رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .. الهجرة غير الشرعية والحفاظ على النفس في الإسلام

دنيا ودين

الثلاثاء, 24 نوفمبر 2020 13:34
لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .. الهجرة غير الشرعية والحفاظ على النفس في الإسلامالدكتور إبراهيم البيومى إمام وخطيب مسجد السيدة زينب

كتب-احمد الجعفرى

الهجرة غير الشرعية ظاهرة عالمية ومشكلة رئيسة يعانى منها كثير من الدول؛ لما يترتب عليها من إضرار ترتبط بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمكانية لهذه الدول؛ ألا وهي الهجرة غير الشرعية.

 

وتحدث الدكتور إبراهيم البيومى إمام وخطيب مسجد السيدة زينب حول الهجرة غير الشرعية في الاسلام قائلا: عمومًا تنقسم الهجرة حسب شرعيتها من عدمه إلى قسمين:

هجرة شرعية: أي الهجرة المنظمة التي تتم وفقا للقانون والقواعد القانونية التي تقرها الدولة المهاجر منها أو إليها الفرد ووفقا للأعراف والقوانين الدولية.

هجرة غير شرعية : وهي الهجرة غير النظامية أو المنظمة أيضا التي تتم سريا ودون علم السلطات المعنية أو الجهات الرسمية وخارجة عن القانون والأعراف الدولية. وهي المعنية في هذا اللقاء.

 ويطلق عليها أسماء أخرى؛ منها: "الهجرة السرية" و"غير القانونية" و"غير النظامية" وهي أسماء لمسمى واحد.

والهجرة غير الشرعية لها أسباب ودافع تتمثل فيما يلي:-

أولًا: حاجة الأفراد لتحسين الوضع الاقتصادي والمستوى المعيشيّ: والتخلص من الفقر والبطالة .

ثانيًا: تقصير الآباء في تربية أبنائهم: وتنشئتهم النشأة الإسلامية الصحيحة، وتفقدهم في حياتهم، فقد قال والد أحد الضحايا: «لم أعلم بسفر ابني إلا حينما علمت بوفاته غرقًا »!!

ثالثًا: تقليد ومحاكاة الآخرين : فينظر الفرد إلى جاره الذي هاجر متهربًا ويقلده في كل شيء حتى المهالك .

رابعًا: ضعف الإيمان في نفوس كثير من الناس: وخاصة إيمانهم بأن الله هو الرزاق، فاعتقدوا أن مكثهم في ديارهم لن يأتيهم بالرزق، فقد دفع الواحد منهم مبلغًا كبيرًا من المال ثمنًا لفراره من بلده وسفره، ولو قاموا باستثمار هذا المبلغ في بلدهم وتوكلوا على الله لكفاهم الله – عز وجل – حيث يقول:{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }. [الطلاق: 2، 3].

رابعًا: الخلافات العائلية: فقد يكون هناك شقاق وخلافات أسرية؛ فيضطر الفرد إلى الهجرة للهروب من الخلافات.

واضاف الدكتور ابراهيم البيومى امام وخطيب مسجد السيدة زينب قائلا:

العنصر الثاني: مخاطر وآثار الهجرة غير الشرعية

عباد الله: للهجرة غير الشرعية مخاطر وآثار سيئة تعود على الفرد والمجتمع؛ بل والدول كلها وتتمثل فيما يلي:-

أولا: مخالفة ولي الأمر : فالمهاجر قد كسر كل الحواجز والحدود والقوانين والدساتير الدولية ؛ فخرج بغير إذن ودخل أرض المهجر بغير إذن؛ وقد أوجب الله تعالى طاعة أولي الأمر؛ فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ }. ( النساء: 59 ). قال العلامة ابن عاشور في “تفسيره”: “أولو الأمر من الأمة ومن القوم: هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنه من خصائصهم إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا: أهل الحل والعقد.

فمن أراد أن يهاجر من بلد إلى آخر فعليه الالتزام بالقوانين المتفق عليها بين الدول في هذا الشأن والتي أمر الحاكم بالالتزام بها ونهى عن مخالفتها، ومن ثم تجب طاعته على الفور ولا تجوز الهجرة خارج هذا الإطار الـمنظم لها.

ثانيًا: تعرض النفس للمخاطر والمهالك : فالمهاجر يعرض نفسه للمخاطر والهلاك والغرق في البحر ؛ وقد اتفق العلماء

على أن البحر إذا كان مظنة للهلاك لم يجز ركوبه؛ قال الإمام ابن عبد البر في “التمهيد: “ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه”. اهـ.

ولا يبرر هذا النوع من الهجرة أن أصحابه فقراء، فقد يتعرضون للضياع في البحر أو في الصحراء وقد يهلكون أو يعتقلون، والله تعالى يقول: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. (البقرة: 195) .

فصاحب هذه الهجرة معرض للهلاك أو الاعتقال والإذلال، قال العلامة ابن عاشور: “ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة: النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القدوم عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنى منه المقصود “. اهـ.

وقال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ }. [النساء: 29]. يقول الإمام القرطبي في تفسيره: “وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية: النهي أن يقتل بعض الناس بعضا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال؛ بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف”. اهـ.

ومن الصور الواقعية في ذلك : أن أهل شاب دفعوا مبلغا من المال للسمسار المختص بذلك ؛ فغرق ابنهم في البحر  أثناء هجرته ؛ فطلب أهله رد المال ؛ فقال لهم : ليس لكم عندي مال ؛ ولكن هاتوا أخاه وأتعهد بهجرته وسفره دون أن آخذ منكم شيئًا . فانظر كيف هلك الأول ويريد أخذ الثاني لهلاكه ؟!!

ثالثًا: التعرض للذل والهوان: فإن الدخول إلى البلاد المهاجر إليها من غير الطرق الرسمية المعتبرة يجعل المهاجر تحت طائلة التتبع المستمر له من قبل سلطات تلك البلد، فيكون معرضا للاعتقال والعقاب، فضلا عما يضطر إليه كثير من المهاجرين غير الشرعيين من ارتكاب ما يسيء إليهم وإلى بلادهم، بل وأحيانا دينهم، ويعطي صورة سلبية عنهم؛ كالتسول وافتراش الطرقات، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلم أن يذل نفسه؛ فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق».( ابن ماجة والترمذي وحسنه). وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من أعطى الذل من نفسه طائعا غير مكره فليس منا

رابعا: خرق المعاهدات والعقود الدولية: التي تنظم الدخول والخروج من بلد إلى آخر، قال صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرم حلالا، أو أحل حراما» ( الترمذي وقال: حسن صحيح) . قال العلامة المناوي في شرحه للحديث: “(المسلمون على شروطهم) الجائزة شرعا؛

أي: ثابتون عليها واقفون عندها، وفي التعبير بـ(على) إشارة إلى علو مرتبتهم، وفي وصفهم بالإسلام ما يقتضي الوفاء بالشرط ويحث عليه “. اهـ. ” فيض القدير” .

خامسًا: التعرض للكذب والتزوير: وهو ما يكون في بعض صورها من تزوير وغش وتدليس على سلطات الدولتين المهاجر منها والمهاجر إليها، وهو من باب الكذب، وهو: الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه، والأصل فيه التحريم؛ وقد قال الله تعالى: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}. ( الحج: 30 ). وفي هذه الآية أمر صريح مؤكد باجتناب الزور ؛ كما هو غش؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا». (مسلم) .

سادسًا: التعاون على المعصية والإثم والعدوان: فقد يلجأ المهاجر لمن يزور له أوراقه، أو يلجأ لمن يعينه على الوصول والدخول إلى وجهته بسلوك دروب الهلاك، كل هذا نظير أجرة محددة، وقد قال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} . ( المائدة: 2 ) . قال الحافظ ابن كثير: “يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو: البر، وترك المنكرات، وهو: التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم”. اهـ.

هذه مخاطر وآثار الهجرة غير الشرعية ؛ وغير ذلك من الآثار التي لا يتسع المقام لذكرها .

أيها المسلمون: قد يقول قائل: وما الحل والعلاج والبدائل؟! أقول وبالله التوفيق:

أولًا: السعي والأخذ بالأسباب: فإن رزقك الله بوظيفة فاتق الله في عملك؛ وإن لم تكن موظفًا فلا تركن إلى اليأس والإحباط ؛ بل ينبغي عليك أن تأخذ بأسباب السعي والرزق في بلدك ؛ فهذا سيدنا عبدالرحمن بن عوف ؛ رفض أن يكون عالة على أخيه سعد بن الربيع في عقد المؤاخاة ؛ وصدع بكلمة كلها أمل وتفاؤل وأخذ بالأسباب قائلًا: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق. فخرج إلى السوق وتاجر حتى أصبح من أغنى أغنياء المدينة؛ يقول عبدالرحمن بن عوف: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا وفضة.” (السيرة النبوية لابن كثير) .

فقد ضرب لنا سعد بن الربيع أروع الأمثلة في الإيثار والمواساة؛ وضرب لنا عبدالرحمن بن عوف أروع الأمثلة في العفة والأخذ بالأسباب والخروج إلى سوق العمل والإنتاج .

ثانيًا: مراقبة المتاجرين بآمال الشباب ومحاسبتهم وردعهم: فلولي الأمر تعزيرهم على فعلهم وإلزامهم الدية لقتلهم هؤلاء الشباب، أو إيقاع القصاص بهم .

ثالثًا: إحياء بيت مال المسلمين: ومساعدة الشباب بتوفير سبل الحياة الكريمة لهم في بلادهم بدلاً من البحث عنها في ديار الغرب بطرق غير مشروعة .

رابعًا: عدم استبطاء الرزق: لأن رزقك سيأتيك أينما كنت ، فمن استعجل الرزقَ بالحرام مُنِع الحلال، وأسوق لكم قصة رائعة تؤيد هذا الكلام:

 رُوِي عن علي رضي الله عنه أنه دخل مسجد الكوفة فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج دينارًا ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلا ليشتري له خطامًا بدينار، فاشترى له الخطام، ثم أتى فلما رآه علي رضي الله عنه، قال سبحان الله! إنه خطام دابتي، فقال الرجل: اشتريته من غلام بدينار .

 فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله! أردت أن أعطه إياه حلالًا، فأبى إلا أن يأخذه حراما!!

فالسارق رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والمرتشي رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والمهاجر هجرة غير شرعية رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام !! وقس على ذلك كل طرق الكسب المحرمة والمنتشرة في المجتمع!! وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم: ” إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته” . (الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه).

أهم الاخبار