشركى قريش الذين آذَوْه وأخرجوه هو وأهله وأصحابه حين فتح مكة، فقد سألهم: ما ترون أنى فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم. فأجابهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

 

وقد شهدت عصورُ تاريخ المسلمين المتتابعة نماذجَ مشرفةً من التسامح والإنصاف فى معاملة الآخر. فحين فتح عمرو بن العاص مصر فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنهما أمَّن عمر نصارى مصر على معتقداتهم وأعاد البطريرك بنيامين إلى زعامتهم بعد أن كان مختفيًا لمدة طويلة فرارًا من بطش الرومان إخوانِه فى الملة أعدائِه فى المذهب وأوكلَ إليه ابنُ العاص الإشرافَ على شئون طائفته.

 

وتوضح وثيقةُ نص الصلح بين الفاتحين المسلمين وأهل مصر ملامحَ سياسة هؤلاء الفاتحين تجاه أهالى البلاد المفتوحة، وما تتميزُ به من نبل وتسامح، يقول النص: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر، الأمانَ على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم وبرِّهم وبحرهم.. ومن دخل فى صلحهم من الروم والنُّوَب، فلهم مثلُ ما لهم، وعليهم مثلُ

ما عليهم. ومن أبى واختار الذهاب، فهو آمنٌ حتى يبلغَ مأمنَه، أو يخرجَ من سلطاننا».

 

وفى السياق نفسه، يأتى نص عهد عمرـ رضى الله عنه لأهل إيلياء بيت المقدس فقد جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهلَ إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، أنه لا تُسْكَنُ كنائسُهم، ولا تُهْدم ولا يُنْتَقصُ منها ولامن خَيِّرها، ولا من شىء من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يُضارَ أحدٌ منهم. وعلى ما فى هذا الكتابِ عهدُ الله وذمةُ رسوله وذمةُ الخلفاء وذمةُ المؤمنين».

 

على النقيض من ذلك، فإن الصليبيين حين اقتحموا بيت المقدس ارتكبوا هناك مذبحةً هائلة، وأُبيحت المدينة للسلب والنهب والقتل عدةَ أيام، وفاض الدم، حتى خاضت فيه الخيول لركبها، وظلت الجثثُ مطروحةً فى الشوارع عدة أيام. وفى هذا الجو الكئيب الموحش اجتمع الصليبيون فى كنيسة القيامة للاحتفال والشكر، كما أرسلوا للبابا يهنئونه.

 

فماذا فعل صلاح الدين بالصليبيين فيها، حين حررها من أسرهم؟ تم التسليم على فدية يسيرة، وعُومل الأسرى من الشيوخ والنساء والأطفال معاملةً تنطوى على كثير من السخاء والكرم والشهامة والسماحة، وأُطْلِق من المدينة حوالى مائتى ألف صليبى كانوا بها.