رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أمجاد العهد الكلاسيكي للإسلام

خيري شلبى

الثلاثاء, 23 أغسطس 2011 10:30
بقلم: خيرى شلبى

وعن الأزمنة العباسية يتحدث «غارديه»، حيث تعتبر الحقبة الممتدة بين سنة 057م حتي القرن الثاني عشر الحقبة الكلاسيكية الممتازة في الحضارة الإسلامية، ففي مطلع هذه الحقبة كان القرن التاسع هو عصر الترجمات الكبري وتحت رعاية الخليفة تشكلت لجان من المترجمين،

اشتهر بعضها حتي أيامنا هذه مثل مجموعة حنين بن إسحاق، وقادت حركة ثقافية ذات أهمية بالغة، وتفتحت نهضة علمية عالمية شاملة ذات نزعات إنسانية، وطرحت علي بساط البحث أشكالاً من التفكير السامي الخاص، وأغفلت الثقافة الإسلامية منها دون أن تفقد معها أصالتها، وبفضل هذه الحركة أمكن للفلاسفة الإغريق والمسلمين أن يتغلغلوا - في القرنين الثاني عشر والثالث عشر - فى فكر القرون الوسطي اللاتينية. وكان الموالي مواطنين كاملي الحقوق، فلعبوا دوراً من الدرجة الأولي في الإمبراطورية. وإذا ظل للشعب العربي نوع من التشريف لكونه شعب النبي والصحابة، وكذلك للغة العربية، لغة كلام الله، إلا أن شمولية أعطيت الأفضلية علي الاستمرارية القبلية التي كانت سائدة في العربية القديمة ونقلت العاصمة مرة أخري إلي الشرق، من دمشق إلي بغداد، وانفتحت علي التأثيرات الإيرانية واحتل الإيرانيون بأعداد متزايدة بعد أن دخلوا في الإسلام - وظائف، وقاموا بمهمات رسمية عامة، وقامت منهم سلالات وزراء وأمراء، لكن منذ القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، أخذ الأتراك في الدخول في الإسلام، ونشطت ميليشيات تركية من العبيد والأحرار وتكاثر عددها في القرن الخامس الهجري. وقد عرفت البلاطات العباسية الأبهة، والتشريفات التي كانت تقدم للخليفة استمدت من العادات الفارسية أو البيزنطية المعقدة، لقد قامت الثورة العباسية باسم مبادئ الإسلام، ولكن البلاطات العباسية استسلمت للولائم والأغاني والرقص، والانقسام بين البلاط والمدنية كان شديد الوطأة.

كانت الحضارة العباسية في أساسها - يقول - مدينية. وتدل الدراسة الاجتماعية الاقتصادية لظروف الحياة علي تعقيدات وتراكمات الفئات الاجتماعية المتنوعة فهي مراتب اجتماعية أكثر مما هي طبقات. والحضارة الإسلامية في العصر الكلاسيكي، رغم كونها حضارة مدينية، كانت ترتكز علي جماهير ريفية كبيرة، شعوب من المزارعين، والرعاة والبساتنة والمجهرين للمواد الأولية الاستهلاكية. وأسلحة الأرياف كانت أبطأ من أسلحة المدن، إذ تأخر كثيراً فتح المدارس القرآنية في كل قرية - وظلت البداوة الراحلة المتأصلة في الآداب العربية - التركمانية والمغولية - سائدة في قطاعات كثيرة. والواقع أن الكاتب والمثقف الموظف في الإدارات العربية أو الإيرانية، قلما كان يري في الفلاح أمياً جاهلاً حتي أصبحت كلمة فلاح مرادفة السيء، والإسلام في أوائل عهده اكتفي بمنع استرقاق المسلم الحر مهما كان السبب. والعبيد الخدم كانوا علي العموم يعاملون معاملة حسنة. وكان لهم مقررات وحقوق، وعبيد المشاريع المؤمنة. والعمال المزارعون كانوا تحت رحمة المالك العقاري وجابي الضرائب. وكان الشغيلة الفقراء والساقطون من الحقوق المدنية عرضة لاستغلالهم في ثورات مسلحة، في كثير من الأحيان، وقد لعبوا دورًا كبيراً غير منظور، طيلة القرنين الأولين العباسيين وكان لنشاطهم وقع سياسي مهم، وقد خاضوا معارك كثيرة، ففي أواخر القرن الثامن الميلادي، يوم كانت الجماهير الفلاحية في غالبيتها غير مسلمة قام الفلاحون القبط بثورة. وفي المشرق اضطربت الأحوال في أذربيجان بفعل ثورة بابك. وفي طبارستان بفعل ثورة مازيار. والثورتان كانتا موجهتين ضد العرب، واقترنت الثورتان بمطالب اجتماعية اتسمت بالعنف، وقمعتها بالدم وأعدم القائمون بها. وعند الكلام عن الحركات الشعبية نشير إلي ثورة العبيد «الزنج» وإلى ثورة القرامطة، فقد ارتدت الأولي شكل الحرب الاجتماعية الحقة. ودامت من سنة 268 حتي سنة 388م واستولت علي عدة مدن منها البصرة، لفترة، حيث جربت أن تقر نظاماً من النمط الشيوعي، وكانت ردة فعل خلافة بغداد عنيفة فحكمت علي البرفعي بالإعدام ونفذته فيه. ثم لاحقت بدون هوادة الجيوب المتبقية. وكانت الثورة القرمطية أهم، في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الميلاديين، وكان هدفها دينياً واجتماعياً في آن واحد، بل يمكن القول إن هدفها كان اجتماعياً لكونه دينياً، وسيطر القرامطة لعدة

سنوات علي الإحساء، وامتدت دعوتهم حتي خراسان، وسوريا واليمن. وقد سعوا أكثر من الزنج إلي إقامة نظام شيوعي خالص، علي أساس تعليمي، وتبعهم سريعاً عمال المدن الفقراء وأهل الأرياف، وكانت حربهم شاقة وصعبة علي الحكم المركزي. وأخيراً تمكن من صدهم، وانهار الأمل في جمهورية قرمطية، ولكن تأثيرهم امتد لفترة طويلة، حتي بعد انتصار الأيوبيين في القرن الثاني عشر الميلادي.

ويواصل «لوي غارديه» حديثه عن العهد الكلاسيكي، راصدًا معالم في خدمة التاريخ وها هو ذا يتحدث عن المغرب والأندلس، فيؤكد أن المغرب الأقصي - والأندلس - عرف تسللاً شيعياً بصورة خاصة، ولكن الأكثرية السنية استقرت فيه بشكل متزايد، مستقلة تماماً عن بغداد. وبعد أن استولت جيوش عربية بربرية خاضعة للأمويين علي إسبانيا، انقسمت إسبانيا الإسلامية في بدايتها إلي ممالك متعددة، وإمارات وسلطنات، إلا أنه في سنة 557م، أي بعد خمس سنوات من الثورة العباسية، استولي عبدالرحمن الداخل، وهو الناجي الوحيد من المذابح العباسية، كما تقول السير، علي الحكم في قرطبة. وجهد أمراء قرطبة طيلة خمس وسبعين سنة، من أجل توحيد البلاد. وفي سنة 929 أعلن عبدالرحمن الثالث خليفة وتلقب بأمير القوميتين، ودامت الإمبراطورية الأموية حتى سنة 1301م وبخلاف مبدأ وحدة أمة النبي - تواجدت في هذه الحقبة خلافتان متعارضتان عباسية فى الشرق، وأموية في الغرب، وكل منهما يدعي الشرعية لنفسه.

ويقول: مهما كانت عداوة الخلافتين لم تكن المبادلات الثقافية بارزة بين المشرق والمغرب، فقد قام فلاسفة وعلماء وصوفيون أندلسيون أو مغاربة بزيارات للتعلم من منابع الشرق، حيث أصبحت الزيارات عادية في العصور اللاحقة، وقام سياح مشارقة للمغرب أمثال الشيعيين، اليعقوبي وابن حوقل في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين والموسيقي زرياب تلميذ الموصلي الشهير، هرب من بغداد وجاء إلي بلاد قرطبة، وفيها توفق إلي تأليف أكثر القطع الموسيقية المعروفة نجاحاً الموسيقي الأندلسية حيث يختلط الإيقاع وأنماط الشرق والغرب. وأدى سقوط الإمبراطورية الأموية في قرطبة إلي تقسيم إسبانيا المسلحة من جديد، وقامت علي أنقاضها سلالات من الأمراء والسلاطين تقاسمت الأراضي والسلطة. ولم تتوحد إسبانيا المسلمة من جديد إلا علي أيدي سلالة غير عربية، بربرية، تلك هي سلالة المرابطين (بداية القرن الحادي عشر) الذين أتوا من رباط السنغال. وباسم الإسلام المجدد استولوا علي مراكش والأندلس، وجعلوا عاصمتهم في مراكش. وكانت حواضرهم الإسبانية الرئيسية: أشبيلية وقرطبة. وكان فقهاء المالكية (نسبة إلي الإمام مالك) الذين كان لهم تأثير كبير علي الناس، مناصريهم الأولين، وفي نفس تلك الحقبة تحررت أفريقيا من السيطرة الفاطمية (الإسماعيلية) وذلك سنة 1401م لصالح العباسيين السنة في بغداد. وبعد سنتين ومن أجل القضاء علي هذا العصيان أرسل الخلفاء الفاطميون إلي أفريقيا قبائل بني هلال العربية التي كانت تعد عدة مئات من المحاربين ولعبت هذه القبائل أحياناً دورًا سياسياً ملحوظاً في كل بلاد المغرب. وقد جاء بنو هلال من الشمال الشرقي للجزيرة العربية، حيث اشتركوا في ثورة القرامطة. وأسكنهم الفاطميون في مناطق أعالي النيل، ثم تخلصوا منهم بتوجيههم ناحية المغرب. ورغم مجاهرتهم بأصلهم العربي، وتمسكهم بعادات الرُحَّل، فقد تمركز الهلاليون في المغرب حيث شكلوا أحد مكونات العرقية، ثم اعتنقوا المذهب السني.

وعن الأسباب التي أدت إلي إضعاف قوة المرابطين يقول إنها كثيرة، اقتصادية وعسكرية، لكن القرن الثاني عشر شهد سقوطهم أمام سلالة بربرية جديدة، هم الموحدون الذين أتوا من الريف المراكشي ووجود تكوين في

فكر الموحدين، ورسالة تشير إلى بداية القرن الثاني عشر. في هذه الحقبة عرفت أفريقيا أوقاتاً عصيبة: صراع الأزارقة والحماميد ثم قيام مكاتب بحرية من قبل نورماندي صقلية علي الشواطئ التونسية والليبية، إلا أن الموحدين، علي ما يبدو، لم يحظوا علي الإطلاق بثقة الفقهاء المالكيين المغاربة، خصوصاً في الأندلس. وظهر هذا التناقض أكثر حدة عندما انكسر  أمام الجيوش المسيحية الآتية لتحرير البلاد وفى سنة 0231م طرد الموحدون من اسبانيا، وانضمت الإمارات الأندلسية المختلفة إما إلى عباسى بغداد أو إلي آل حفص في أفريقيا وطيلة القرن الثالث عشر، وعلي اختلاف المصائر، حيث تختلط المعاهدات بالمعارك، جابه الموحدون بعد تمركزهم في المغرب، الغزاة من الهلاليين والحماميد في بوجيه والزياديين الذين كانوا يسيطرون علي تلمسان، وبني مرين الأقوياء في مراكش. وبعد موت آخر الموحدين (476 هـ/ 5721م) استولي بنو مرين علي مراكش واتخذوا لأنفسهم اللقب الملكي ومارسوه. وهكذا تفككت عري الوحدة بين المغرب والأندلس، والتي بذل المرابطون الموحدون كل جهدهم في سبيلها.

ويؤكد «لوي غارديه» أن الإمبراطورية الإسلامية عرفت أوج قوتها في القرن التاسع حتي القرن الحادي عشر. لكن عقب القرن الحادي عشر كان علي هذه الإمبراطوريات أن تدافع عن نفسها ضد هجمات الغرب. إن الهجمات الصليبية الأولي (6901 - 9901) - ولم تتكلم عن الصليبيات الشعبية التي قضي عليها الأتراك، بل عن صليبيات الأمراء - سارت من نصر إلي نصر حتي انتهت في سنة 0011 (إلي إعلان مملكة الفرنجة في القدس، ودامت هذه الحكومة أقل من قرن. أما الصليبية الثانية فاندحرت أمام دمشق. وفي سنة 7811م استرد الكردي صلاح الدين القدس، ثالث مدينة مقدسة عند المسلمين. وكان أثر الصليبية الوحيد الثالثة 9811م - 2911 تأسيس مملكة قبرص اللاتينية وانقلبت الحملة الصليبية الرابعة إلي غزوة ضد بيزنطة. وفي القرن الثالث عشر لم يكن للحملة الصليبية الخامسة التي هاجمت مصر أثر دائم. وأثناء الحملة الصليبية السادسة سلك فردريك الثاني إمبراطور الإمبراطورية المقدسة مسلك الدبلوماسي «المحارب» وعقد معاهدة مع العرب. وقد قام لويس التاسع ملك فرنسا بالحملتين الأخريين. وكان هدف الحملة السابعة مصر. فاستولي المهاجمون علي دمياط، ولكن لويس التاسع أسر بعد انكساره في معركة المنصورة (0521) فاضطر إلي دفع الفدية وتسليم دمياط.

وكان من نتائج الحروب الصليبية، ولفترة محددة، العودة إلي تماسك الإسلام السني وتقويته. في القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر كان الفرنجة في صراعهم ضد القلاع الإسلامية في الشرق. الحلفاء الموضوعيين لفاطميي القاهرة، أعداء الأتراك السلاجقة والأكراد الأيوبيين، أتباع بغداد، في سنة 1711 هزم صلاح الدين الفاطميين، وكان انتصار الأيوبيين السنيين إعلاناً بانتصارهم علي الفرنجة في حطين.

تري ماذا كان حال المجتمع الإسلامي الذي ساد طيلة الحقبة الكلاسيكية الإسلامية؟

يصفه «لوي غارديه» إلي أنه كان مجتمعاً متفتحاً، على مختلف إمارات الشرق، وقرطبة الأموية، والمراكز الكبري بأنه المرابطة والموحدة وتونس الأغالبة والخوصية كانت مراكز إشعاع علمي كوني، من القرن التاسع حتي القرن الثالث عشر الميلادي. صدرت مؤلفات كبري في مجالات العلوم والفلسفة والأدب والفنون ومختلف علوم الدين. يكفي أن نذكر هنا العالم الرياضي والجغرافي والفلكي أبو الريحان البيروني، والفلاسفة والأطباء والعلماء أمثال الكندي والفارابي وابن سينا في الشرق، وابن باجة وابن طفيل وابن رشد في الغرب. والكتاب الصوفيين كابن الفارض المصري وابن عربي الأندلسي، وجلال الدين الرومي الإيراني. والموسيقيين الموصلي وزرياب. والمصلح الإمام الغزالي والفقيه فخر الدين الرازي... إلخ. وكثيرة كانت في الغرب وفي الشرق في القصر كما في المدينة، المجالس المفتوحة علي يد وزير أو أمير. وكان يلتقي في هذه المجالس المثقفون والعلماء فيتبارون في مناظرات فكرية وأحاديث وحوارات في كل فن. وإبان الحقبة العباسية العظيمة ظلت هذه المجالس مفتوحة للأميين من اليهود والمسيحيين والصائبة. وكان للفيلسوف المسيحي يحيي بن عدي مجلس يتردد إليه المسلمون وأصبحت المجالس مؤسسة اجتماعية امتازت بها الحاضرات الإسلامية. فيها نشأ أدب السلوك. هذه اللقاءات بين العلماء والباحثين جعلت من المجتمع الإسلامي في عصره الكلاسيكي مجتمعاً متفتحاً. وقد امتدت هذه اللقاءات إلي الأسواق، حيث أصبحت فيها حلقات، قوية يجتمع فيها المتعلمون، ورجال الدين، والطلاب، مع أصحاب الحوانيت والباعة وأهل الحرف. وكان لهذه اللقاءات أثرها، أكثر من غيرها، في سياسة الدولة. مجتمع متفتح يٍُقبل فيه العابرون من كل حدب وصوب. وكان حب السفر طاغياً في المجتمع الإسلامي الكلاسيكي، فالتجارة البرية والبحرية بواسطة القوافل أو السفن كانت مزدهرة، كما أن الحديث النبوي «اطلبوا العلم ولو في الصين» لم يكن حرفاً ميتاً، فالبحارة والتجار والحجاج والجغرافيون المكلفون من قبل الدول، والعلماء والفلاسفة والمتصوفون المتلهفون علي معرفة معلم مشهور وبعيد كانوا يتجولون ويختارون دروب العالم الإسلامي، بل ويغامرون أحياناً إلي ما وراء حدوده، وبفضل الكُتَّاب - يقول - وصلتنا تقارير عن هذه الرحلات، وهي تدل علي حرصهم علي الموضوعية العلمية الخالصة، وقد تدل أحياناً علي ولعهم بالغريب والعجيب.